كتاب لو لم يُكتب لكان أفضل

كتاب لو لم يُكتب لكان أفضل

كتاب لو لم يُكتب لكان أفضل


24/03/2026

صدق أحد المثقفين، وقد سبق له أن تأثر بكتاب "معالم في الطريق"، معلِّقًا في مقابلة تلفزيونية بقوله: "لو لم يُكتب هذا الكتاب لكان أفضل".

ليس بالضرورة أنّ كل الكتب التي تحمل قناعات أصحابها مفيدة للمجتمع، وهذا أمر يفتح باباً واسعاً لمراجعة إرث النصوص التي تتجاوز تأثيرها الفردي إلى إحداث تغييرات جذرية في الوعي الجماعي. فطبيعة تطور القناعات وتغير الرؤى في مسيرة الفكر البشري تجعل ما يبدو حقيقة مطلقة في مرحلة الشباب يبدو خطأً أو قاصراً في النضج. ويظهر "الاعتراف بالتراجع" كشهادة على شجاعة الكاتب ومراجعته لذاته، حيث تمنّى كُتّاب عديدون سحب بعض أعمالهم لما قد تحدثه في نظرهم من ضرر فكري أو منهجي لاحقاً.

ويرجع هذا النوع من الكتابات المغلقة على رأي واحد إلى ما يمكن تسميته "الانحسار الإيديولوجي في النظر والتفكير"، حيث يكتب المفكر وهو مثقل بعبء إيديولوجي ثقيل، وقد ينضاف إليه التمركز حول الذات في النظرة إلى "الآخر"، بمعزل عن الرؤية الكاملة التي تتسم بالانفتاح وتقبل التعدد. وعندما يمتلك كاتب من هذا النوع أسلوباً جذاباً يؤثر في النفوس والعواطف، فإنّه غالباً ما يُقدّم البيان على البرهان ولا يولي اهتماماً كافياً للحكمة المتراكمة عبر الزمن، معتمداً على لغة حادة وقاطعة تتيح لمن يتلقاها أن يحوّلها إلى برنامج عمل متطرف.

وفق هذا السياق يُعدّ كتاب "معالم في الطريق" نموذجاً بارزاً وفاعلاً لهذا الأمر، حيث تجاوز دوره ليصبح بياناً إيديولوجياً قاطعاً أعلن الحرب على المفاهيم والأنظمة القائمة في عصره. وتكمن الصدمة في اعتماده على لغة حادة وجازمة طرحت منهجاً ثنائياً صارماً (إسلام خالص مقابل جاهلية شاملة)، ممّا أدى إلى تكفير الأنظمة والمجتمع الذي رضي بها، وقدّم إطاراً فكرياً متكاملاً للشباب الباحث عن اليقين في خضم الإحباط السياسي لزمن الستينات. ولهذا تحول الكتاب إلى كتيب للتدريب والتعبئة، حيث فسر الكثير من القراء الذين كانوا شباباً آنذاك هذه المادة الإيديولوجية على أنّها دعوة صريحة للعمل الحركي والصدامي، ممّا جعله مُحفزاً رئيسياً لتكوين جماعات رفعت لواء القطيعة والجهاد المسلح، وهي النتائج التي جعلت هذا النص يترك بصمة تاريخية مكلفة على المجتمعات التي تأثرت به، وهو ما لخصه أحد المثقفين وقد سبق أن تأثر بالكتاب وتخلص من تأثيره فيما بعد، معلِّقًا في مقابلة تلفزيونية بقوله: "لو لم يُكتب هذا الكتاب لكان أفضل".

الحصيلة السلبية: تجميد الفكر والانسحاب الاجتماعي

إنّ ظهور هذا الكتاب ألحق بالفكر الإسلامي خسارة كبيرة، خاصة إن قيّمنا ما يفوق ستين سنة على صدوره في أول طبعة له عام 1964م. تمثلت هذه الخسارة الكبرى في التوسع الحاد لمفهوم "الجاهلية" ليشمل مجمل المجتمعات الإسلامية المعاصرة وأنظمتها، الأمر الذي أزم علاقة الفكر الإسلامي بهذه المجتمعات. ونتيجة لذلك  أدى هذا التصنيف الحاد إلى نشوء فكرة "العزلة الشعورية الكاملة" بين "الطليعة المؤمنة" والمجتمع المصنّف كجاهلي، ممّا شجع على الانسحاب الاجتماعي بدلاً من الانخراط في الإصلاح من الداخل، وكرّس حالة من القطيعة الروحية والاجتماعية الخطيرة. هذا التمركز حول مفهوم الجاهلية أدى بدوره إلى التشويش على الهوية، حيث خلق انقساماً حاداً داخل الصف المسلم حول معايير المسلم الحقيقي، وباتت مسألة تكفير الأنظمة والأفراد هي المحور الذي استهلك الجهد والوقت، بدلاً من توجيه التركيز على قضايا التنمية والوحدة والبناء الاجتماعي.

الجمود المعرفي وغياب التفاعل الحضاري

أمّا على الصعيد المعرفي والحضاري، فعلى مدار ستين عاماً لم ينتج عن طرح كتاب "معالم في الطريق" وتأثيره المهيمن أيّ تطور إيجابي في مجال المعرفة الإسلامية أو الفكر الإنساني والاجتماعي، ولم يحدث أيّ اقتراب بنّاء من الفكر الفلسفي والعلمي المعاصر. ويعود هذا الجمود إلى أنّ الفكر الذي نشأ من هذا الكتاب هو فكر إيديولوجي صِراعي مغلق، انصبّ كل اهتمامه على البيان الحركي وتصنيف المجتمعات، مُهمشاً بذلك القضايا الكبرى المتعلقة بالتنمية، والإصلاح المؤسسي، وبناء الدولة الشاملة. هذه الرؤية الحادة أدت إلى إلغاء قيمة الإنتاج المعرفي غير الإيديولوجي، وكرّست القطيعة مع التراث العقلاني والمنجزات الفلسفية والاجتماعية العالمية في الحضارة الإسلامية وغيرها، ممّا شلّ قدرة الفكر الإسلامي على مخاطبة العصر والإسهام الفعال في تطور الحضارة الإنسانية.

لنفرض جدلًا أنّ السيد قطب ظهر بيننا اليوم، هل سيتخلى عن كتابه هذا، "معالم في الطريق"، أم على العكس من ذلك سيزداد تمسكًا به؟ 

هذا السؤال الافتراضي يلامس جوهر التطور الفكري والإصلاح الذاتي. ففي الوقت الذي ما يزال فيه العديد من الإسلاميين ـ من تيارات مختلفة ـ يولون اهتمامًا كبيرًا لهذه التصورات، إمّا بشكل مباشر في التبنّي الفكري الصريح، أو غير مباشر في صياغة الرؤى الحركية والتحليل السياسي والاجتماعي، يظل السؤال قائمًا حول مدى صمود هذه الأفكار أمام متغيرات الواقع المعاصر التي لم يعشها قطب.

قد نجد أحيانًا بعض العناصر القيادية أو الفكرية كانت لهم كتابات في زمن انخراطهم الإيديولوجي، لكن عند ترك التنظيم الحركي والتراجع عن تلك الكتابات، تبرز ظاهرة غريبة مفادها أنّ الجماعة نفسها لا تتخلى عمّا كتبوه، بل تعتبره جزءًا من تراثها الفكري المؤسس، والأكثر غرابة أنّها قد تتمنّى أن يعود هؤلاء المراجعون إلى قناعاتهم القديمة، مفضلةً بذلك الرؤية القديمة للكاتب على مراجعته الجديدة التي أقرّ فيها بالخطأ. هذا التشبث يشير بوضوح إلى أنّ النص قد تحول إلى كيان مستقل ومقدّس ضمن الهيكل الإيديولوجي، يفوق سلطة كاتبه الأصلي، بل يُحاكم الكاتب بناءً على ما أنجزه سابقاً. 

مع الأسف هناك أشخاص قطبيون أكثر من قطب نفسه، فهم أوفياء لإيديولوجيا جامدة تشكلت في مرحلة تاريخية محددة، أكثر من كونهم منفتحين على طبيعة التطور البشري والاجتهاد المستمر



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية