
في 18 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي أصدرت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا وثيقة جديدة بعنوان "وثيقة العيش المشترك في سوريا"، أعلنت فيها ما وصفته بأنّه "رؤية وطنية جامعة لمرحلة ما بعد سقوط النظام"، داعيةً إلى "بناء دولة المواطنة والعدالة والشراكة بين جميع السوريين"، في خطوة رأت فيها الجماعة أنّها تجديدٌ لخطابها السياسي والاجتماعي بعد سنوات من الغياب والنفي، غير أنّ مضمون الوثيقة وتوقيتها يثيران تساؤلات عدة حول مقاصدها الحقيقية ومدى اتساقها مع تاريخ الجماعة وسلوكها التنظيمي.
الوثيقة، التي جاءت بعد فترة من الانكفاء السياسي للتنظيم في الداخل السوري، تطرح نفسها كإطار فكري "توافقي" للمرحلة المقبلة، إلا أنّها في جوهرها تعيد إنتاج خطاب الجماعة التقليدي، القائم على محاولة التغلغل داخل البنية السياسية والاجتماعية للدولة عبر شعارات عامة عن الديمقراطية والعدالة، دون مراجعة جذرية لإيديولوجيتها أو مسؤوليتها عن تفكيك الدولة السورية في العقود السابقة.
وثيقة "العيش المشترك": مضمون عام بلغة تصالحية
تتألف الوثيقة من مقدمة وعدة محاور تتناول "الأسس الشرعية للعيش المشترك" ودور الدولة والمجتمع المدني في "سوريا الجديدة". وتبدأ بإقرارٍ بمعاناة السوريين تحت حكم نظام بشار الأسد، معتبرةً أنّ سقوط النظام يمثل "فرصة تاريخية لإعادة بناء الوطن على أسس جديدة". وتدعو الوثيقة إلى احترام التعددية المذهبية والإثنية، وتؤكد أنّ "الاختلاف سُنّة كونية"، وأنّ "العيش المشترك هو القاعدة لا الاستثناء".
تستند الجماعة في طرحها إلى مرجعيات دينية، إذ تُورد آيات قرآنية من سورتي "الحجرات والممتحنة" لتؤكد وحدة الأصل الإنساني وضرورة التعاون بين المختلفين، ثم تنتقل إلى التأسيس لما تسميه "قيم المواطنة"، مثل العدالة والتسامح واحترام الآخر. وتؤكد الوثيقة أنّ الدولة السورية المنشودة يجب أن "توفر الإطار القانوني الذي يحمي جميع المكونات ويكفل العدالة الاجتماعية والاقتصادية".
تتألف الوثيقة من مقدمة وعدة محاور تتناول "الأسس الشرعية للعيش المشترك" ودور الدولة والمجتمع المدني في "سوريا الجديدة".
اللغة المستخدمة توحي بانفتاح كبير، بل تُظهر الجماعة في ثوب "المراجعة الفكرية"، لكنّها في الوقت ذاته تتجنب أيّ إشارة صريحة إلى فصل الدين عن الدولة أو إلى إعادة النظر في بنيتها التنظيمية المغلقة، وتتفادى ذكر مسؤوليتها عن أحداث العنف التي ارتبطت بها منذ سبعينيات القرن الماضي، مكتفية بتقديم تصورٍ عام لـ "سوريا جديدة" تقوم على المصالحة، من دون تحديد آلياتها أو ضماناتها.
المواطنة في وثيقة الإخوان: مبدأ مُعلّق بين الدعوة والتوظيف
من بين أكثر المفاهيم تكراراً في الوثيقة مفهوم "المواطنة"، الذي تصفه الجماعة بأنّه "الإطار الجامع الذي ينظم علاقة السوريين بدولتهم". غير أنّ القراءة المتأنية تكشف أنّ هذا المفهوم يوظَّف هنا بصورة براغماتية أكثر منها مبدئية.
فالمواطنة تُطرح في الوثيقة باعتبارها "مكوّناً من مكونات الدولة" لا كقيمة تأسيسية تتقدّم على الانتماءات الدينية والسياسية، وهو ما أشار إليه عدد من المراقبين السوريين، منهم المفكر مخلص الصيادي الذي رأى أنّ الإخوان "جعلوا من المواطنة فرعاً من فروع الدولة، بينما هي الأصل الذي يجب أن تنبني عليه الدولة نفسها".
هذا التوظيف الانتقائي للمفاهيم الحداثية ليس جديداً على خطاب الجماعة، التي اعتادت منذ نشأتها تقديم صياغات "توفيقية" بين المرجعية الدينية ومتطلبات الدولة الحديثة، في محاولة لاستيعاب الخطاب الديمقراطي دون التنازل عن إيديولوجيتها.
لذلك تبدو الوثيقة الحالية استمراراً لتلك الاستراتيجية؛ فهي تقدّم مفردات مدنية المظهر، لكن من دون أن تتخلى عن "منظومة الولاء التنظيمي" التي تضع الجماعة فوق الدولة، وتجعل من أعضائها جماعة موازية للمجتمع السياسي والمدني.
وثيقة سياسية أم خطة لإعادة التموضع؟
الوثيقة الجديدة يمكن النظر إليها، في أحد مستوياتها، كمحاولة لإعادة التموضع السياسي في المشهد السوري، لا سيّما بعد تراجع نفوذ الإخوان في الداخل وتقلّص حضورهم في المعارضة الخارجية. فبعد أعوام من الفوضى والانقسامات داخل المعارضة المسلحة والسياسية، تبحث الجماعة عن نافذة جديدة للعودة عبر خطاب "توافقي" يقدّمها كقوة وسطية معتدلة قادرة على الحوار.
ويرى عدد من المحللين أنّ الوثيقة تسعى إلى تحقيق جملة أهداف متشابكة؛ أبرزها إعادة الشرعية الاجتماعية للجماعة بعد تراجع شعبيتها، وتقديم نفسها كفاعل سياسي مقبول إقليمياً ودولياً. كما أنّ طرحها لفكرة "سوريا ما بعد النظام" يشير ضمناً إلى رغبة الإخوان في المشاركة في أيّ ترتيبات انتقالية محتملة، بما يضمن لها موطئ قدم في السلطة الجديدة.
المواطنة تُطرح في الوثيقة باعتبارها "مكوّناً من مكونات الدولة" لا كقيمة تأسيسية تتقدّم على الانتماءات الدينية والسياسية
لكنّ هذا الخطاب "الناعم" لا يمكن فصله عن سلوك الجماعة التاريخي، سواء في سوريا أو في بلدان أخرى، حيث اعتادت تبنّي خطاب إصلاحي في فترات الضعف، قبل أن تعود إلى طرحها الإيديولوجي المتشدد حين تتاح لها الفرصة.
من هنا، فإنّ كثيراً من المراقبين يرون في الوثيقة تكتيكاً سياسياً أكثر منه مراجعة فكرية حقيقية، يهدف إلى استثمار مرحلة ما بعد النظام المحتملة لصالح مشروع الإخوان الأممي.
غياب الوضوح حول هوية الدولة والعلاقة بالدين
رغم حرص الوثيقة على استخدام لغة عامة، إلا أنّها تتجنب عمداً الخوض في المسائل الجوهرية المتعلقة بشكل الدولة السورية القادمة، وخاصة العلاقة بين الدين والسياسة.
فهي لا تتبنّى صراحةً نموذج "الدولة المدنية"، ولا تطرح نموذجاً "إسلامياً" واضحاً، مكتفية بتعابير فضفاضة مثل "دولة المواطنة"، و"العدالة"، و"الشراكة الوطنية".
هذا الغموض المقصود يُعدّ سمة ثابتة في خطاب الإخوان، إذ يسمح للجماعة بالتكيّف مع مختلف البيئات السياسية من دون الالتزام بموقف واضح من المرجعية التشريعية أو النظام السياسي.
كما أنّ الوثيقة تُسقط تماماً البُعد الأمني في المشهد السوري، متجاهلة مخاوف قطاعات واسعة من السوريين والعرب من عودة التيارات الإسلامية إلى واجهة المشهد، خاصة بعد التجارب المريرة في دول مثل مصر وليبيا وتونس، حيث أدّت مشاركات الجماعة السياسية إلى مزيد من الانقسام والصراع.
بهذا المعنى، يمكن اعتبار الوثيقة محاولة لـ "تبييض" صورة الجماعة دولياً، وإرسال رسائل طمأنة للغرب بأنّها أصبحت أكثر انفتاحاً واعتدالاً، في وقت تواجه فيه تنظيمات الإسلام السياسي عزلة متزايدة في الإقليم.
وثيقة براغماتية في سياق إقليمي متحوّل
لا يمكن قراءة وثيقة الإخوان بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية التي تضغط على التنظيم منذ أعوام.
ففي ظل الانقسام الحاد داخل الحركة الأم، وتراجع الدعم المالي والسياسي من بعض الدول، باتت الجماعة تسعى إلى التكيّف مع الواقع الجديد عبر تبنّي خطابات "مدنية" في الشكل، مع الإبقاء على جوهرها العقائدي.
الوثيقة تُسقط تماماً البُعد الأمني في المشهد السوري، متجاهلة مخاوف قطاعات واسعة من السوريين والعرب من عودة التيارات الإسلامية إلى واجهة المشهد
الوثيقة السورية تمثّل نموذجاً لهذا التكيف، فهي تُعيد إنتاج خطاب "العيش المشترك" الذي سبق أن استخدمته الجماعة في مصر وتونس والمغرب، محاولةً بذلك الظهور كحركة إصلاحية وطنية لا كتنظيم عابر للحدود.
لكنّ الخبرة التاريخية مع الجماعة تُظهر أنّ هذا النوع من الخطابات غالباً ما يكون مرحلياً ومشروطاً بالظرف السياسي.
فما لم تُرفَق الوثيقة بإجراءات عملية واضحة، مثل تفكيك الهياكل التنظيمية السرّية، ووقف التمويل الخارجي، وتبنّي نظام قانوني شفاف فإنّها ستظل مجرّد إعلان نوايا لا أكثر، يهدف إلى تحسين صورة الجماعة لا إلى تغيير سلوكها.
وثيقة بوجهين
في ظاهرها، تبدو "وثيقة العيش المشترك" دعوة إنسانية إلى المصالحة والوحدة الوطنية، وفي باطنها محاولة سياسية لاستعادة الدور المفقود لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا.
فالوثيقة تستخدم مفردات الحداثة والديمقراطية لتغليف مشروعٍ إيديولوجي ظلّ ثابتاً في جوهره: السعي إلى النفوذ عبر أدوات الدولة والمجتمع تحت شعار "الإصلاح".
ومع أنّ الخطاب الجديد للجماعة قد يجد صدى لدى بعض القوى المعارضة التي تبحث عن توافق وطني، فإنّ التجارب السابقة تجعل من الصعب الوثوق في تحوّل حقيقي داخل تنظيمٍ يرى في ذاته كياناً فوق الدولة.
إنّ قراءة هذه الوثيقة لا يمكن أن تنفصل عن السياق الأوسع لحركات الإسلام السياسي التي تمرّ بمرحلة مراجعة اضطرارية بعد إخفاقاتها المتكرّرة.
لكن يبقى السؤال الجوهري مطروحاً: هل تمثّل الوثيقة بداية مراجعة فكرية عميقة داخل الإخوان السوريين؟ أم أنّها مجرّد مناورة جديدة لاستعادة الشرعية السياسية في لحظة فراغ؟
الإجابة، كما يبدو، ستتضح ليس في نص الوثيقة بل في سلوك الجماعة المقبل على الأرض، ومدى استعدادها للتخلي عن منطق "التنظيم" لصالح منطق "الدولة".


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)