
قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة كانت حياة الفلسطينية حنان أبو دية (45 عاماً)، التي تعيش في حي التفاح شرق مدينة غزة، تسير بهدوء نسبي، فزوجها كان يعمل سائق سيارة أجرة، بينما كانت هي تهتم بالمنزل وتربية أطفالها الأربعة، لكن كل شيء تغير في لحظة واحدة.
تقول أبو دية: "في تلك الليلة كنت مع أطفالي في البيت، وكان زوجي قد خرج للعمل كعادته، وبعد ساعات وصلنا خبر وفاته بعد استهداف الطيران الإسرائيلي للمنطقة التي كان فيها، لم أصدق في البداية، لكن عندما أكدوا الخبر شعرت كأنّ الأرض انهارت تحت قدميّ."
ووفق بيان صادر عن وزارة شؤون المرأة الفلسطينية مع إحياء العالم "يوم المرأة العالمي" خلال العام 2026، فإنّ أكثر من 21 ألف امرأة فقدن أزواجهن منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، في ظل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي تواجه النساء في القطاع.
وأوضح البيان أنّ الحرب أسفرت عن ترمّل 21193 امرأة فلسطينية بعد فقدان أزواجهن، وأنّ هذه الأرقام تعكس اتساع دائرة التفكك الأسري والاجتماعي نتيجة الاستهداف الواسع للمدنيين.
وأضاف البيان أنّ 22426 أباً قُتلوا خلال الحرب، وهو ما أدى إلى فقدان آلاف الأسر لمعيلها الأساسي.
وأظهرت البيانات أنّ أكثر من 6020 أسرة أُبيدت ولم يبقَ منها سوى ناجٍ واحد، غالبًا ما يكون امرأة أو طفلاً، وأُبيدت 2700 أسرة بالكامل ومُسحت من السجل المدني.
وأفادت الوزارة بأنّ عدد النساء اللواتي قُتلن منذ بداية الحرب تجاوز 12500 امرأة، من بينهن أكثر من 9 آلاف أم، ممّا ترك عشرات آلاف الأطفال دون رعاية أمومية.
ووفقاً لبيان صادر عن وزارة العمل الفلسطينية بمناسبة يوم المرأة العالمي، فإنّ نحو 57 ألف امرأة في قطاع غزة أصبحن المعيل الرئيسي لأسرهن نتيجة الحرب، بينما فقدت آلاف العائلات مصادر دخلها بعد تدمير أماكن العمل والمحال التجارية.
وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تشكل المرأة الفلسطينية نصف المجتمع وعموده الفقري، وبلغت نسبتها نحو 49% من إجمالي عدد السكان في فلسطين، بما يعادل 2.71 مليون أنثى، توزعن بواقع1.65 مليون في الضفة الغربية، و 1.6 مليون في قطاع غزة.
بداية طريق صعب
تتوقف أبو دية قليلاً، وتواصل حديثها: "فقدان الزوج ليس مجرد فقدان شخص تحبه، فجأة تجد نفسك مسؤولاً عن كل شيء، الطعام، التعليم، الإيجار، وحتى محاولة حماية الأطفال نفسياً من كل ما يحدث حولهم."
وبعد وفاة زوجها، لم يكن أمام أبو دية سوى البحث عن مصدر دخل بأيّ طريقة ممكنة، وتقول: "حاولت في البداية الاعتماد على المساعدات الإنسانية، لكنّها لم تكن كافية لتغطية احتياجات الأسرة."
وتوضح: "بدأت بطهو الطعام في منزلي وبيعه للجيران، ومع مرور الوقت أصبح بعض سكان الحي يعتمدون على وجباتي اليومية."
وتتابع أبو دية: "أطبخ الأرز والدجاج أو الخضار وأبيع الوجبات بسعر بسيط، في البداية كنت أعدّ عشر وجبات فقط خلال اليوم، ثم بدأ العدد يزداد قليلاً عندما عرفني الناس."
لكنّ العمل لم يكن سهلاً، خاصة في ظل انقطاع الكهرباء المتكرر وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتكمل: "أحياناً أستيقظ في السادسة صباحاً لأذهب إلى السوق وأبحث عن أرخص الأسعار، وفي بعض الأيام أعود دون أن أشتري شيئاً لأنّ الأسعار تكون مرتفعة جداً."
الأمل رغم الألم
تقول أبو دية بحزن واضح: "ابني الأكبر اضطر لترك المدرسة لمساعدتنا أيضاً، ويعمل في نقل البضائع في أحد الأسواق مقابل مبلغ بسيط، وكنت أحلم أن يكمل دراسته ويذهب إلى الجامعة، لكنّ الظروف أجبرته على العمل، فعندما أراه يعود متعباً في نهاية اليوم أشعر بأنّ الحرب سرقت شبابه."
وتؤكد: "أحاول دائماً أن أذكّر أبنائي بأنّ التعليم هو الطريق الوحيد لمستقبل أفضل، ورغم كل الظروف لا أريدهم أن يتركوا المدرسة."
ولا تقتصر التحديات التي تواجهها أبو دية على الجانب الاقتصادي فقط، بل تشمل أيضاً الجانب النفسي، وتبين: "أطفالي يسألون كثيراً عن والدهم، أصعب لحظة هي عندما تسألني ابنتي الصغيرة لماذا لا يعود والدي مثل باقي الآباء؟ فأحاول أن أتظاهر أمامهم أنني قوية، لكنّ الحقيقة هي أنني في كثير من الليالي أبكي عندما ينامون."
ورغم كافة الصعوبات، تحاول أبو دية التمسك بالأمل، وتقول: "الحياة في غزة صعبة جداً، لكننا تعلمنا أن نصبر، وما يمنحني القوة هم أطفالي، وأريدهم أن يكبروا وأن يعيشوا حياة أفضل ممّا نعيشه الآن."
وتختتم أبو دية حديثها بابتسامة خفيفة، وتؤكد: "قد نكون فقدنا الكثير، لكننا لم نفقد إرادتنا في الاستمرار، ولن أسمح لنفسي بالاستسلام."
مشروع صغير من داخل المنزل
وفي حي الشيخ رضوان بمدينة غزة الذي تغيرت ملامحه بفعل الحرب، حيث تختلط رائحة الغبار بأصوات الحياة اليومية التي تحاول أن تستمر رغم كل شيء، تعيش فداء مقداد ظروفاً معيشية صعبة في خيمة بالية مع أطفالها الخمسة، بعد أن فقدت زوجها الذي كان المعيل الوحيد للعائلة خلال الحرب المستمرة.
وتبدأ مقداد (42 عاماً)، حديثها، وتقول: "قبل الحرب كنا نعيش حياة بسيطة مثل معظم الناس هنا، وكان زوجي يعمل في محل لبيع المواد الغذائية، ولم نكن نملك الكثير، لكننا كنا نشعر بالاستقرار، لكنّ ذلك الاستقرار انتهى في لحظة."
وتضيف: "بعد فقدان زوجي وجدت نفسي أمام مسؤولية كبيرة لم أكن مستعدة لها، ولم أفكر يوماً أنني سأضطر للعمل لإعالة الأسرة، لكن عندما نظرت إلى أطفالي أدركت أنّه لا خيار آخر."
وفي البداية حاولت البحث عن عمل خارج المنزل، لكنّ الظروف الأمنية وصعوبة التنقل جعلت ذلك شبه مستحيل، وتوضح: "الفرص قليلة جداً، خاصة للنساء، لذلك بدأت أفكر في شيء يمكنني القيام به في المنزل."
وقررت مقداد استغلال مهارتها في الخياطة، وهي مهارة تعلمتها منذ سنوات من والدتها، وتكمل: "أخرجت ماكينة الخياطة القديمة التي كانت في المنزل وبدأت بإصلاح الملابس للجيران مقابل مبلغ بسيط، وفي البداية كان العمل محدوداً، لكن مع مرور الوقت بدأت الطلبات تزداد قليلاً."
وتتابع: "الناس في الحي عرفوا أنني أخيط الملابس وأصلحها، وبعضهم يطلب مني تفصيل ملابس بسيطة للأطفال، ورغم أنّ الدخل ما زال متواضعاً، إلا أنّه يساعد في توفير جزء من احتياجات الأسرة."
صعوبات الحياة اليومية
وتبين: "أحياناً أعمل حتى منتصف الليل، لكن عندما أرى أنني استطعت شراء الطعام والدواء لأطفالي أشعر أنّ كل هذا الجهد يستحق."
وتوضح الكهرباء تنقطع ساعات طويلة، وهذا يجعل العمل على ماكينة الخياطة صعباً، وأحياناً أضطر للانتظار حتى تعود الكهرباء لأكمل العمل، كما أنّ ارتفاع الأسعار يشكل عبئاً إضافياً. كلّ شيء في غزة أصبح غالياً، الطعام، والملابس، وحتى المواد الأساسية، لذلك نحاول أن نعيش بأبسط الإمكانيات."
وتضيف: "التضامن بين الجيران يلعب دوراً مهمّاً في تخفيف المعاناة، فهم يساعدون بعضهم البعض قدر الإمكان، وأحياناً يتركون لي الملابس لإصلاحها حتى لو لم يكونوا بحاجة ماسة لذلك، فقط لدعمي، وهذا التضامن يجعلني أشعر أنني لست وحدي."
وتؤكد مقداد بابتسامة هادئة: "رغم كل شيء، ما زلت أؤمن بأنّ الحياة يمكن أن تصبح أفضل يوماً ما، كما أحلم أن يأتي يوم لا نسمع فيه أصوات القصف، وأن يعود الناس إلى حياتهم الطبيعية."
مسؤولية مزدوجة
يرى الإخصائي الاجتماعي خليل شاهين أنّ "الحرب والحصار يخلقان فجوة كبيرة في بنية الأسرة التقليدية، وفقدان المعيل الأساسي يجعل الأم تتحمل مسؤوليات مزدوجة، إدارة المنزل والعمل لتأمين لقمة العيش، وهذا يؤدي إلى ضغوط نفسية مستمرة على الأم، وإلى انقسام وتوتر داخل الأسرة، بسبب قلة الموارد والخوف على المستقبل."
ويضيف شاهين: "أبرز التحديات التي تواجه النساء اللواتي أصبحن المعيل الوحيد لأسرهن، هو الفقر والديون المتزايدة، وصعوبة إيجاد عمل ثابت بسبب نقص الفرص والقيود المجتمعية على عمل النساء، اللواتي يواجهن نظرة مجتمعية تقلل من تقدير جهودهن وتشعرهن بالضغط الاجتماعي."
ويوضح: "غياب الأب يترك فراغاً عاطفياً ومادياً في الأسرة، ممّا يشعر الأطفال بعدم الأمان والحزن المزمن، وهو ما يؤثر على سلوكهم المدرسي والاجتماعي، ويجعل الأم تتحمل ضغطاً مزدوجاً لإعادة التوازن، ممّا قد يؤدي إلى إرهاق نفسي أو صراعات عائلية بسبب التوتر المستمر."
ويتابع شاهين: "يعاني الأطفال غالباً من مشاعر الحزن والخوف والذنب، وقد يظهرون سلوكيات انطوائية أو عدوانية، ويمكن أن يتأثر تحصيلهم الدراسي، ويزيد شعورهم بعدم الاستقرار، وبالتالي فالدعم النفسي والاجتماعي المبكر من شأنه التقليل من هذه التأثيرات ويمنحهم فرصة للتكيف."
ويكمل: "تحمّل المرأة لدور المعيل الوحيد، يؤثر على حياتها اليومية وعلاقتها بأطفالها، فالمرأة تصبح أكثر انشغالاً بالجانب الاقتصادي والمنزلي، ممّا يقلل من الوقت المتاح للأنشطة الترفيهية والتواصل العاطفي مع الأطفال، ويؤدي هذا إلى شعورهم بالغربة، لكن في المقابل، يظهر الأطفال تقديراً كبيراً لصمود الأم."
ويؤكد شاهين: "يتوجب على المجتمع المحلي أن يبدي اهتماماً كبيراً بتوفير دعم مادي لهؤلاء النساء، من خلال منحهن مساعدات غذائية دورية، ومساعدتهن في إقامة مشاريع صغيرة وتدريب مهني لتأمين دخل ثابت لهن، لدعمهن في مواجهة مصاعب الحياة."

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)