
علي قاسم
في تطور سياسي مفاجئ، أعلن كير ستارمر الاثنين استقالته من رئاسة الحكومة البريطانية، مؤكدًا أنه سيواصل مهامه إلى حين اختيار زعيم جديد لحزب العمال. هذه الخطوة تعكس حجم الضغوط السياسية والاقتصادية التي تراكمت خلال الأشهر الماضية، وتفتح الباب أمام نقاش أوسع حول إرثه السياسي.
عودة أندي برنهام إلى مجلس العموم بعد فوزه في الانتخابات الفرعية بدائرة ميكرفيلد اكتسبت اليوم معنى إضافيًا، إذ تأتي استقالة ستارمر لتجعل برنهام وأمثاله في صدارة المنافسة على قيادة حزب العمال، وتطرح سؤالًا أعمق حول طبيعة القيادة المقبلة.
ستارمر، الذي جاء إلى السلطة بوعود إصلاحية داخلية، وجد نفسه مطالبًا بإعادة تعريف الدور البريطاني في نظام عالمي يعاد تشكيله. الحكم على نجاحه أو إخفاقه لن يُقاس فقط بقدرته على تحسين حياة البريطانيين اليومية، بل بمدى قدرته على صياغة رؤية إستراتيجية تُبقي لندن لاعبًا مؤثرًا في معادلة الأمن الأوروبي، وتمنحها موقعًا متوازنًا في مواجهة التنافس الأميركي – الصيني. إنها مهمة تجاوزت حدود السياسة التقليدية، ووضعت ستارمر في قلب اختبار تاريخي حدد ليس فقط مصير حكومته، بل شكل القيادة البريطانية في السنوات المقبلة.
نشأة متواضعة
كير ستارمر لم يولد في قصور السياسة أو أروقة النخبة، بل خرج من بيت صغير في جنوب لندن. والده لم يكن رجل أعمال أو سياسيًا، بل عاملًا ماهرًا في صناعة الأدوات المعدنية الدقيقة؛ رجل يقضي يومه بين الحديد والصلب، يصنع القوالب والمكونات التي تُشغّل الآلات، ويعود إلى البيت بيدين متعبتين تحملان بصمة الطبقة العاملة البريطانية. أما والدته فكانت ممرضة تواجه يوميًا قسوة المرض وعبء الخدمة العامة، لتغرس في ابنها معنى العطاء والالتزام.
هذه النشأة صنعت ستارمر كابنٍ للطبقة العاملة، يعرف عن قرب معنى الكدح اليومي، ويشعر بالمسافة بين حياة البسطاء وامتيازات النخبة. لم يكن طريقه إلى السياسة مفروشًا بالامتيازات، بل بالعمل الجاد والانضباط، وهو ما جعله لاحقًا يقدّم نفسه كقائد مختلف: رجل القانون الذي صعد من واقع ملموس، لا من دوائر النفوذ المغلقة.
هذه الخلفية الطبقية التي شكّلت ستارمر كابنٍ للطبقة العاملة، تُستحضر اليوم مع استقالته، لتذكّر بأن مساره لم يكن مفروشًا بالامتيازات، وأن خروجه من الحكم يعكس أيضًا هشاشة الزعيم القادم من خارج النخبة التقليدية.
مساره من المحاماة إلى قيادة حزب العمال ثم رئاسة الوزراء انتهى باستقالة مبكرة، لتصبح تجربته مثالًا على صعود سريع أعقبه انسحاب تحت ضغط الأزمات الداخلية والخارجية.
قبل دخوله عالم السياسة برز ستارمر كأحد أبرز المحامين في مجال حقوق الإنسان، ثم تولى منصب المدعي العام البريطاني بين عامي 2008 و2013، حيث اكتسب سمعة مهنية قائمة على الصرامة والالتزام بالقانون. هذه المرحلة منحته خبرة في التعامل مع الملفات المعقدة، لكنها أيضًا جعلته عرضة لانتقادات تتعلق بقرارات مثيرة للجدل في قضايا الإرهاب والهجرة.
دخوله البرلمان عام 2015 كان نقطة التحول الكبرى، إذ سرعان ما أصبح صوتًا بارزًا داخل حزب العمال، خصوصًا في مرحلة ما بعد البريكست. ومع تراجع شعبية جيريمي كوربن، وجد ستارمر نفسه في موقع المرشح الأوفر حظًا لقيادة الحزب، مستفيدًا من صورته كـ”رجل القانون” القادر على إعادة الانضباط إلى صفوف العمال. في عام 2020 تولى رسميًا قيادة الحزب، ليبدأ رحلة إعادة بناء الثقة مع الناخبين بعد سنوات من الانقسامات الداخلية.
سياسيًا، يُنظر إلى ستارمر باعتباره براغماتيًا أكثر من كونه أيديولوجيًا. فهو لم يتبن خطابًا راديكاليًا، بل سعى إلى تقديم نفسه كقائد عملي قادر على الموازنة بين الإصلاح الاجتماعي والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. هذه البراغماتية ساعدته على الوصول إلى رئاسة الوزراء، لكنها أيضًا جعلته عرضة لانتقادات من داخل الحزب، حيث يرى البعض أنه يفتقر إلى رؤية أيديولوجية واضحة.
ملفات خارجية
منذ وصوله إلى رئاسة الوزراء، وجد كير ستارمر نفسه أمام واقع دولي متشابك يفرض على بريطانيا أدوارًا تتجاوز حدودها التقليدية. فبدلاً من التركيز شبه الحصري على الملفات الداخلية، أصبحت السياسة الخارجية جزءًا لا يتجزأ من اختبار القيادة، وهو ما جعل ستارمر في مواجهة مباشرة مع قضايا معقدة تتعلق بالأمن الأوروبي، والعلاقة مع الولايات المتحدة، والتوازن مع الصين.
نجح ستارمر في إدارة علاقة دقيقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، متجنبًا الدخول في صدامات علنية قد تضر بالمصالح البريطانية. وحرص على الحفاظ على التعاون الوثيق مع واشنطن، خصوصًا في الملفات الأمنية والدفاعية، لكنه في الوقت ذاته تجنّب الانخراط الكامل في مغامرات عسكرية قد تستنزف قدرات بلاده. هذا النهج يعكس استفادته من دروس حرب العراق، حيث بات الرأي العام البريطاني أكثر حذرًا من الانخراط في صراعات خارجية طويلة الأمد.
بعد البريكست أدرك ستارمر أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا يعني انسحابها من القارة. لذلك سعى إلى إعادة ضبط العلاقات مع بروكسل عبر إطلاق شراكات أمنية ودفاعية جديدة، وتعزيز التعاون مع ألمانيا وفرنسا ودول البلطيق. دعم بلاده المستمر لأوكرانيا، عبر المساعدات العسكرية وبرامج التدريب، عزز صورة لندن كفاعل أمني موثوق في أوروبا، حتى بعد البريكست. ومع ذلك ما زالت بعض الملفات عالقة، مثل مشاركة بريطانيا في برامج التمويل الدفاعي الأوروبية المشتركة، وهو ما يضع حكومته أمام تحديات إضافية.
كان موقف ستارمر من الحرب في أوكرانيا حاسمًا في ترسيخ صورة بريطانيا كداعم رئيسي للأمن الأوروبي. فقد قدمت حكومته مساعدات عسكرية ودبلوماسية واسعة، ما جعل لندن أحد أبرز اللاعبين في مواجهة التهديدات الروسية. هذا الدور عزز مكانة بريطانيا في المنظومة الغربية، لكنه أيضًا فرض عليها التزامات مالية وعسكرية كبيرة في وقت تواجه فيه ضغوطًا اقتصادية واجتماعية داخلية.
إلى جانب العلاقة مع واشنطن وأوروبا واجه ستارمر تحديًا آخر يتمثل في إدارة التنافس الأميركي – الصيني المتصاعد. فبينما ترتبط لندن بعلاقات إستراتيجية وأمنية عميقة مع الولايات المتحدة، لا تستطيع تجاهل الأهمية الاقتصادية المتزايدة للصين. لذلك بدأ خطوات لتعزيز الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية مع دول آسيوية مثل اليابان، في محاولة لتنويع الخيارات وتقليل الاعتماد على القوى الكبرى. هذه المقاربة تعكس براغماتية ستارمر، لكنها تتطلب رؤية طويلة الأمد وقدرات مؤسسية متطورة لم تكتمل بعد داخل أجهزة الدولة البريطانية.
بهذا، يظهر أن السياسة الخارجية في عهد ستارمر لم تكن مجرد امتداد تقليدي لسياسات أسلافه، بل تحولت إلى اختبار وجودي يحدد موقع بريطانيا في نظام دولي يعاد تشكيله. نجاحه في هذا الاختبار سيحدد إلى حد كبير ليس فقط مستقبل حكومته، بل أيضًا شكل القيادة البريطانية في السنوات المقبلة.
إدارته للملفات الخارجية -من أوكرانيا إلى العلاقة مع واشنطن وبكين- ستظل جزءًا من إرثه، لكنها أيضًا ساهمت في تآكل رصيده الداخلي، إذ رأى كثيرون أن التركيز على الخارج جاء على حساب الأزمات المعيشية، وهو ما عجّل باستقالته.
التحدي الأمني
التحديات الدفاعية والمالية التي واجهتها حكومته، من نقص المعدات إلى الالتزامات الأمنية المتزايدة، كانت من بين الأسباب التي جعلت استمراره في الحكم أكثر صعوبة، لتظهر الاستقالة كنتيجة طبيعية لضغوط متراكمة. فبريطانيا، التي لطالما اعتمدت على المظلة الأميركية كضامن رئيسي لأمن أوروبا، تجد نفسها اليوم مطالبة بلعب دور أكبر وأكثر استقلالية داخل المنظومة الدفاعية الغربية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخليًا.
سنوات من الضغوط المالية والتردد السياسي تركت آثارًا واضحة على جاهزية القوات المسلحة البريطانية. تقارير متعددة أشارت إلى نقص في المعدات الحديثة، وإلى تحديات في القدرة على الانتشار السريع خارج الحدود. هذا الواقع يضع حكومة ستارمر أمام معضلة: كيف يمكن لبريطانيا أن تحافظ على صورتها كقوة عسكرية مؤثرة بينما تواجه قيودًا مالية صارمة؟
أحد أبرز التحديات يتمثل في الالتزامات الأمنية المتزايدة التي تتطلب مستويات أعلى من الإنفاق الدفاعي. ستارمر أعلن التزامه برفع الإنفاق، لكن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد مصادر تمويل مستدامة تسمح بتحقيق ذلك دون الإضرار بأولويات الإنفاق الداخلي مثل الصحة والتعليم. هذا التوازن الدقيق بين الداخل والخارج أصبح معيارًا لمدى قدرة حكومته على إدارة الموارد بفاعلية.
في ظل الشكوك المتزايدة حول مستقبل الالتزام الأميركي بأمن أوروبا، برزت أهمية تعزيز الشراكات الدفاعية مع ألمانيا وفرنسا ودول شمال أوروبا والبلطيق. حكومة ستارمر دفعت باتجاه تعاون أوثق في مجالات التدريب العسكري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير القدرات الدفاعية المشتركة. هذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن بريطانيا، بعد البريكست، لا يمكنها أن تظل على هامش المنظومة الأوروبية إذا أرادت الحفاظ على نفوذها الإقليمي.
التحدي الأمني بالنسبة إلى ستارمر ليس أحادي البعد؛ فهو يواجه ضغطًا مزدوجًا: من جهة الالتزامات الخارجية التي تفرضها الأزمات الدولية، ومن جهة أخرى الضغوط الداخلية المرتبطة بتكاليف المعيشة والإنفاق الاجتماعي. هذا التداخل يجعل أي قرار دفاعي محاطًا بجدل سياسي واسع، ويضع القيادة البريطانية أمام اختبار مستمر لقدرتها على التوفيق بين متطلبات الأمن القومي واحتياجات المواطن اليومية.
بهذا، يتضح أن التحديات الدفاعية والأمنية في عهد ستارمر ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل هي جزء من معادلة أكبر تتعلق بمكانة بريطانيا في النظام الدولي. نجاحه في إدارة هذه المعادلة سيحدد إلى حد بعيد ما إذا كان سيظل قادرًا على قيادة البلاد وسط هذه التحولات.
التوازن الآسيوي
مقاربته الحذرة للتوازن الأميركي – الصيني ستظل جزءًا من سجله، لكنها لم تمنحه الوقت الكافي لترسيخ رؤية طويلة الأمد، إذ جاءت استقالته لتقطع هذا المسار قبل أن يكتمل.
في عهده لم يعد التنافس الأميركي – الصيني مجرد ملف تجاري أو اقتصادي، بل تحوّل إلى معادلة إستراتيجية شاملة تشمل التكنولوجيا والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد العالمية. بالنسبة إلى بريطانيا، هذا التنافس يفرض تحديًا مزدوجًا: الحفاظ على التحالف التاريخي مع الولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته تجنّب خسارة الفرص الاقتصادية التي تمثلها الصين باعتبارها ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
ستارمر واجه هذا الواقع عبر مقاربة حذرة، إذ رفض الانجرار الكامل وراء المواقف الأميركية الأكثر تشددًا، لكنه أيضًا لم يمنح الصين مساحة مفتوحة للتأثير على السياسات البريطانية. هذا التوازن يعكس إدراكه أن بريطانيا لا تستطيع أن تكون مجرد تابع في صراع القوى الكبرى، بل تحتاج إلى صياغة موقع مستقل يحمي مصالحها الوطنية.
من جهة، ترتبط لندن بعلاقات أمنية واستخباراتية عميقة مع واشنطن، تجعلها جزءًا من منظومة غربية لا يمكن الانفصال عنها. ومن جهة أخرى، تعتمد بريطانيا على الصين في مجالات التجارة والاستثمار والموارد الإستراتيجية. هذا التداخل فرض على ستارمر أن يتبنى سياسة أكثر مرونة، تقوم على إدارة المخاطر بدلًا من الانحياز المطلق.
لتقليل الاعتماد على القوى الكبرى بدأ ستارمر خطوات عملية لتعزيز الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية مع دول آسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية، إضافة إلى اقتصادات ناشئة في جنوب شرق آسيا. هذه الإستراتيجية تهدف إلى تنويع الخيارات الإستراتيجية لبريطانيا، وتوسيع نطاق نفوذها في منطقة آسيا – المحيط الهادئ، بما يخفف من حدة الضغوط الناجمة عن التنافس الأميركي – الصيني.
رغم هذه الخطوات، يرى الكثير من المحللين أن نجاح المقاربة البريطانية يتطلب قدرات مؤسسية أكثر تطورًا وخبرات متخصصة في ملفات التكنولوجيا والأمن السيبراني. فالتوازن مع الصين ليس مجرد قرار سياسي، بل يحتاج إلى بنية تحتية معرفية واقتصادية قادرة على التعامل مع تعقيدات المرحلة المقبلة.
بهذا، يظهر أن تعامل ستارمر مع الصين والتوازن الآسيوي يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في سياسته الخارجية. فهو يسعى إلى صياغة موقع بريطاني مستقل، يحافظ على التحالف مع واشنطن، ويستفيد من الفرص الاقتصادية الآسيوية، دون أن يتحول إلى رهينة في صراع القوى الكبرى.
تحديات داخلية
داخل الحزب، استقالته أعادت فتح النقاش حول طبيعة القيادة التي يحتاجها العماليون. فبينما يُذكر له أنه أعاد الانضباط والبراغماتية، يرى كثيرون أن غياب رؤية أيديولوجية واضحة ساهم في إضعاف موقعه حتى لحظة خروجه.
تراجع شعبية الحكومة تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والاجتماعية جعل ستارمر عرضة لانتقادات من داخل الحزب، خصوصًا من الأصوات التي ترى أن التركيز على الملفات الخارجية جاء على حساب القضايا المعيشية.
هذه الانتقادات تعكس قلقًا من أن الحزب قد يفقد جزءًا من قاعدته التقليدية إذا لم يُظهر التزامًا أكبر بالعدالة الاجتماعية والإنفاق العام.
فوز أندي برنهام في الانتخابات الفرعية وعودته إلى مجلس العموم أعادا فتح باب التكهنات حول مرحلة ما بعد ستارمر. برنهام، الذي يتمتع بشعبية محلية قوية وخبرة في إدارة الملفات الاجتماعية، يُنظر إليه كأحد أبرز المنافسين المحتملين على زعامة الحزب. عودته أعطت دفعة جديدة للنقاش الداخلي حول طبيعة القيادة التي يحتاجها العماليون في المرحلة المقبلة.
المنافسة المحتملة داخل الحزب لم تعد محصورة في الملفات الداخلية التقليدية مثل الصحة والتعليم، بل امتدت إلى السياسة الخارجية والأمن القومي. فالقادة الطامحون إلى خلافة ستارمر يدركون أن أي سباق على الزعامة سيكون محكومًا بقدرة المرشحين على التعامل مع بيئة دولية أكثر اضطرابًا وتعقيدًا من أي وقت مضى. هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن السياسة الخارجية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من هوية القيادة البريطانية.
بهذا بدت صورة ستارمر داخل حزب العمال مزدوجة: قائد براغماتي أعاد للحزب موقعه في الحكم، لكنه يواجه تحديات داخلية متزايدة مع بروز منافسين جدد مثل برنهام، ومع انتقال النقاش من الداخل إلى الخارج.
كير ستارمر لم يقد بريطانيا في ظرف عادي، بل في مرحلة تاريخية تتسم باضطراب غير مسبوق في النظام الدولي. فالمعادلات التي حكمت السياسة الخارجية البريطانية لعقود -التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة، والارتباط المؤسسي بأوروبا- تمر اليوم بمرحلة إعادة صياغة عميقة، ما يضع رئيس الوزراء أمام اختبار يتجاوز حدود السياسة اليومية.
إعادة تعريف الدور البريطاني
ستارمر يسعى إلى صياغة رؤية جديدة لمكانة بريطانيا، تقوم على الجمع بين الانخراط الفاعل في الأمن الأوروبي، والحفاظ على التحالف الأطلسي، مع محاولة بناء موقع مستقل في مواجهة التنافس الأميركي – الصيني. هذه الرؤية ليست مجرد طموح سياسي، بل ضرورة إستراتيجية في ظل تراجع المظلة الأميركية وتزايد الحاجة الأوروبية إلى قدرات دفاعية ذاتية.
الملفات التي تواجه ستارمر تتوزع بين الداخل والخارج: من ضغوط تكاليف المعيشة والإنفاق الاجتماعي، إلى الالتزامات الدفاعية المتزايدة في أوكرانيا والبحر الأحمر، مرورًا بالعلاقة المعقدة مع بروكسل بعد البريكست. هذه التحديات تجعل أي قرار حكومي محاطًا بجدل سياسي واسع، وتفرض على القيادة البريطانية أن تكون أكثر قدرة على التوفيق بين أولويات متناقضة.
لم يعد يكفي أن يكون رئيس الوزراء مديرًا جيدًا للملفات الداخلية. المطلوب هو قائد قادر على قراءة التحولات الدولية، وصياغة موقع بريطاني يحمي المصالح الوطنية ويمنح لندن نفوذًا في معادلة القوى الكبرى. ستارمر، بخلفيته القانونية والبراغماتية السياسية، يحاول أن يوازن بين الواقعية والقدرة على المناورة، لكن نجاحه سيظل مرهونًا بمدى قدرته على تحويل هذه الرؤية إلى سياسات عملية ومستدامة.
هذا يظهر أن كير ستارمر ليس مجرد رئيس وزراء يواجه أزمات داخلية، بل قائد في قلب عالم متغير، حيث تُقاس القيادة بمدى القدرة على إعادة تعريف الدور الوطني في نظام دولي يعاد تشكيله.
اليوم، وبعد استقالته، يقف حزب العمال وبريطانيا أمام مفترق طرق جديد. إرث ستارمر سيُقرأ كمرحلة قصيرة اتسمت بالبراغماتية، لكنها لم تصمد أمام ضغوط الداخل والخارج. السؤال لم يعد متمحورا حول قدرته على ترسيخ موقع بريطانيا، بل شمل هوية القيادة المقبلة التي ستتولى إعادة تعريف الدور البريطاني في عالم مضطرب.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_2_1_1.jpg.webp?itok=A4Q46mn_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9_10_0.jpg.webp?itok=bfSSMhOR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%81%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1%20%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1%D9%8A_1.jpg.webp?itok=XGvLgfPl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=rFxaYlH2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_1_1_3_1_1_1_0_2_0_0_2_0_0_13_0.jpg.webp?itok=6Lx94TRE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9_13_0_1_1_16_0.jpg.webp?itok=kI8vOUYI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0.jpg.webp?itok=YV4_lHmb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_178_1_0.jpg.webp?itok=cuNspvB2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_1_1.jpg.webp?itok=SehCh_I6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9_3.png.webp?itok=By5KgSz2)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187_0.png.webp?itok=j1w4rlKQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_0_1.jpg.webp?itok=DLZsQQh7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/9ac9f2d8-fccc-4485-88bc-f0133e15bb31.png.webp?itok=3fQUQuIy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_1_0_2_2_0.jpg.webp?itok=7N1H041E)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_137_1.jpg.webp?itok=pcYAW8xm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)