في ذكرى غسان كنفاني.. "لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟"

 في ذكرى غسان كنفاني.. "لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟"

في ذكرى غسان كنفاني.. "لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟"


09/07/2026

لم يغادر غسان كنفاني الذاكرة العربية؛ فقد ظل حاضرًا في الأدب العربي، وفي الوعي الفلسطيني، وفي ضمير كل من يرى في الأدب ما هو أبعد من مجرد متعة جمالية، ويعتبره شهادةً على الإنسان أمام القهر والتشرد ومحاولات الإزالة.

رحل غسان كنفاني عن الحياة في الثامن من تموز/يوليو عام 1972 إثرَ عملية اغتيال نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في بيروت، وقد كان عمره حينها ستة وثلاثين عامًا فقط، وعلى الرغم من قصر حياته بمقياس السنوات، إلا أنّها كانت حافلةً بمقياس الإنجازات، فقد تمكن خلال عقود قليلة أن يخلف أثراً أدبياً وفكرياً يضاهي ما أحرزه كبار الكتاب الذين امتدت حياتهم طويلاً، كما لو أنَّه أدرك أنّ الزمن لا يُقاس بعدد الأيام التي يعيشها الشخص، بل بما يترك من أثر بعد الرحيل.

وُلد غسان كنفاني في مدينة عكا عام 1936، المدينة الفلسطينية التي تتميز بجمال شاطئها وعبق تاريخها، هناك حيثُ بدأت تتشكل ملامح طفل لم يكن يعلم أنّ وطنه سيتحول يوماً ما إلى سؤال دائم يسكن روحه، ثمَّ جاءت نكبة فلسطين عام 1948 لتغير حياته جذرياً، فغادر مع عائلته إلى لبنان، ثم استقر في دمشق ليبدأ رحلة طويلة عبر دروب اللجوء والمنفى، وقد كان اللجوء بالنسبة إلى غسان أكثر من مجرد تجربة شخصية؛ وإنّما كان جرحاً تاريخياً أصبح فيما بعد جوهر مشروعه الأدبي، فحمل معه صورة البيت المفقود، والمدينة التي أصبح بعيداً عنها، وطفولة انتهت قبل أوانها، ومن هذه التجربة وُلدت شخصياته الروائية التي تبحث عن معنى الوجود في عالم فقد توازنه، وكتب عن الفلسطيني كإنسان له قلب وأحلام وذاكرة وحق في الحياة وليس رقماً في قضية سياسية.

بدأ كنفاني مسيرته المهنية معلماً وصحفياً، ثم أصبح من أبرز الأصوات الثقافية والسياسية الفلسطينية، وكان يؤمن بأنّ الكاتب لا يمكنه العيش منعزلاً بعيداً عن معاناة شعبه وأسئلة عصره، ممّا جعله يجمع بين الكتابة الأدبية والعمل الصحفي والنشاط السياسي،غير أنّه حرص على ألّا يمنح السياسة بعيدة فرصةً لإفساد الفن في أدبه، حيث كانت أعماله الأدبية من قصص وروايات، توثيقاً حقيقياً لقصص واقعية، وليست منشورات دعائية، فكتب عن تفاصيل الحياة التي يعيشها الفلسطيني داخل فلسطين وفي المنافي.

كان غسان كنفاني أحد أبرز المبدعين الذين أسسوا للرواية الفلسطينية الحديثة، حيث نقل التجربة الفلسطينية من إطار الأخبار السياسية إلى آفاق الأدب الإنساني، في روايته الشهيرة "رجال في الشمس"، التي صدرت عام 1963، قدّم واحدَةً من أكثر الصور الأدبية تأثيرًا لمأساة الفلسطينيين بعد النكبة، ولم تكن الرواية مجرد سردٍ لمصير ثلاثة رجال يبحثون عن عمل، لكنّها كانت استكشافًا عميقًا لمعاني العجز والخوف والانتظار.

وظلَّ السؤال الذي ختمَ به الرواية شاخصاً يتردد حتى يومنا هذا: "لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟"، وهو سؤالٌ مفتوحٌ على احتمالات كثيرة، اجتماعية وثقافية وسياسية، ولم يكن موجهًا لشخصيات الرواية فحسب، وإنّما إلى الإنسان عندما يصمت أمام نهايته، وإلى الشعوب حين تفقد قدرتها على اتخاذ الفعل، حيث نجح كنفاني في تحويل لحظة روائية فردية إلى سؤال إنساني عام يثير التفكير في كل زمان ومكان.

ولم تكن فكرة العودة في روايته "عائد إلى حيفا"، رحلة عبر الجغرافيا فحسب، وإنّما مواجهة بين الإنسان وماضيه، بين الذاكرة والواقع، وبين ما فقده الفلسطيني وما بقي منه، وفي "أم سعد"، رسم صورة المرأة الفلسطينية التي تواجه تحديات الحياة بقوة وتتصدى للفقر والمنفى والانكسار، وقد أدرك كنفاني في أعماله السردية أنّ البطولة ليست دائمًا في المواقف الجليلة فحسب، حيث يمكن لها أن تكمن في صبر أم تنتظر أو في إنسان بسيط يتمسك بحقه في الحياة.

يتميز أسلوب غسان كنفاني بتفرُّده، حيث يوازن بين الاقتصاد في استخدام اللغة والعمق في المعنى، كلماته قليلة لكنّها غنية بالإيحاءات المتنوعة، ولم يكن يسعى للبهرجة البلاغية، وكان يعتقد أنّ العبارة المؤثرة تظل خالدة في النفوس، فجاءت أعماله واضحة اللغة والرؤى، إلا أنّ هذا الوضوح كان يخفي وراءه طبقات من الحزن والأسئلة والتأمل، وهو ما جعل أدبه قريباً من القراء، قادراً  على مخاطبة الإنسان فينا قبل أن يكون له هدف آخر.

ولم يكن غسان كنفاني كاتباً ومناضلاً فقط، حيث كانت هناك جوانب شخصية له بقيت خفية خلف حضوره العام الجاد. وتبرز أهمية فهم هذه الجوانب من خلال علاقته مع الكاتبة السورية غادة السمان، وهي علاقة حظيت باهتمام كبير في الأوساط الأدبية العربية، وقد بدأت العلاقة بين كنفاني والسمان في ستينيات القرن الماضي وسط أجواء الصحافة والثقافة العربية، وتوثقت عرى هذه العلاقة من خلال الحوار الأدبي والتشابه الفكري، وتعمقت فيما بعد لتصبح أكثر قربا ، وبعد سنوات من رحيل كنفاني، نشرت غادة السمان رسائلهما المتبادلة في كتاب "رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان"، وتضمن الكتاب كشفاً مفصلاً ممّا كشف عن جوانب أخرى للكاتب، غير تلك التي عرفها الناس عنه سياسياً ومقاوماً وأديباً؛ حيث وجدوا في هذه الرسائل، غسان العاشق والحالم، وليس الكاتب الصارم، في تناول لحساسيته المفرطة وسعيه للعثور على الجمال في عالم قاسٍ، تلك الحساسية التي جعلته يكتب عن الحب بصراحة مثلما كتب عن الوطن. وتكشف هذه الرسائل عن روح شاعريّة كانت تخفيها لغة النضال، وعن قلب مثقل بهمّ القضية الكبرى، لكنّه لم يتخلّ عن حاجته الإنسانية للقرب والحنان، بينما  أثار نشر هذه الرسائل نقاشاً واسعاً بين المثقفين؛ حيث رأى البعض فيها وثيقة أدبية مهمة كشفت جانباً غير معروف من شخصية كنفاني، بينما تحفظ آخرون على نشر رسائل شخصية بعد وفاته، غير أنّ  قيمتها الأساسية هي تقديم صورة أكثر شمولية لإنسان لم يكن مجرد رمز سياسي، بل كان مبدعاً يعيش تناقضات الحياة المتنوعة: القوة والضعف، الحلم والألم، الثورة والحب.

وكان اغتيال غسان كنفاني محاولة لإسكات صوت مؤثر أدبياً وسياسياً، لكنّه أثبت مرة أخرى أنّ الأفكار لا تموت بموت حامليها، فبقيت كتبه حاضرة، وترجمت إلى العديد من اللغات، وأصبح اسمه جزءاً من تاريخ الأدب العربي الحديث، ولم يعد غسان ملكاً لفلسطين فقط، فتحول إلى رمز لكل شخص يواجه فقدان الوطن ويحاول استعادته بالكلمة.

وبلا شك فإنَّ غسان كنفاني، كان شجرة نبتت من أرض ملأى بالجراح، ومع ذلك أزهرت بالجمال والمعنى الرفيع، وكان قلمه يتحدث كثيراً عن الموت، لكنّه كان كاتبًا للحياة في جوهره؛ تلك الحياة التي ترفض الانكسار وتقاوم كل محاولات الإغراق في النسيان، والإنسان الذي يرفض أن يتقمص دور الرقم أو أن يكون مجرد ذكرى. ورغم أنّ إنتاجه الأدبي ليس ضخماً مقارنة بحجمه وتأثيره، إلا أنّ أعماله تُعتبر كنوزاً باقية لأنّها تنبض بصدق عميق يجعلها خالدة في الأذهان.  

المصادر والمراجع:

ـ غادة السمان، رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، منشورات غادة السمان، بيروت. 

ـ غسان كنفاني: القصة والرواية الفلسطينية، د. فيصل درّاج. 

ـ غسان كنفاني: حياته وآثاره، د. صبحي البستاني.  

ـ موسوعة الأدب الفلسطيني الحديث، دراسات ومقالات نقدية عن كتّاب فلسطين في القرن العشرين.  




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية