كيف أسقطت تركيا نفسها في الهاوية؟

كيف أسقطت تركيا نفسها في الهاوية؟

مشاهدة

29/08/2018

ترجمة: محمد الدخاخني


على مدار معظم العقد الأوّل من الألفيّة الجديدة، كانت تركيا واحدة من أسرع الاقتصادات نموّاً في العالم. بل إنّ طموحات هذا البلد قد ارتفعت إلى مستوى أعلى من إنجازاته: فقد طمحت أنقرة بوضوح إلى أن تكون السّوق العاشر عالميّاً بحجم اقتصاد يصل إلى تريليوني دولار، وصادرات تصل إلى 500 مليار دولار، ونصيب للفرد من الدّخل يصل إلى 25 ألف دولار. وفي كلّ مصطلح طنّان اخترعته النّخب الماليّة العالميّة للتّعبير عن مزيجها المفضّل من الأسواق النّاشئة ذات الإمكانات العالية كان هناك حرف T يشير إلى تركيا - كما في مصطلح MINT الّذي روّجت له شركة غولدمان ساكس، وضمّ المكسيك وإندونيسيا ونيجيريا وتركيا، ومصطلح CIVETS الّذي روّجت له وحدة الاستشارات الاقتصاديّة التّابعة لمجموعة الإكونوميست، وضمّ كولومبيا وإندونيسيا وفيتنام ومصر وتركيا وجنوب أفريقيا.

يعزو العديد من المراقبين هذه المشكلات لرئيس البلاد، رجب طيب أردوغان

لكن النّشوة تحوّلت إلى كرب خلال الشّهر الماضي. فقد انزلقت البلاد بشكل سريع إلى اضطّراب اقتصاديّ لم تعش مثله منذ جيل؛ حيث خسرت الّليرة خلال الاثني عشر شهراً الماضية ما يقرب من 37 في المئة من قيمتها مقابل الدّولار - وكان حوالي نصف هذه النّسبة قد فُقِد خلال الصّعود والهبوط المتكرّر الّذي حصل الشّهر الماضي. وثروات 13 من أصل الأتراك الـ 35 المدرجة أسماؤهم في قائمة فوربس لأغنى أغنياء العالم أخذت تقلّ عن المليار. هذا فيما تقع الشّركات التّركيّة الآن تحت أكثر من 200 مليار دولار من الدّيون، ما يقرب من 10 في المئة منها مستحقّة بحلول نهاية العام المقبل، معظمها لبنوك أوروبيّة. وتحتفظ البنوك الإسبانيّة بأكثر من 80 مليار دولار من الدّيون التّركيّة، والبنوك الفرنسيّة بما يقارب 40 مليار دولار، والبنوك الإيطاليّة بما يصل تقريباً إلى 20 مليار دولار. ويمكن للتّوعّك الاقتصاديّ التّركيّ أن يعطي أوروبا والاقتصاد العالميّ بأسره وبسهولة عدوى قاتلة.

القول بأنّ أردوغان كغيره من القادة السّلطويّين يخفي السّمات المميّزة للقصّة التّركية

ظهور أردوغان في المشهد

يعزو العديد من المراقبين هذه المشكلات لرئيس البلاد، رجب طيب أردوغان، ولا يمكن إنكار أنّه جزء من المشكلة. فمثل هذه الأزمات الّتي تواجهها تركيا تنتشر على نحو خاصّ في ظلّ الحكّام الأقوياء الشّعبويّين، الّذين تأتي صنميّة النّمو عندهم على حساب ارتفاع التّضخّم، والعملة المقوّمة بأقلّ من قيمتها الحقيقيّة، وضعف الانضباط الماليّ، والسّياسات النّقدية غير المستجيبة.

مثل هذه الأزمات الّتي تواجهها تركيا تنتشر على نحو خاصّ في ظلّ الحكّام الأقوياء الشّعبويّين

لكن القول بأنّ أردوغان مثل غيره من القادة السّلطويّين هو أمر يخفي السّمات المميّزة للقصّة التّركية. فمن الواضح أنّ أردوغان يؤيّد النّظريات الاقتصاديّة غير الأرثوذكسيّة، بما في ذلك الإصرار المتكرّر على أنّ أسعار الفائدة المرتفعة تسبّب تضخّم الأسعار. لكن في الآونة الأخيرة فقط كان لهذا الجهل تأثير ملموس. وعلى النّقيض من هذه التّطوّرات الأخيرة، حظي أردوغان فقط بقوّة غير مسبوقة بسبب نجاحه المبكّر في التّعامل مع الاقتصاد. وقبل أن نتساءل عن مدى السّوء الّذي سيكون عليه اقتصاد تركيا، من المهم أن نفهم أين بالضّبط أخذت الأمور تتّجه نحو الطّريق الخطأ في المقام الأوّل.

اقرأ أيضاً: أسلي أردوغان: تركيا الآن ألمانيا النازية في الثلاثينيات

في العام 2002، صعد أردوغان إلى السّلطة عبر ركوب موجة السّخط النّاجمة عن أسوأ أزمة اقتصاديّة في تاريخ تركيا الحديث. وعندما جرى انتخابه رئيساً للوزراء، كان السّؤال الأكبر هو ما إذا كان سيتخلّى عن البرنامج الّذي وضعه كمال درويش، الخبير الاقتصاديّ في البنك الدّوليّ ومسؤول التّنمية المستقبليّة في الأمم المتّحدة والمكلّف بإخراج البلد من أزمتها. وكان درويش قد هبط بالمظلّة لإعادة النّظام لأنقرة. وعلى نحو نموذجيّ، قام بخصخصة الشّركات المملوكة للدّولة، وخفض العجز في الميزانية، وشدّد الأنظمة المصرفيّة، وألغى ضوابط الصّرف الأجنبيّ. وقد لقيت سياساته التّقشفيّة الاستحسان في الخارج، وإن كانت حبّة الدّواء المرّة الّتي وضعها صندوق النّقد الدّوليّ هذه قد سحقت ظهور الكثيرين في الدّاخل.

كانت عمليّة صنع القرار عند أردوغان في الأعوام الأولى من حكمه، على الأرجح، ناجمة عن انعدام الأمن السّياسيّ

على النّقيض من ذلك، كان أردوغان مقرّباً من نجم الدّين أربكان، وهو أيديولوجيّ إسلامويّ خدم فترة قصيرة كرئيس للوزراء في أوائل التّسعينيّات. وكانت عقيدة "النّظام العادل" عند أربكان تعني مزيجاً غريباً من المحافظيّة الإسلاميّة والدّولانيّة الاقتصاديّة. كما كان أربكان معادياً للرّأسماليّة: حيث دافع عن الخدمات المصرفيّة منزوعة الفوائد وعزّز التّصنيع الّذي تقوده الدّولة للتّخلّص من الاستيراد. (بالرّغم من أنّه كان أيضاً معادياً متحمّساً للشّيوعيّة، كما يتوقّع المرء من إسلامويّ في حقبة الحرب الباردة). ومن ثمّ خشي الكثيرون من أن يعتمد أردوغان قواعد الّلعبة الّتي يستخدمها مرشده، متوقّفاً عن، وربّما مفسداً، إصلاحات أسلافه.

على أنّ هذه المخاوف لم تتحقّق. فقد واصل أردوغان برنامج الإصلاح على نحو تامّ. ويعود الفضل في هذا الانتقال السّلس إلى الفريق الاقتصاديّ الّذي صحبه خلال الأعوام الأولى. وكان معظمهم من الاقتصاديّين بالتّدريب. كما درس الكثيرون منهم أو عملوا في الخارج. وكانوا ملتزمين بشدّة بأرثوذكسيّات التّفكير الاقتصاديّ الّليبراليّ. وهم أيضاً قد رحلوا منذ فترة طويلة.

أردوغان يذعن للخبراء

كانت عمليّة صنع القرار عند أردوغان في الأعوام الأولى من حكمه، على الأرجح، ناجمة عن انعدام الأمن السّياسيّ. فقد سقطت السّلطة في حضن حزبه، العدالة والتّنمية، بفضل التواءٍ في النّظام الانتخابيّ في تركيا، والّذي يتطلّب حصول الأحزاب على 10 بالمئة على الأقلّ من الأصوات الّتي يتمّ الإدلاء بها. وفي انتخابات عام 2002، فاز حزب العدالة والتّنمية بثلث الأصوات فقط. (وكما نتج في معدّلات الإقبال، فإنّ ربع النّاخبين المؤهّلين فقط أدلوا بأصواتهم لأردوغان). ومع ذلك حصل الحزب على ثلثي مقاعد البرلمان؛ لأنّ حزبين فقط قاما بتخطّي العتبة.

حلّ الولاء محل الجدارة كمعيار وحيد. وانتشر كلّ من الفساد والمحسوبيّة في البلد مثل السّرطان

كان أردوغان ومستشاروه السّياسيّون يعرفون جيّداً أنّهم إذا أرادوا البقاء في مناصبهم، فإنّه عليهم أن يحوّلوا حظّهم إلى نجاح عمليّ. فالحكم الرّشيد أمر حاسم ليس فقط في أمن البلد واستقراره، بل أيضاً في مدّة بقاء زعمائه الجدد في السّلطة وشرعيّتهم. وهنا يظهر سرّ النّجاح المبكّر لحزب العدالة والتّنمية: سياسات سليمة، وقيادة مستقرة، وموظّفين مهرة.

كان الوجه الخارجيّ للإدارة هو عبد الله غول، الّذي كان في ذلك الوقت أحد أقرب المقرّبين لأردوغان. وباعتباره اقتصاديّاً مدرّباً قضى ما يقرب من عقد من الزّمن في البنك الإسلاميّ للتّنمية قبل الدّخول إلى عالم السّياسة، كان لدى غول إدراك قويّ لكيفيّة عمل الاقتصاد العالميّ. وكان كلّ من علي باباجان، وزير الاقتصاد المدرّب في الولايات المتّحدة، ومحمد شيمشك، وزير الماليّة الّذي سبق أن عمل في بنك ميريل لينش، من المقرّبين لغول، ويرجع الفضل إليهم في الثّناء الكبير على معجزة تركيا الاقتصاديّة.

اقرأ أيضاً: تركيا ما بعد فوز أردوغان.. ما شكل "العثمانية الجديدة"؟

على أنّ بعض المشكلات الّتي أخذت تنمو على نحو مزمن كانت واضحة حتّى في ذلك الوقت. فعلى سبيل المثال، قام نائب رئيس الوزراء، عبد الّلطيف شينير، وهو بروفسور تحوّل إلى بيروقراطيّ وكان يشغل منصب وزير الماليّة في عهد أربكان في منتصف التّسعينيّات وأحد مؤسّسي حزب العدالة والتّنمية، بتقديم استقالته في عام 2009، بعد أن اتّهم أردوغان علانية بالفساد؛ وهو الآن من بين المنتسبين إلى المعارضة. لكن بشكل عام، كان أردوغان مدركاً لأهميّة كلّ من الاستقرار والنّمو الاقتصاديّ واستمرّ في بذل جهود كبيرة من أجل بناء ثقة المستثمرين والحفاظ عليها.

على سبيل المثال، أتى قادة البنك المركزيّ بشكل عام من داخل المؤسّسة نفسها. فالمؤلّف المشارك لهذه المقالة، والّذي كان حاكم البنك المركزيّ من العام 2006 إلى العام 2011، تلقّى تعليمه في المملكة المتّحدة وانتقي لهذا المنصب بعد 26 عاماً من العمل في البنك. وينطبق الأمر ذاته على سلفه، سُريا سيردينغيتشتي، وهو بنكيّ مخضرم تلقّى تعليمه في الولايات المتّحدة واحتفظ بمنصبه من أيام فريق درويش، والّذي حلّ محله، إرديم باشجي، هو أستاذ اقتصاد تلقّى تعليمه في جامعة جونز هوبكنز. لكن حتّى في ذلك الوقت، نادراً ما كان أردوغان ينأى بنفسه عن التّعبير عمّا يعتمل في داخله من أفكار. ومع ذلك، لم يكن إلّا حتّى وقت قريب أن صار كلّ من استقلال وكفاءة قيادة البنك موضع شكّ أكثر من أيّ وقت مضى.

أفضل وألمع من في تركيا حلّ محلّهم أسوأ وأضعف من فيها

بداية الأزمة: قوبلت كلّ التّحذيرات بآذان صمّاء

هذه الأيّام هي الآن بمثابة ذكرى بعيدة، والتّحول حدث تحديداً في أسوأ وقت ممكن. في أوائل الألفيّة، غمر الائتمان الرّخيص الأسواق النّاشئة. فالإصلاحات الّتي اضطّلعت بها تركيا للتّخلّص من الأزمة الاقتصاديّة في أوائل العقد الأوّل من الألفيّة أثبتت أنّ ما مضى كان محنة أفضت إلى نتائج جيّدة، لأنّها جعلت من تركيا ملاذاً للمستثمرين الأجانب. وإضافة إلى هذا الحماس، كانت طموحات تركيا المرتفعة للانضمام إلى الاتّحاد الأوروبيّ، والّتي، إذا تمّ تحقيقها، كانت لتجعل البلاد قوّة اقتصاديّة في منطقة اليورو. ولو كانت أنقرة أكثر حكمة، لكان من الممكن أن تتغلّب على هذه الموجة لتعزيز الابتكار، وتحسين الإنتاجيّة، وزيادة القدرة التّنافسيّة، والاستثمار في الشّركات ذات القيمة المضافة العالية والمؤسّسة معرفياً. عوضاً عن ذلك، ذهب الائتمان الرّخيص إلى الهبات الحكوميّة، وعقود المحسوبيّة، والاستثمار في المشاريع المحلية المضمونة، والاستهلاك الواضح، الّذي لا يتحمل سوى الأتراك المسؤوليّة بشأنه.

أنقرة محقّة في إلقاء الّلوم بشأن متاعب تركيا على أعدائها، لكنّها تخطئ التّقدير في نقطة حاسمة: تركيا هي أسوأ أعدائها

لكن بمجرّد أن ضربت الأزمة الماليّة العالميّة وبدأ الائتمان الرّخيص في الجفاف، حاول هؤلاء التّكنوقراط أن يحذّروه، ولو بشكل متأخّر، من أهميّة تغيير المسار. "إذا كنت تقول الحقيقة، فتهيّأ للعَدْوْ"، يقول المثل التّركيّ؛ لأنّ أولئك الّذين قالوا الحقيقة في وجه السّلطة سرعان ما فقدوا أيّ ترحيب بهم. حتّى أولئك الّذين كانوا في أعلى مستويات الحكومة، مثل باباجان وشيمشك، حذّروا علانية وبشكل متكرّر من أنّ تركيا في حاجة إلى تخفيض ديون القطاع الخاصّ، واستعادة حكم القانون، وتقييد الاستهلاك الّذي يدعمه الائتمان، وتهدئة الاقتصاد المحموم. على أيّ حال، لقد قوبلت كلّ هذه التّحذيرات بآذان صمّاء. ومن عبّروا عنها جرى استبعادهم.

وبمجرّد أن خرجت تركيا من إشراف صندوق النّقد الدّوليّ وبدأت صلاحيّاتها في الوصول إلى آفاق جديدة في أواخر العقد الأول من القرن الحالي، بدأ أردوغان يقلق أقلّ عندما يتعلّق الأمر بالّلعب بالقواعد المرعيّة. مع استمرار نمو تركيا، أخذت حظوظ أردوغان السّياسيّة في النّمو أيضاً. ومع استبدال الحكم الجيّد بصنميّة النّمو، تمّت تنحية أهل الخبرة من أجل أهل الثّقة. والمحفظة الاقتصاديّة، الّتي كانت مقسّمة فيما بين ثلاث وزارات، أصبحت الآن في يد شخص واحد هو وزير الطّاقة السّابق، بيرات البيرق، الّذي يبدو أنّ مؤهّله الأساسي لهذا العمل هو زواجه من ابنة أردوغان. والنّصيحة الّتي يتلقّاها أردوغان لم تعد تأتي من المصرفيّين والتّكنوقراط، بل من شخصيّات إعلاميّة استفزازيّة، مثل ييت بولوت وجميل أرتم، الّلذين ليس لديهما سوى الولاء الّذي لا يتزعزع لتقديمه.

اقرأ أيضاً: تركيا.. تحذيرات من حكم الرجل الواحد

ويعدّ بولوت شخصيّة متلوّنة على نحو خاصّ. فهو من المعارضين الأشدّاء الّذين تحوّلوا إلى مؤيّدين متحمّسين، ويعمل على التّرويج لبعضٍ من أشدّ نظريّات المؤامرة والمعلومات المغلوطة غرابة في أنقرة. فمن بين نظريّاته السّابقة أنّ الطّهاة الأجانب هم مجموعة جواسيس، وأنّ المظاهرات المناهضة للحكومة في العام 2013 تمّ التّحريض عليها من جانب شركة الطّيران الألمانيّة لوفتهانزا، وأنّ منافسي أردوغان حاولوا قتله بـ "التّحريك الذّهنيّ". وفي تمّوز (يوليو)، مع تفاقم مشكلات تركيا، أصبح خطابه التّلفزيونيّ الّذي يتّهم بالخيانة الخبراء المحذّرين من انهيار العملة الوشيك رائجاً بقوّة. ووفقاً لبولوت، فإنّ أسعار الصرف لن تضعف أبداً لـ 5 ليرات مقابل الدّولار. لكن يتداول الدّولار الآن بأكثر من 6 ليرات.

النّتيجة: حلّ الولاء محل الجدارة كمعيار وحيد

إنّ حقيقة أن أفضل وألمع من في تركيا قد حلّ محلّهم أسوأ وأضعف من فيها تجسّد بشكل كامل جوهر الشّعور بالضيق في هذا البلد. فعلى كلّ مستوى من مستويات المجتمع، حلّ الولاء محل الجدارة كمعيار وحيد. وانتشر كلّ من الفساد والمحسوبيّة في البلد مثل السّرطان. من المدارس إلى المحاكم إلى الأسواق إلى وسائل الإعلام، لا توجد منطقة واحدة لا يظهر فيها الاضمحلال. وقد وصل الاستقطاب إلى مستويات عالية بحيث لم يعد هناك ما يكفي لتجميع الأتراك، حتّى في لحظة حزن أو انتصار مشتركة.

وعندما يفتقر المرء إلى الكفاءة الّلازمة للتّعامل مع التّحديات فإنّ كلّ ما يتبقّى له هو الإنكار والغرور

وعندما يفتقر المرء إلى الكفاءة الّلازمة للتّعامل مع التّحديات الّتي تواجهها البلاد، والحسّ السّليم للوصول إلى أولئك الّذين يستطيعون فعل ذلك، والشّجاعة لسماع الحقائق المزعجة الّتي سيقولونها، فإنّ كلّ ما يتبقّى له هو الإنكار والخداع والغرور. كما أنّ ثقافة الإفلات من العقاب تعمّ الحكومة: لا يوجد شيء خاطئ على الإطلاق، ولا أحد مسؤول على الإطلاق. والمشكلة مع هذه الثّقافة أنّ الحقائق لا تختفي فقط لأنّ المرء يريد لها ذلك. إنّ أنقرة محقّة في إلقاء الّلوم بشأن متاعب تركيا على أعدائها، لكنّها تخطئ التّقدير في نقطة حاسمة: تركيا هي أسوأ أعدائها.

لم يفُت الأوان بعد على تركيا. فكلّ ما نحتاج إليه هو العودة إلى الواقع: تطوير سياسات مؤسّسة على الحقائق وليس الخيال؛ عدم السّعى إلى الأكاذيب الّتي نرغب في سماعها بل الحقائق الّتي نحتاجها؛ توظيف الأفضل والألمع، والسّماح لهم بالقيام بعملهم، والوقوف وراءهم عندما يفعلون ذلك. لا شيء من هذا صعب. أيّ شخص يريد القيام بذلك، فليقم به. لكن المشكلة هي أنّ هؤلاء الّذين هم في أنقرة لا يبدو أنّهم يقومون بذلك.


المصدر: دورموش يلماز، سليم سازاك، الفورين بوليسي

الصفحة الرئيسية