كتاب بولتون ضد ترامب: أسرار يعرفها الجميع.. فما الجديد؟

كتاب بولتون ضد ترامب: أسرار يعرفها الجميع.. فما الجديد؟

مشاهدة

25/06/2020

يقول الأديب الأمريكي الشهير جون ستياينبيك (John Steinbeck) في روايته القصيرة (اللؤلؤة the pearl) الصادرة في 1947: "إنّ الحظ السيّئ يجلب لك رفاق السوء".

ولا أظن أنّ هناك حالاً تنطبق عليها عبارة ستياينبيك هذه أكثر من علاقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع مستشاره (المُقال/ المستقيل) للأمن القومي جون بولتون؛ فممارسات ترامب السابقة كانت توحي بحصول المفاجآت، وظروفه هذه الأيام هي أسوأ ما تكون، ابتداء من الركود الاقتصادي والإغلاقات بسبب وباء كورونا إلى مظاهرات واعتصامات مناهضة العنصرية، والأسوأ أمريكياً حمّى التنافس في الانتخابات الطاحنة التي لا تعترف بالضعفاء ولا تلتزم بالأخلاقيات.

بعد فشل البيت الأبيض في منع صدوره طُرح الكتاب رسمياً في الأسواق الثلاثاء الماضي

إنّ الظهور غير المتوقع  لكتاب بولتون (المكان الذي حدث فيه ذلك: مذكرات البيت الأبيض) يوحي بأنّ نظرية إدوارد مورفي الأولى "إذا توفرت الإمكانية لشيء سيّئ أن يحدث، فسوف يحدث"، قد تواطأت أيضاً ضد ترامب مع مستشاره السابق؛
فبعد أن فشل البيت الأبيض في استصدار حكم قضائي بمنع صدوره، طُرح الكتاب رسمياً في الأسواق يوم الثلاثاء الماضي، وكانت دار النشر
الشهيرة سيمون آند شوستر قد روّجت للكتاب بعبارة لا تُقاوم: "هذا هو الكتاب الذي لا يريدك دونالد ترامب أن تقرأه"!

غلاف الكتاب

جون بولتون

من هو جون بولتون، الذي يشبه في هيئته وشكل شواربه الكثة الكاتب الأمريكي الساخر الشهير مارك توين (1835-1910) مبتكر شخصية الفتى المشاكس توم سوير؟ ولماذا أحدث كتاب بولتون هذه الضجّة في الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية والعالمية؟

وُلد بولتون في بالتيمور في العام 1948، تخرج بدرجته الجامعية الأولى العام 1970 مع مرتبة الشرف بجامعة ييل، ثم حصل على شهادة الدكتوراة من كلية الحقوق، عمل بولتون سفيراً للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة بين عامي 2005 و2006.  وأمضى أعواماً عديدة من حياته المهنية في الخدمة العامة، وشغل مناصب رفيعة المستوى في إدارات الرؤساء رونالد ريغان، وجورج بوش الأب، وجورج دبليو بوش. وهو أيضاً محامٍ، ومارس العمل الخاص في واشنطن العاصمة، من العام 1974 إلى 2018، إلا عندما كان في الخدمة الحكومية.

دار النشر روّجت لمذكرات بولتون بعبارة: "هذا هو الكتاب الذي لا يريدك ترامب أن تقرأه"

شغل بولتون، السياسي المثير للجدل ذو النهج المتشدّد، منصب مستشار الأمن القومي لترامب قبل أن يخرج منه في 10 أيلول (سبتمبر) 2019 بأسلوب غير مسبوق بعد خلافات مع رئيسه، إذ أعلن ترامب صباح ذلك اليوم، عبر حسابه على "تويتر"، أنه هو مَن طالب مستشاره للأمن القومي، جون بولتون، بالاستقالة، إلا أنّ الأخير كذّب كلامه، مغرداً بدوره في اليوم نفسه أنه عرض على ترامب الاستقالة مساء اليوم السابق، ولكنه أجابه: "دعنا نتحدث بهذا الشأن غدا"! وما لبثت أن تحوّلت العلاقة بين الرجلين إلى عداوة علنية.

وبصفته مستشار الرئيس ترامب للأمن القومي، أمضى بولتون حوالي عام ونصف العام (453) يوماً في البيت الأبيض بالقرب من الرئيس، والنتيجة هي مذكرات البيت الأبيض التي هي الرواية الأكثر شمولاً وجوهرية لإدارة ترامب، حتى الآن، هذا إذا استبعدنا روح النكاية والانتقام التي يتحدث بها بولتون، والذي تبيّن أنه خاسر سيّئ وعنيف، وفق التعبير الأمريكي (bad loser).

مذكرات البيت الأبيض

وكانت دار سيمون آند شوستر أكدت أنّها شحنت صناديق الكتب إلى مراكز البيع والتوزيع، ليُطلق في موعده في 23 من الشهر الجاري، وكردّ فعل أوّلي يمكن وصفه بالخجول، رفعت إدارة ترامب قبل أسبوع واحد من هذا التاريخ دعواها القضائية الفاشلة ضد نشر الكتاب.

 أمضى بولتون حوالي عام ونصف العام (453) يوماً في البيت الأبيض بالقرب من الرئيس

وترى دعوى البيت الأبيض القضائية أنّ "منصب بولتون سمح له بالاطلاع على أكثر الأسرار المتعلقة بالأمن القومي خطورة، ولكنه -بعد شهرين فقط من إقالته- وقّع عقداً مقابل مليوني دولار لنشر الكتاب، وقدّم 500 صفحة للناشر تحتوي على أسرار خطيرة يهدد نشرها مصالح وأمن الولايات المتحدة، وهو ما يمثل مخالفة لاتفاقية الحفاظ على سرية المعلومات التي وقّعها قبل بدء عمله في البيت الأبيض".

الرواية الأكثر شمولاً وجوهرية لإدارة ترامب حتى الآن إذا استبعدنا روح النكاية والانتقام

والدعوى التي رُفعت أمام محكمة فيدرالية في واشنطن تطلب منع نشر الكتاب بدعوى أنّ بولتون لم يحز على موافقة على النصّ بأكمله؛ ممّا يجعل مؤلَّفه "في انتهاك واضح للاتفاقات التي وقّع عليها كشرط لتوظيفه، ولاطّلاعه على معلومات سرّية للغاية".

وحسب ملف الدعوى، فإنّ "المدّعى عليه أبرم اتفاقاً مع الولايات المتحدة كشرط لتوليه أحد أكثر المناصب حساسية وأهمية في مجلس الأمن القومي التابع للحكومة الأمريكية، ويريد الآن التملّص من هذا الاتفاق". وتنصّ الدعوى على أن مجلس الأمن القومي وجد "كمّاً كبيراً من المعلومات المصنّفة سرّيّة طلب من المدّعى عليه حذفها. لكن كما يبدو، وكما حدث في مناسبات سابقة كثيرة، فإنّ الكتاب استفاد من الضجة الإعلامية حول منع النشر لزيادة التوزيع والدعاية.

المهم في الأمر أنّ كتاب بولتون  يُعتبر إحدى الروايات القليلة حتى الآن من قبل مسؤول رفيع المستوى من الذين يملكون حق التواصل اليومي تقريباً مع الرئيس ترامب، ما جعله يقدمه بشكل دقيق مثير خلال أيامه في المكتب البيضاوي.

ما رآه بولتون أدهشه شخصياً، لكنه حتماً لم يُدهش الكثير من الناس سواء داخل أمريكا أو خارجها: "ترامب الرئيس الذي يسعى إلى إعادة انتخابه هو الشيء الوحيد المهم، حتى لو كان ذلك يعني تعريض الأمّة للخطر أو إضعافها"، وكتب مؤكداً هذه النتيجة (العظيمة!!) التي وصل إليها: "إن من الصعب تحديد أي قرار مهم لترامب خلال ولايته لم يكن مدفوعاً بحسابات إعادة الانتخابات"!

ركّز بولتون على مسألة أوكرانيا كثيراً

ركّز بولتون على مسألة أوكرانيا كثيراً، وهو يجادل بأنّ مجلس النواب الأمريكي ارتكب سوء الممارسة لإقالة ترامب من خلال إبقاء محاكمته مركزة بشكل ضيق على أوكرانيا، عندما كانت تجاوزات ترامب الشبيهة بأوكرانيا موجودة عبر المجموعة الكاملة من سياسته الخارجية، ويوثق بالضبط ماهية تلك التجاوزات، ومحاولاته (بولتون) والآخرين في الإدارة لدق ناقوس الخطر حولها.

ويوثّق مستشار الأمن القومي السابق في كتابه ما يعتبره مخالفات تستدعي الإقالة ارتكبها ترامب وتتعدى الضغوط التي مارسها على أوكرانيا للتحقيق بشأن منافسه الديموقراطي جو بايدن، وأدّت إلى اتهامه من قبل الديمقراطيين ومحاكمته في الكونغرس.

كما حرص بولتون على أن يظهر ترامب على أنّه "رئيس مدمنٌ على الفوضى، احتضن أعداءنا ورفض أصدقاءنا، وكان يشك بشدة في حكومته" وحسب قول بولتون: "ساعد كل هذا في وضع ترامب على الطريق الغريب لمحاكمته وعزله".

تحدث بولتون عن مقاربة ترامب للسياسة الخارجية بقوله: إنّ "الخلافات بين هذه الرئاسة والسابقة التي خدمتها في حكومات ريغان وبوش كانت مذهلة"، لقد اكتشف أن ترامب "يعتقد أنّ السياسة الخارجية أشبه بإغلاق صفقة عقارية حول العلاقات الشخصية، والبراعة في العرض التلفزيوني، وتعزيز مصالحه الخاصة. ونتيجة لذلك، خسرت الولايات المتحدة فرصة لمواجهة تهديداتها المتفاقمة، وفي حالات مثل الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية انتهى الأمر بها إلى مكان أكثر عرضة للخطر".

تبدأ رواية بولتون لمذكراته بمسيرته الطويلة إلى الجناح الغربي في البيت الأبيض، بينما يتودد إليه ترامب وآخرون في منصبه بصفته مستشار الأمن القومي، على حد تعبيره. ففي اللحظة التي عُيّن فيها في منصبه، كان عليه أن يتعامل مع الهجوم الكيميائي السوري على مدينة دوما، والأزمات بعد ذلك لم تتوقف أبداً.

حرص بولتون على أن يُظهِر ترامب على أنّه رئيس مدمنٌ على الفوضى

كما كتب في الصفحات الافتتاحية للمذكرات: "إذا كنت لا تحب الاضطراب وعدم اليقين والمخاطرة -في حين أنّها جميعها تغمرك باستمرار؛ المعلومات، والقرارات التي يجب اتخاذها، وكمية العمل الهائلة وتُحَدّد من قبل الشخصية الدولية والمحلية وصراعات الأنا التي تتجاوز الوصف- فجرّب شيئاً آخر".

إنّ الاضطرابات والصراعات والغرور، على حد وصفه، كلها موجودة، من الاضطرابات في فنزويلا، إلى التحركات غير المنتظمة والمتلاعبة التي قام بها كيم جونغ أون في كوريا الشمالية، إلى المواجهات في مؤتمرات قمة مجموعة السبع، وإشعال الحرب المحسوبة من قبل إيران، والخطة المجنونة لجلب طالبان إلى كامب ديفيد، واسترضاء الصين الاستبدادية التي عرّضت العالم في نهاية المطاف لأكاذيبها القاتلة.

يمكن القول إنّ بولتون خسر المتشددين والمعتدلين وليس في كتابه الكثير من الأسرار والخفايا المهمة

لكن الملاحظ أنّ القضايا الرئيسة، التي ركّز عليها بولتون وكأنها من الأسرار، لا تتعدى ثلاث قضايا، وقد أجمعت كافة القراءات الأولية للكتاب عليها وهي: أن ترامب طلب من الرئيس الصيني المساعدة في إعادة انتخابه، وأنه وافق على بناء معسكرات اعتقال صينية للمواطنين الأويغور،  وأنّ ترامب تحدث عن إعدام الصحفيين الأمريكيين الذين لم يكشفوا عن مصادرهم الصحفية، وأنّ الديمقراطيين أفسدوا عزله بالتركيز على أوكرانيا، مع أنّه رفض شخصياً تقديم شهادته أمام لجان التحقيق في7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، وأنّ وزير الخارجية بومبيو وغيره من موظفي البيت الأبيض يسخرون مِن ترامب من وراء ظهره".

تعليقات على الكتاب

من المعروف على نطاق واسع أن بولتون كان من "المحافظين الجدد"، وتم وصف آرائه السياسية على أنها قومية أمريكية محافظة.، هو من دعاة الحرب وتغيير الأنظمة بالقوة، هكذا توصف سياسته الخارجية، وقد دعا إلى تغيير الأنظمة في إيران وسورية وليبيا وفنزويلا وكوبا واليمن وكوريا الشمالية. كما دعا مراراً وتكراراً إلى إنهاء الصفقة النووية الإيرانية وقد فعل. كان من دعاة حرب العراق، وما يزال يدافع عن هذا القرار، وقد دعم باستمرار العمل العسكري في سورية وليبيا وإيران.

لكنّ أصدق وأهمّ ما تمّ رصده من آراء حول الكتاب، ما ورد من تعليقات المواطنين والقرّاء الأمريكان عليه، ومن أهمها ما رصدته من تعليقات قبل نشر الكتاب رسمياً وهي:

- أنا لا أقرأ الكتب التي كتبها الجبناء والخونة.

- بولتون سياسي غاضب آخر تمّ طرده.

 - بولتون كان داعية للحرب، وكان يريد قصف إيران.

- أين كان كل هذا بحقّ الجحيم عندما كان مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية (روبرت مولر) يدلي بشهادته؟

- أين كان هذا أثناء محاكمة العزل؟ (المقصود محاكمة عزل ترامب حيث امتنع بولتون عن الشهادة). بولتون كان لديه فرصة ليسجّل في التاريخ الأمريكي وطنيّاً، بدلاً من ذلك آثر الهروب.

- في حين لن أغفر أبداً للسيد بولتون بقاءه صامتاً عندما تم اتهام ترامب، أنا واثق تماماً من أن كل شيء في كتابه دقيق، على الأقل في الوقت المناسب سيساهم في خسارة ترامب للانتخابات.

- لقد ساعدت إدارة ترامب في رفع نسبة الدعاية للمذكرات، وأرسلتها إلى أعلى قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في جميع أنحاء البلاد حتى قبل نشرها في 23 حزيران (يونيو).

رغم كل هذا اللغط، يمكن القول إنّ بولتون خسر المتشددين والمعتدلين، وليس في الكتاب الكثير من الأسرار والخفايا المهمة، سواء على مستوى السياسة الداخلية أو الخارجية، لسبب واحد هو أنّ الرئيس ترامب لم يكن رجل أسرار ومؤامرات سرية وقضايا قذرة تُدار في الخفاء، فقد كان يمقت القوات المسلحة، والأجهزة الأمنية والاستخبارية والدولة العميقة ويحتقرها ويقلل من شأنها، ولذلك لم يكن يقرأ تقاريرها اليومية أو يطّلع عليها.  

ومن المؤكد أنه لم يأخذ بأي رأي متشدد وصقوري من آراء بولتون العنيفة والمتهورة أحياناً المعروف بها، وكانت سياسته الداخلية والخارجية مباشرة يصرّح بها عبر تغريداته على تويتر يوماً بيوم وساعة بساعة.

ومن المؤكد أنّ منافسي ترامب الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية القادمة سيستغلون هذا الكتاب وما ورد فيه لغايات انتخابية، لكني لا أظن أنها ستكون مؤثرة جداً على سير العملية الانتخابية.  

الصفحة الرئيسية