في العراق.. لماذا يرفض الشيعة تدخل إيران؟

في العراق.. لماذا يرفض الشيعة تدخل إيران؟

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
24/11/2019

ترجمة: مدني قصري


يشهد العراق حالياً ثورة تعيد تشكيل جميع الأوراق في البلاد والمنطقة، وهي تهديد حقيقي لإيران، التي تتولى السلطة في العراق منذ عام 2003. عبر شعاراتهم وأفعالهم، يعبر المتظاهرون عن رفضهم للتأثير الإيراني، وأيضاً عن أيّ طموح لطهران يهدف إلى إبقاء وديمومة السلطة ونخبة البلاد السياسية.

لم تعد القاعدة الشيعية في العراق تحدد مُواطنتها وفقاً لوضعها الطائفي ولكن قبل كل شيء بموجب انتمائها القومي

تسربت مئات من وثائق الاستخبارات الإيرانية، كشفت مؤخراً عن مدى تأثير طهران في العراق في أعقاب انسحاب الولايات المتحدة من العراق في عام 2011.
تأثير طهران في العراق، الذي أصبح هدفاً من غضب المتظاهرين العراقيين، تأثير كبير. قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، وموقع الاستقصاء الإلكتروني "The Intercept"، يوم الإثنين 18 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، إنها فحصت حوالي 700 صفحة من التقارير التي كتبت معظمها في عامي 2014 و2015 وزارةُ الإعلام الإيرانية وأرسِلت من قبل مصدر مجهول إلى "The Intercept". وقال المصدر إنّه يريد أن "يُظهر للعالم ما تفعله إيران في بلده العراق".

اقرأ أيضاً: التمدّد التركي في العراق.. هل يقف عند حدود الاقتصاد؟
"هذه التسريبات غير المسبوقة تكشف عن نفوذ إيران الهائل في العراق، وتعرض تفاصيل سنوات من العمل الدقيق الذي قام به جواسيس إيرانيون للتسلل إلى قادة البلاد، ودفع رواتب العملاء العراقيين (...) والتسلل إلى جميع جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والدينية في العراق"، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".
تؤكد الوثائق على "الدور الفريد للجنرال قاسم سليماني"، في إشارة إلى قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري، الجيش الأيديولوجي لإيران، المسؤول عن العمليات الخارجية.
التسريبات غير المسبوقة تكشف عن نفوذ إيران الهائل في العراق

"إيران تتدخل في بلادنا"
وقالت المصادر السياسية إنّ الجنرال يسافر بانتظام إلى العراق؛ حيث ترأس في الأسابيع الأخيرة اجتماعات في بغداد والنجف في الجنوب؛ لإقناع الأحزاب السياسية بدعم رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، الذي يطالب شارعُه برحيله.
تعكس محتويات الوثائق المشاعر التي أعرب عنها العديد من العراقيين المشاركين في احتجاجات غير مسبوقة في العراق، وهي دولة ذات أغلبية شيعية مثل إيران. "إيران تتدخل في بلادنا"، هكذا قالت الإثنين الماضي، متظاهرة في الستين من العمر، في بغداد.

اقرأ أيضاً: عراق ما بعد الاحتجاجات هو بلد آخر
وقد أعربت المتظاهرة عن سرورها بمسرح الاحتجاجات التي انفجرت في إيران منذ أيام، بعد ارتفاع سعر البنزين: "الشرارة التي بدأت في العراق وصلت إلى إيران".

طهران حليف ذو وزن ثقيل في العراق
أصبحت طهران حليفاً مهماً للعراق، خاصة في السنوات الأخيرة، بعد ما يقرب من عقد من الهيمنة الأمريكية. ترتبط إيران بعلاقات وثيقة مع العديد من السياسيين العراقيين، وقد ساعدت في تدريب قوات الحشد الشعبي شبه العسكري، التي ساعدت في هزيمة تنظيم داعش.

العراق سلة الخبز الإيرانية وأوّل سوقها الدولي الذي يسمح لها بتصدير منتجاتها والتحايل على العقوبات التي تفرضها أمريكا عليها

كما أنّها شريك تجاري رئيسي، تبيع الكهرباء والغاز الطبيعي للعراق. وقد استخدمت طهران عمليات استخباراتية مكثفة للحفاظ على هذه العلاقات الوثيقة، وفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز" و"Intercept". كانت "الأولوية القصوى"، وفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز"، هي الحفاظ على العراق كعميل (...) وضمان بقاء الفصائل الموالية لطهران في السلطة".

في إحدى الوثائق المسرّبة، يوصف رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بأنّه "له علاقة خاصة" بطهران عندما كان وزيراً للنفط في عام 2014.
بسبب هذه الهيمنة، داخل أبواب مغلقة، اهتزّ العراق منذ أكثر من شهر بسبب التمرد الواسع الذي اندلع في الدم. بإدانة الفساد الذي ابتليت به السلطة، وعجز الحكومة عن توفير الخدمات العامة الأساسية (الماء والكهرباء)، يتظاهر الآلاف من العراقيين منذ الأول من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي في بغداد وفي الجنوب، ومعظمهم من الشيعة. لكن استجابة الحكومة جاءت شرسة: قُتل ما لا يقل عن 319 شخصاً وجُرح ما يقرب من 12000. فوفقاً لتعليمات طهران، التي يجب أن يظل العراق تابعاً للنظام الإيراني، تضطهد حكومة بغداد المتظاهرين الذين يطالبون بإسقاطها.

اقرأ أيضاً: ما مدى جدّية المعارضة في تعاطيها مع الاحتجاج الشعبي في العراق؟
حول ما يحدث في العراق من أحداث غير مسبوقة، يُعتبَر هشام داود، الباحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، حيث يعمل في مجال عالم الأنثروبولوجا، أحد الباحثين القلائل الذين تمكنوا من زيارة العراق في الأسابيع الأخيرة. في مقابلة مع صحيفة "LePoint" الفرنسية يشرح سبب تمرد الشيعة العراقيين ضد طبقتهم السياسية، وكذلك ضد إيران.
 يوصف رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بأنّه "له علاقة خاصة" بطهران

هل كنت شاهداً على تكثيف التعبئة في العراق؟
في الواقع، نشهد تكثيفاً للتعبئة. المظاهرات الآن أكثر تنظيماً سياسياً مما كانت عليه في بداية شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي. غالبية المحتجين يعرفون بالضبط ما يريدون: رحيل الحكومة، التي لم تكن بمستوى التحدي، والتي تتحمل المسؤولية عن عدد كبير من الوفيات. السلطة التنفيذية الآن تتعثر وتلهث.
من هم المتظاهرون؟
إنها انتفاضة العرب الشيعة بشكل أساسي في العراق. من المثير للاهتمام أن نلاحظ أنّ هذه الانتفاضة تتمتع بفهمٍ حقيقي من قبل الشعب العراقي بأسره. إنّ اعتدال المطالب، وسلامة المسيرات تجعل المظاهرات تحظى بشعبية كبيرة. في بغداد وأماكن أخرى، خرجت أسرٌ بأكملها إلى الشوارع لتوفير المياه والغذاء للمتظاهرين. تتميز المسيرات بدرجة عالية من الكياسة. وبالتالي، فبعد كل مظاهرة، يتم تنظيف الشوارع. وتنضمُّ للمتظاهرين الآن المدارسُ والجامعات وموظفو الخدمة المدنية، عندما تتاح لهم، تحت ضغط الحكومة، إمكانية التظاهر. نشعر حقاً أنّنا نشهد نهاية دورة سياسية تم افتتاحها عام 2003  مع سقوط صدام حسين.
هذه الانتفاضة تتمتع بفهمٍ حقيقي من قبل الشعب العراقي بأسره

ماذا تقصد بذلك؟
أدّى غزو الولايات المتحدة للبلاد إلى وضع سياسة البلاد تحت الوصاية الأمريكية قبل أن تصبح وصاية أمريكية إيرانية. في رأيي، هي الآن وصاية إيرانية أكثر منها أمريكية. لقد مر ستة عشر عاماً لم يكن فيها النظام السياسي في العراق سوى تغيير زائف للسلطة، وهو التغيير الذي لم ينتج عنه سوى الفساد والاستبداد. لم يتم تفصيل القانون الانتخابي الساري إلا لإعادة إنتاج أحزاب سياسية معزولة عن المجتمع. إن ما يثير الاهتمام اليوم في حركة الاحتجاج هو أنّ العراقيين أنفسهم هم الذين يأخذون مصيرهم بأيديهم. من الواضح أنّ هذا يزعج ويبلبل ويربك لعبة إيران في العراق، وكذلك لعبة الغرب. لم يتفضّل البيت الأبيض بإصدار بيان إزاء الأحداث إلا بعد مرور أربعين يوماً!
أليس من الغريب أن يثور الشيعة ضد سلطة هي نفسها ذات أغلبية شيعية؟
لا على الإطلاق. فهذا اختصارٌ تم استخدامه في النهج السياسي في العراق منذ عام 2003. ولتسهيل الأمر، تم تقسيم هذا البلد إلى ثلاث مجموعات سياسية عرقية: الأكراد والشيعة والسنّة. هذا الخطاب لم يعد قائماً اليوم، بدءاً من القاعدة الشيعية. لم تعد القاعدة الشيعية هذه تحدد مُواطنتها وفقاً لوضعها الطائفي، ولكن قبل كل شيء بموجب انتمائها القومي. إننا نشهد في شيعة العراق تحولاً في الخطاب الوطني، مع إعادة استثمار الرموز، سواء على مستوى العَلَم أو على مستوى النشيد. الشباب الذين وُلدوا عام 2003 لا يمكن اتهامهم بأنّهم موالون لصدام حسين أو مؤيدون للبعث (الحزب الاشتراكي العلماني للرئيس السابق، الذي تم تفكيكه عام 2003 من قبل الأمريكيين). عندما نسأل المتظاهرين عن معنى كونهم عراقيين، يجيبون أنّهم قبل كل شيء مواطنون في هذا البلد، وأن يستفيدوا من المزيد من العدالة وأن يكونوا أقل إذلالاً.

قام المتظاهرون بحرق الأعلام الإيرانية مرارًا وتكرارًا. لماذا؟
الغالبية العظمى من العراقيين يقولون إنّهم يتعرضون للإساءة بسبب الوجود الهائل للإيرانيين في العراق، وخاصة من خلال الميليشيات الشيعية. تُقدم إيران دعماً هائلاً للسلطة في بغداد، التي تهيمن عليها الأحزاب السياسية الدينية الشيعية. كما اقتربت إيران من الحزبين اللذين يقودان كردستان العراق (KDP و UPK). كما نجحت طهران في التسلل إلى العديد من الأحزاب السياسية السنّية. في عيون بلدان المنطقة والغرب، أصبح الإيرانيون ببساطة أسياد اللعبة السياسية في العراق. لكن، إلى جانب المظاهر، لم ير أحد ما كان يحدث بالفعل في المجتمع العراقي: رفض للتدخل الإيراني السياسي والأيديولوجي والأمني.
طهران لا تفهم أنّ البلاد قد وصلت إلى مستوى الأزمة لدرجة أنّها لا تملك سوى التمرد.
من يقف، برأيك، وراء القمع الدموي للاحتجاجات؟
في البداية، إنّهم جماعات مسلّحة مسؤولة عن تأمين بغداد. هؤلاء الذين يعود تاريخهم إلى عهد رئيس الوزراء الشيعي السابق نوري المالكي، تم تجنيدهم وفقاً لعضويتهم المحلية وتفانيهم السياسي. والغرض هو حماية النظام السياسي أكثر منه حماية السكان. كانت هذه الجماعات مدعومة من قبل أجهزة الأمن العسكرية، ولكن أيضاً من قبل قوات مكافحة الشغب والميليشيات. تخضع هذه الهيئات الثلاث لوزارة الداخلية العراقية، التي اخترقتها بالكامل ميليشيات بدر (المقربة من إيران). وهناك ميليشيات أخرى، أعضاء وحدات التعبئة الشعبية (التي تم إنشاؤها في عام 2014 لمحاربة داعش)، تقف وراء قمع المتظاهرين. هذه الوحدات مدرَّبة ومسلّحة من قبل إيران. كل هذه المجموعات تركت بعضاً من فيلق الجيش النظامي يعمل على خط المواجهة، قبل التدخل بدورها كما يحلو لها. في آخر مجلس للأمن القومي، المتكون تقليدياً من عسكريين وسياسيين، كان ما يقرب من نصف الأعضاء من قادة الميليشيات. كانوا الأكثر تطرفاً في مواجهة المتظاهرين.

ألم يتضاءل دور الميليشيات من خلال تقرير الحكومة عن القمع؟
أثبت التقرير أنّه لم يكن سوى مهزلة تم الحصول عليها تحت ضغط من رئيس الوزراء وإيران لتجريم الجيش ورفض إبعاد دور الرعاة الحقيقيين للقمع. وهكذا، قللت الوثيقة من شأن الحملة الصارمة التي انهالت على المحتجين. إنّها ببساطة تشير إلى "أعمال عنف غير متكافئة" وتتحدث عن أعمال شغب ومتظاهرين معادين للدولة العراقية. لا أحد أخذ هذا التقرير على محمل الجد.

يمثل العراق كل الاستمرارية الجغرافية والسياسية والاستراتيجية لإيران في الشرق الأوسط مما يوفر لها طريقاً إلى سوريا ولبنان

في مواجهة المتظاهرين، يبدو أنّ طهران والأحزاب السياسية الشيعية مصممة على قمع التمرد، بما في ذلك بالدماء.
بالفعل، ما انفكّت إيران تهدد المتظاهرين باستمرار. باختصار، الرسالة المرسلة هي: "لم نسمح أبداً بسقوط بشار الأسد في سوريا، ولن نسمح بذلك مع عادل عبد المهدي. علاوة على ذلك، فإنّ الخطاب الأخير الذي ألقاه في طهران الزعيم الإيراني الأعلى خامنئي، والذي شجب فيه "مؤامرة" ضد العراق، يعطي انطباعاً بأنّه يضفي الشرعية على أي قمع قادم. لكن طهران لا تفهم أنّ البلاد قد وصلت إلى مستوى من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والفساد والإهانة التي لا يمكن للبلاد أمامها إلا أن تتمرد.

الأحداث في العراق يرتد صداها في لبنان
الأحداث في العراق يرتد صداها في لبنان، حيث نشهد هدير السكان أيضاً ضد النخب الفاسدة.

اقرأ أيضاً: هل تأثرتْ إيران بانتفاضة العراق؟
الوضع الحالي في المنطقة صعب بالنسبة لإيران. تشعر الجمهورية الإسلامية بأنّها محاصرة، سواء بالاحتجاجات في لبنان أو العراق. ولكن في تنفيذ السياسة الإيرانية في المنطقة، فإنّ هذا الأخير (العراق) أكثر أهمية بكثير. العراق هو سلة الخبز الإيرانية، أوّل سوقها الدولي الذي يسمح لها بتصدير منتجاتها والتحايل على العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة عليها. يمثل العراق كل الاستمرارية الجغرافية والسياسية والاستراتيجية لإيران في الشرق الأوسط، مما يوفر لها طريقاً إلى سوريا ولبنان. وبالتالي فإنّ العراق بلد رئيسي للجمهورية الإسلامية، التي ستقاتل حتى الموت لإبقائه في حضنها.
كيف تُفسّر تفهّم الصمت النسبي لفرنسا منذ بداية المظاهرات؟
هناك سوء فهم من جانب المجتمع المدني العراقي فيما يتعلق بسياسة فرنسا. من المؤكد أن يعرف الجميع أنّ باريس لم تعد تملك الوسائل اللازمة لطموحاتها في الشرق الأوسط، لكن لا أحد يفهم لماذا تبقى فرنسا دائماً في الجانب الخطأ من التاريخ – تاريخ الطغاة المستبدين – أثناء الأحداث الكبرى في العراق. كان هذا هو الحال بالأمس مع صدام حسين ضد شعبه، واليوم مع قوة مركزية ضد شعبها. لم يقل وزير الخارجية، جان إيف لو دريان، كلمة واحدة حول احترام حقوق الإنسان في العراق وللكثير من الشباب الذين شاركوا في المظاهرات أثناء وجوده في العراق في تشرين الأول (أكتوبر)، لمناقشة مصير الجهاديين الفرنسيين. هذا السخط تجاه فرنسا سوف يظهر عاجلاً أم آجلاً.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lepoint.fr/monde
 

الصفحة الرئيسية