"كورونا" والعقاب الإلهي.. هل رحمة الله تختص بالمسلمين وحدهم؟

"كورونا" والعقاب الإلهي.. هل رحمة الله تختص بالمسلمين وحدهم؟

مشاهدة

10/02/2020

في الوقت الذي تسابِق فيه مختبرات ومراكز أبحاث العالم المتقدِّم الزمن؛ لمحاولة اكتشاف دواء يشفي من الإصابة بفيروس كورونا القاتل، أو اكتشاف لقاح وقائي منه، بعد الهجمة الشرسة التي تسبب فيها، وأُصيب على إثرها آلاف المواطنين الصينيين، وقضى المئات منهم، قبل انتقاله إلى أكثر من 16 دولة حول العالم، ترى بعض منصات التواصل الاجتماعي المختلفة في المنطقة العربية تضجّ بتعليقات ومقالات، تربط بين تفشي وانتشار هذا الفيروس في الصين وبين ممارسات السلطات الصينية العنيفة بحق مسلمي "الإيغور" في إقليم شينغيانغ.

اقرأ أيضاً: "كورونا" وأسلمة الفيروسات: هكذا انتشرت جنود الله انتقاماً للإيغور
وسارعت القنوات الإخوانية، بعد انتشار فيروس كورونا، بإظهار شماتتها بالمصابين في الصين، ووجدت في الأمر فرصة لبث خطابها بالتأكيد أنّ هذا الفيروس "انتقام إلهي"، وجُند من جنود الله؛ نزل لعقابهم على ما ارتكبوه في حق المسلمين الصينيين من قتل واضطهاد وتعذيب وعزل، على الرغم من أنّ شعب الإيغور نفسه ليس بمعزل عن الإصابة بهذا الفيروس لأنه يقطن جمهورية الصين، ويتنفّس هواءها، ويصيبه ما يصيب أهلها، فهو من ضمن المعزولين بسبب هذا الفيروس!

الذهنية العربية الإسلامية مسكونة بنظرية العقاب الإلهي وتغليف أي مصيبة تنزل بغير المسلمين بغلاف ديني يرى أن ذلك انتقام إلهي

إنّ الذهنية العربية الإسلامية مسكونة بنظرية العقاب الإلهي، وتغليف أي مصيبة أو نازلة تنزل بغير المسلمين بغلاف ديني يرى أنّ ذلك عقاب وانتقام إلهي، وهو تفسير انهزامي تجد فيه الذهنية المتكاسلة مبرراً يعزّز كسلها وتراخيها وخضوعها إلى الأقدار الإلهية؛ فالخالق في مخيالها بمثابة إله للتنكيل والانتقام من كل من يعادي المسلمين، ولا تستنكف تلك الذهنية حشد واستنطاق الآيات القرآنية والأحاديث، من هنا ومن هناك، للتدليل على صحة تلك النظرية، وليت الأمر يتوقف عند حالات فردية من الناس؛ بل إنّ طائفة كبيرة من المشايخ، ممن ليسوا بذوي أيديولوجيا سياسية، يعتقدون بتلك النظرية، ويبرّرونها، ويغلّفونها بغلاف ديني أحادي النظرة، غير إنساني، بل غير منطقي تماماً؛ ففي الوقت الذي تحل فيه كارثة أو مصيبة بغير المسلمين نفسرها بأنّها "عقاب إلهي"، بينما لو حلّت تلك الكارثة بالمسلمين، يفسّرونها بأنّها "ابتلاء إلهي"، في قسمة تفتقد أدنى درجات العقل والمنطق، بل تفتقد أدنى درجات الرحمة والإنسانية.
الفيروسات والأمراض تُفسَّر علمياً لا دينياً
التفسير العلمي لهذا الفيروس، بحسب موقع منظمة الصحة العالمية، أنّه مرتبط بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية المعروفة اختصاراً بـ MERS-CoV أو EMC/2012، فهو ذو حمض نووي ريبوزي مفرد الخيط، إيجابي الاتجاه ينتمي لجنس فيروسات "كورونا بيتا"، ويسبب فيروس كورونا الجديد عدوى حادة في الجهاز التنفسي، وعادة ما تبدأ الأعراض بحمى ثم سعال جاف، كما هي الحال في الإصابة بالإنفلونزا، ما يعني أنه لا يوجد تعريف ديني لهذا الفيروس ولغيره من فيروسات وأمراض، فالعلم لا يعترف سوى بالحقائق العلمية، والفيروسات أو الأمراض لا تصيب غير المسلمين وحدهم، فهي لا تفرّق بين مسلم وغير مسلم، وفيروس كورونا ما هو إلا حلقة في سلسلة الفيروسات الخطيرة التي ضربت واجتاحت دول العالم؛ مثل وباء الإنفلونزا الإسبانية عام 1918، الذي قضى إثره الملايين، ووباء الإنفلونزا الآسيوية عام 1957، ثم إنفلونزا هونغ كونغ، وإنفلونزا الخنازير والطيور، وغيرها من أوبئة قاتلة حصدت أرواح الملايين؛ مسلمين وغير مسلمين، دون استثناء، بل إنها لم تحصد في مجملها سوى أرواح الفقراء والضعفاء والنساء والأطفال والشيوخ، ممّا يجعل ممارسة الشماتة في الكوارث والأزمات والأوبئة غير مُبرّرة؛ لأنها تطال المسلمين كذلك، كما أنّ مجرد التفكير في نظرية الانتقام الإلهي يتنافى مع الرحمة والعدل الإلهي.

حين تحل كارثة بغير المسلمين نفسرها بأنها عقاب إلهي بينما لو حلّت تلك الكارثة نفسها بالمسلمين يفسّرونها بأنها ابتلاء إلهي

وعلى الرغم من أنّ لفظة الرحمة ذُكرَت في القرآن الكريم 268 مرة، كما ورَدت فيه هي ومشتقاتها أكثر من 330 مرة، فضلاً عن تكرار البسملة – التي تتضمّن كلمتي "الرحمن الرحيم" – في مفتتح سور القرآن الكريم كلها، عدا سورة التوبة، في 114 مرة، إلا أنّها انحسرت وهُمِّشت على أيدي المفسرين والفقهاء والمتكلمين في مدوّناتهم، بحيث صارت خاصة بالمسلمين وحدهم، كأنّ الإله الخالق لا يعرف غيرهم، ولا تتجلّى صورته، ولا يسبغ على مَن سواهم تلك الرحمة، مهما عبدوه، ومهما اجتهدوا في إرضائه، بل مهما كان اجتهادهم وعبادتهم، فهو – تأسيس وبناء على ما في مخيالهم –أنّه ليس إلهاً للعالمين!

اقرأ أيضاً: كورونا بين العقاب والابتلاء
إنّ الاحتكام إلى العقل والمنطق ومقاصد الدين وأخلاقه، يؤكد أنّ أي وباء أو كارثة طبيعية أو كونية تحيق بطائفة من الناس، ليست عقاباً إلهياً؛ فمنذ نشأة الخليقة، وقبل ظهور الأديان كانت الأوبئة والكوارث تعصف بالبشر على هذه الأرض، فهي ليست من نتائج العقاب الإلهي كما يدّعي البعض، بل ظاهرة طبيعية وأسباب مرضية لا تفرق بين مسلم وغيره، ولا بين رجل وامرأة، ولا بين ظالم ومظلوم، ولا بين فقير وغني، ولا بين مسجد أو كنيسة أو كنيس، لكنه العقل المسكون بالانهزامية والتراخي وانتظار اليد الإلهية العليا التي تنتقم له ممّن لا يقدر هو عليهم.
نحن بحاجة إلى أن ننظر إلى الآخر المخالف نظرة أخلاقية حضارية قوامها الرحمة والإخاء الإنساني، نظرة تسامح لا شماتة، كما أنّنا بحاجة إلى أن نحفظ للعلم مكانته؛ لأنه هو سبيل التقدّم والرقي وتحرير الإنسان من الخرافة.

الصفحة الرئيسية