قلق في ألمانيا.. اغتيال أحد السياسيين يعيد النازيين الجدد إلى قلب العاصفة

قلق في ألمانيا.. اغتيال أحد السياسيين يعيد النازيين الجدد إلى قلب العاصفة

مشاهدة

30/06/2019

ترجمة: علي نوار


تسبّبت واقعة اغتيال أحد السياسيين المحافظين في عودة الجدل مرة أخرى حول هجمات وتهديدات المتشددّين في ألمانيا.
فبعد قليل من منتصف الليل، عثر ابن فالتر لوبكه على والده مضرجاً بدمائه، إثر إصابته بعيار ناري في الرأس داخل شرفة منزله منذ نحو ثلاثة أسابيع. وتشير النيابة العامة بأصابع الاتهام إلى شخص يميني متشدّد بوصفه المسؤول عن اغتيال هذا السياسي المحافظ والذي كان يتبنّى قضية الدفاع عن اللاجئين.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرّف يتّحد في أوروبا.. هذه أهدافه
التحقيقات جارية في هذه الحادثة، وبغضّ النظر عن المتورّطين المحتملين، فإنّ الواقعة أعادت وضع صعود شبكات النازيين الجدد في ألمانيا في قلب عاصفة الجدل، لا سيما بعد أعوام من تنامي التأثير وظهور الأفكار التي تشكّل هذه الأيديولوجيا والتي باتت مُمثّلة رسمياً بعد نجاح أحزاب اليمين المتشدد في الدخول إلى البرلمان، وفقاً لما أجمع عليه الخبراء.

 فالتر لوبكه

كان لوبكه في الواقع واحداً من ساسة كثيرين في ألمانيا يتلقّون تهديدات بسبب عدم رفعه الراية البيضاء في وجه الخطاب المعادي للهجرة، ويوضّح عمدة مدينة تروجليتس السابق، ماركوس نييرث، والذي بدأ بتلقي التهديدات هو الآخر منذ عام 2015 أنّ "اليمين المتشدد أظهر أنّ بوسعه التحلي بالصبر، وفي الوقت ذاته لا يمكن التنبّؤ بخطواته المقبلة، إنّ فحوى الرسالة هو (سوف نصطادك إذا رغبنا في ذلك)".

تسبّبت واقعة اغتيال أحد السياسيين المحافظين في عودة الجدل مرة أخرى حول هجمات وتهديدات المتشددّين في ألمانيا

تحوّل نييرث إلى رمز لجميع السياسيين المُهدّدين منذ أن أدّت ملاحقات النازيين الجدد والحريق الذي شبّ بأحد مراكز إيواء اللاجئين إلى تقدّمه باستقالته من منصبه، ويكشف "لطالما كان الخوف حاضراً هنا، لكنّه أصبح مكثفاً الآن، نعلم جيداً أنّ اليمين المتشدّد آخذ في الصعود ويفعل كل ما يحلو له".

وبينما يواجه هؤلاء المتابعون لظاهرة اليمين المتشدد أوقاتاً عصيبة "ستكون الأشهر المقبلة خطيرة ربما. الإحباط يخيّم على أوساط النازيين الجدد، وذلك لأنّهم عجزوا حتى الآن عن إسقاط الحكومة، كما قد تراودهم الرغبة في تكرار الأعمال الإرهابية التي شهدتها حقبة التسعينيات"، حسبما حذر جيديون بوتش، أستاذ العلوم السياسية المتخصص في حركات التشدّد بجامعة بوتسدام الألمانية.

ويبرز من بين هؤلاء، النازيون الجدد القدامى الذين عادوا للنشاط في الأعوام الأخيرة في أجواء من أصولية معاداة الأجانب. ويعتقد المحقّقون في قضية اغتيال لوبكه أنّ قاتله على الأرجح هو أحد النازيين الجدد القدامى ويدعى شتيفان وعمره 45 عاماً. ويقول خبير شؤون اليمين المتشدد في جامعة بوخوم، هندريك بولز: "هم أشخاص كانوا نشطين للغاية خلال حقبة التسعينيات، وبعد اختفائهم عن الساحة عاودوا الظهور مجدّداً منذ 2015، مستغلّين فرصة الجدل حول اللاجئين. هؤلاء هم النازيون الجدد القدامى الذين عادوا للمشهد ويسعون لإحياء عنف اليمين المتشدد من جديد".

اقرأ أيضاً: وثيقة سرية: اليمين المتطرف بألمانيا يتدرب على سيناريو الحرب الأهلية

والحقيقة أنّ ظاهرة العنف المتشدد ليست جديدة على ألمانيا، التي تشهد منذ عقد الثمانينيات هجمات من هذا النوع، خاصة بحقّ الأشخاص الأجانب. لكن المستحدث هذه المرة هو الحراك الاجتماعي الناجم عن وصول ما يربو عن مليون لاجئ وشعارات مثل "يجب أن ترحل ميركل" و"إسقاط الحكومة" أو "إيقاف الهجرة".
يكشف بولز، وهو أيضاً مستشار علمي في برلمان ولاية شمال الراين ويستفاليا في القضية المعروفة باسم (المقاومة الوطنية الاشتراكية) وهي حركة متّهمة بارتكاب تسع جرائم قتل لأجانب في الفترة بين 2000 و2007، "هو حراك يضمّ عدداً كبيراً من المجموعات التي تكوّنت اعتباراً من 2014".

شارك عشرات الأشخاص في الوقفة الاحتجاجية لمقتل فالتر لوبكه

وفي خضمّ التيار المتشدد، يتواجد نازيون جدد من دعاة العنف ونشطاء ومواطنون عاديون وأشخاص مناوئون لسياسة اللجوء التي تنتهجها المستشارة أنجيلا ميركل، وهو الأمر الذي ظهر الصيف الماضي في صورة مسيرات متشددة في شرق ألمانيا. ويقول بوتش "انتبه الكثيرون إلى أنّ الحراك في الشارع ليس بالفعالية التي كانوا يعتقدونها، كانوا يظنّون أنّهم سيسقطون ميركل بمسيراتهم الحاشدة، ويمكن ملاحظة إحباطهم بسهولة عبر المنصات الإلكترونية".

بوركهارد يونج عمدة مدينة لايبزيش: التهديدات التي تصل إلى السياسيين ليست حالات فردية بل إنّها تطال الجميع

هناك ذريعة يلجأ إليها غُلاة اليمين المتشدد، ألا وهي أنّهم مضطرّون للانتقال إلى مرحلة التحرّك إزاء "عجز" الحكومة الألمانية عن مواجهة ما يعتبرونه "غزواً" من المهاجرين الذين سيصبحون في غضون أعوام قليلة غالبية السكان بينما يتحوّل أصحاب البلاد الأصليون إلى أقلية.

يؤكّد فابيان فيخمان، المتخصص في مواجهة أصولية النازيين الجدد "يشعر الكثيرون منهم أنّهم قريبون للغاية من مرحلة الثورة أكثر من أي وقت مضى، وأنّ الوقت قد حان لفعل شيء ما". كما أنّ الباحثين يشيرون إلى أنّ دوائر مثيري الشغب وتجمّعات ممارسي الفنون القتالية من نصف المحترفين، التي يتدرّب فيها النازيون الجدد على كيفية النزال في الشوارع، هي أيضاً أوساط لتلاقي مجموعات التنظيم اليمينية المتشددة.

ويرتبط شتيفان بعلاقات مع (كومبات 19)؛ وهي جماعة يمينية متشددة بريطانية يكنّ لها النازيون الجدد في ألمانيا قدراً كبيراً من الإعجاب وتجمعهم بها صلات قوية، بحسب تقارير صحفية صدرت الأسبوع الجاري. ففي آذار (مارس) الماضي، حضر المشتبه فيه اجتماعاً "ذي طابع تآمري" مع يمينيين متشددين آخرين، وفقاً لما أوردته شبكة (آ إر دي) الإعلامية المحلية. كما عثر المحقّقون على عينات من الحمض النووي الوراثي تخصّ المشتبه فيه بمكان الجريمة، ويعملون حالياً على كشف ملابسات وصول هذه العينات إلى هناك. كذلك، يحاولون التحقّق مما إذا كان المشتبه فيه قد تحرّك منفرداً أم أنّه جزء من شبكة إجرامية.

اقرأ أيضاً: إرهاب اليمين المتطرف يتصاعد في الغرب... مذبحة نيوزيلندا أنموذجاً

وسبق لشتيفان أن أُلقي القبض عليه في 1993 بعد تنفيذه لهجوم بعبوة ناسفة منزلية الصنع على مركز لإيواء اللاجئين. بالمثل شارك عام 2009 في اعتداء جماعي لمئات النازيين الجدد على مسيرة لأعضاء إحدى النقابات في مدينة دورتموند. ثم وفي عام 2018 وتحت اسم مستعار هو (Game Over) أو (انتهت اللعبة) كتب منشوراً على الإنترنت جاء فيه "إما أن تسقط هذه الحكومة فوراً أو سيسقط قتلى".

اقرأ أيضاً: لماذا ينشط اليمين المتشدد في ألمانيا الشرقية؟

وتنشر الصحف الألمانية هذه الأيام صوراً لشتيفان الذي ظهر في فعالية لـ(الحزب الوطني الديمقراطي)، حزب النازيين الجدد الذي نجح في أكثر من مناسبة في تلافي تعرّضه للحظر والذي لم يحدّ من صعوده سوى بروز نجم حزب (بديل لأجل ألمانيا). ويرى الخبراء أنّ جانباً كبيراً من اليمينيين المتشددين يعتبرون أن (بديل لأجل ألمانيا) حزب رخو وليّن أكثر من اللازم، لكنّهم يدركون جيّداً في الوقت ذاته أنّه يتمتّع بتمثيل برلماني- حيث حصل هذا الحزب على 12.6% من الأصوات في الانتخابات العامة التي أجريت عام 2017- ما يعني أنّ لديه القدرة على التأثير في الأجندة السياسية بوصفه أكبر أحزاب المعارضة.

وعلى هذه النقطة يعلّق بولز "بديل لأجل ألمانيا هو الذراع البرلمانية للجماعات التي تخرج إلى الشارع". ويضاف إلى النشاط داخل البرلمان أيضاً نشر أيديولوجيا اليمين المتشدد عبر الشبكة العنكبوتية؛ حيث يجري التواصل مع مدوّنين وأصحاب القنوات على منصة (يوتيوب) لمقاطع الفيديو وأشخاص يكرّسون أنفسهم لحرب المعلومات الإلكترونية.

كانوا يظنّون أنّهم سيسقطون ميركل بمسيراتهم الحاشدة

ويمرّ الحزب المتشدد بمرحلة ميل نحو الأصولية للدرجة التي دفعت معها القطاعات الأكثر اعتدالاً حتى للشعور بالقلق، نظراً لأنّها تخشى حدوث انشقاق داخلي حال تمكّن جناح الصقور من تحقيق نتائج إيجابية في الانتخابات المحلية الخريف المقبل في شرق البلاد، حسبما أفصحت مصادر من (بديل لأجل ألمانيا). وقد حمّلت آنجريت كرامب-كارنباور، رئيسة حزب (الاتحاد المسيحي الديمقراطي)، وبصورة غير مباشرة، ذلك الحزب المسؤولية حين صرّحت "بات من الواضح أنّ كسر التابوهات واستخدام الكراهية والتحريض، وكل ما اقترفه (بديل لأجل ألمانيا)، يسهم في تقويض المحظورات وهو ما يترجم في شكل عنف بحت"، وعن هذه النقطة يتحدّث فيخمان "نرى أنّ ثمة شيئاً يتغيّر. يعتقدون أنّه إذا قال (بديل لأجل ألمانيا) شيء مما يفكّرون فيه داخل البوندستاج، فإنّ هذا شيء مشروع وأنّهم يعملون على الأرض في الاتجاه الصائب".

اقرأ أيضاً: ما هي أوجه التشابه بين اليمين المتطرف وتنظيم داعش؟

من جانبها، رصدت أجهزة الاستخبارات الداخلية الألمانية (مكتب حماية الدستور)، 12 ألفاً و700 شخص منخرط في صفوف اليمين المتشدد مستعدّين لممارسة العنف، وفقاً لما كشفه مؤخراً رئيس هذا الجهاز توماس هالدنفانج خلال مؤتمر صحفي. وتشير الأرقام الرسمية أيضاً إلى أنّه ومنذ نهاية 2017 وصل عدد الجرائم التي ارتكبت بواسطة اليمين المتشدد إلى 19 ألفاً و467 واقعة، منها ألف و54 حالة استُخدم فيها العنف. كما أنّ ربع هذه الحوادث شملت اعتداءات على مراكز إيواء اللاجئين. وقد ارتفع معدل الضحايا من القتلى نتاج جرائم اليمين المتشدد في البلد الأوروبي إلى 169 ضحية، بحسب أحدث إحصائيات مؤسسة (أماديو أنطونيو).

ساسة محليون مُهددون

تنطبق حالة لوبكه على سياسيين آخرين محليين تعرّضوا للاعتداء ووصلتهم تهديدات، فعلى سبيل المثال، عانت هنرييته ريكر، المرشحة لمنصب عمدة مدينة كولن، للطعن بسلاح أبيض عام 2015 لأسباب تتعلّق بمعاداة الأجانب، لكن الأمر لم يتوقّف عند هذا الحدّ حيث تلقّت تهديدات هذا الأسبوع. ويوجد كذلك أندرياس هولشتاين الذي طُعن عام 2017 في شمال البلاد قبل أن يُلاحق من جديد بعد مصرع لوبكه.

 النازيون الجدد في ألمانيا

أكّد بوركهارد يونج عمدة مدينة لايبزيش قبل أيام "التهديدات التي تصل إلى السياسيين ليست حالات فردية، بل أنّها تطال الجميع"، في تصريحات للصحافة أشار فيها إلى أنّ الساسة المحليين الذين يحصلون على قدر أقل من التأمين "هم الأكثر عُرضة للتهديدات والهجمات". وكشف السياسي المنتمي لحزب الاجتماعيين الديمقراطيين أنّه بدأ في تلقّي تهديدات بالقتل عبر البريد الإلكتروني للدرجة التي تطلّب معها الأمر طلب قوات شرطة لتأمينه. وبعيداً عن الرسائل أو المواجهات المباشرة مع المعتدين، فإنّ التهديدات ورسائل الكراهية منتشرة بشكل كبير عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

إضافة للمواجهات المباشرة مع المعتدين فإنّ التهديدات ورسائل الكراهية منتشرة بشكل كبير عبر شبكات التواصل الاجتماعي

يعود نييرث للتأكيد على أنّ المشكلة الكبرى تكمن في تورّط المواطن العادي الذي لا يعترض داخل الحافلة أو الحانة لدى سماعه تعليقات متشددة. ويوضّح "أساس المشكلة هو الوسط الصامت، نحن أغلبية في مواجهة اليمين المتشدد، لكنّنا لا نحدث الجلبة الكافية، المشكلة الرئيسة هي المجتمع المدني".

ويضيف "إذا أقدم المواطن على الدفاع عن الديمقراطية عوضاً عن إظهار عدم اكتراثه لأمر السياسة، فلن يشعر المتشددون بهذا القدر من التأييد. يشعر اليمين المتشدد أنّه يعبّر عن الإرادة الشعبية".

اكتشف المحقّقون في شرق ألمانيا وثائق تظهر فيها أسماء 29 هدفاً وتورد القوائم أسماء سياسيين محليين في الشرق أيضاً، بحسب ما نشرته صحيفة (بيلد) الألمانية.

يكتسب اغتيال لوبكه بُعداً خاصاً في هذا السياق، وهو ما يعكسه تولّي النيابة العامة بنفسها التحقيق في هذه القضية. لا سيما وأنّه يُعتبر أول سياسي في الخدمة يتعرّض للاغتيال على يد عناصر اليمين المتشدد منذ العام 1945، وفقاً للإحصاء الذي أجرته المتخصصة باربرا مانته. وقد خرج وزير الداخلية هورست زيهوفر ليعبّر عن فداحة الأمر بتصريحه بأنّ "هذا الاعتداء يقع علينا جميعاً".


المصدر: مقال لآنا كارباخوسا حول عودة عنف اليمين المتشدد في ألمانيا واغتيال أحد السياسيين، نشر بصحيفة (الباييس) الإسبانية

الصفحة الرئيسية