فضيحة "إيران ـ جيت": حين سقطت شعارات "الشيطان الأكبر" أمام القنوات السرية لتجارة السلاح

فضيحة "إيران ـ جيت": حين سقطت شعارات "الشيطان الأكبر" أمام القنوات السرية لتجارة السلاح

فضيحة "إيران ـ جيت": حين سقطت شعارات "الشيطان الأكبر" أمام القنوات السرية لتجارة السلاح


20/04/2026

 

يكشف استدعاء فضيحة "إيران-جيت" (كونترا) اليوم عن حقيقة أكثر عمقًا من مجرد فضيحة سياسية في ثمانينيات القرن الماضي؛ إذ يقدّم نموذجًا عمليًا لفهم الكيفية التي تدير بها إيران صراعاتها المعاصرة، خاصة في ظل التوتر المستمر مع إسرائيل. لم تكن القضية مجرد صفقة سلاح سرّية، بل لحظة كاشفة لمنطق عمل مستمر: الفصل بين خطاب إيديولوجي صلب، وممارسة سياسية مرنة تتحرك وفق حسابات دقيقة للمصالح، هنا لا يظهر التناقض بوصفه خللًا، بل أداة إدارة.

يفرض هذا الفهم إعادة تعريف السؤال الأساسي؛ فلا يعود السؤال: لماذا تتصرف إيران على نحو متناقض؟ بل: كيف تدير هذا التناقض؟ وكيف تحوله إلى ميزة استراتيجية؟ ويكشف سلوك طهران أنّ ما يبدو ازدواجية هو في الحقيقة بنية مزدوجة واعية، تُوزَّع فيها الأدوار بين العلن والسر، بحيث يبقى الخطاب محافظًا على شرعيته التعبوية، بينما تتحرك الأدوات بحرّية أكبر لتحقيق أهداف ملموسة.

الدولة المزدوجة: كيف توزّع طهران القرار بين العلن والسر

تتكوّن فضيحة "إيران-جيت" من (3) مسارات مترابطة شكّلت معًا جوهر القضية. فقد قامت إدارة رونالد ريجان ببيع أسلحة إلى إيران التي كانت في حاجة ملحّة إليها خلال حربها مع العراق، مقابل استخدام نفوذها للإفراج عن رهائن أمريكيين محتجزين في لبنان لدى ميليشيات شيعية مرتبطة بها. وفي الوقت نفسه جرى تسعير هذه الصفقات بأسعار مرتفعة، حيث تم تحويل الفارق المالي إلى دعم قوات "الكونترا" التي كانت تقاتل حكومة جبهة الساندينيستا اليسارية الحاكمة في نيكاراجوا.

يوضح هذا النموذج أنّ القرار في إيران لا يُصاغ داخل مؤسسة واحدة مغلقة، بل داخل منظومة متعددة المستويات، تتداخل فيها الدولة الرسمية مع أجهزة موازية، على رأسها الحرس الثوري الإيراني، بما يسمح بخلق مسارات مختلفة للفعل السياسي. هنا يمكن اتخاذ قرارات حساسة عبر قنوات غير مباشرة، دون أن تتحمل المؤسسة الرسمية كلفة الإعلان، وهو ما ظهر بوضوح في الثمانينيات، ويتكرر اليوم بصيغ أكثر تعقيدًا.

ينتقل هذا المنطق من الماضي إلى الحاضر دون انقطاع. في "إيران-جيت"  استخدمت طهران قنوات خلفية للحصول على السلاح رغم خطابها العدائي تجاه الولايات المتحدة. واليوم تُدار المواجهة مع إسرائيل عبر قنوات مشابهة من حيث المنطق، وإن اختلفت الأدوات. فبدل المواجهة المباشرة تعتمد إيران على شبكة ممتدة من الفاعلين، وعلى عمليات غير معلنة، وعلى إدارة دقيقة للتصعيد، بما يسمح لها بتحقيق ضغط مستمر دون دفع الصراع إلى نقطة الانفجار.

يكشف هذا التحول عن انتقال واضح من نموذج "المواجهة" إلى نموذج "الإدارة". لم يعد الهدف هو الحسم العسكري بل ضبط التوازن. لم تعد الحرب حدثًا، بل عملية مستمرة تُدار على حافة الاشتباك دون السقوط فيه. وفي هذا السياق تصبح "حرب الظل" ليست توصيفًا إعلاميًا، وإنّما إطار عملي لإدارة الصراع.

يفسر هذا الإطار من خلال مفهوم "المنطقة الرمادية"، حيث تتحرك الدول بين الحرب والسلام، مستخدمة أدوات لا ترقى إلى مستوى المواجهة الشاملة، لكنّها قادرة على إحداث تأثير حقيقي. في هذه المنطقة لا تُلغى الإيديولوجيا، لكنّها تُعاد صياغتها لتتعايش مع البراغماتية. وهنا تحديدًا تكمن قوة النموذج الإيراني: القدرة على الجمع بين خطاب تعبوي مستمر، وسلوك عملي متغير.

يظهر هذا التوازن في كيفية إدارة التصعيد، فلا تسعى إيران إلى تجنب الصراع، لكنّها أيضًا لا تسعى إلى تفجيره، بل تعمل على إبقائه في مستوى يمكن التحكم فيه، عبر عمليات محسوبة، وردود مدروسة، ورسائل متعددة الطبقات. وفي المقابل  تتحرك إسرائيل ضمن المنطق نفسه، وهو ما يخلق حالة من "التوازن غير المستقر"، حيث يستمر الصراع دون أن يتحول إلى حرب شاملة.

حرب بلا إعلان: أدوات إيران في إدارة الصراع دون مواجهة مباشرة

يُكمل تحليل هذا النموذج بتفكيك أدواته الفعلية، حيث لا تعمل "السياسة المزدوجة" كشعار نظري، بل كمنظومة تشغيل دقيقة تُترجم إلى سلوك يومي في إدارة الصراع. تبدأ هذه المنظومة من مبدأ بسيط: تحقيق تأثير حقيقي دون تحمل المسؤولية المباشرة. في هذا الإطار لا تُنفذ العمليات لتُعلن، بل لتُفهم، ولا تُصاغ الرسائل لتُقال، بل لتُقرأ. وهنا تحديدًا تتحول السرّية من غطاء إلى أداة.

يتجلى هذا المبدأ في (3) مسارات متداخلة؛ يعمل المسار الأول عبر العمليات غير المعلنة التي تُنفذ بطريقة تجعل نسبتها النهائية محل شك، بما يمنح الفاعل مساحة إنكار كافية لتجنب التصعيد. ويتحرك المسار الثاني عبر شبكات إقليمية حليفة، تسمح بتوسيع نطاق التأثير وتوزيع المخاطر، دون استدعاء مواجهة مباشرة. أمّا المسار الثالث، فيُدار عبر التحكم في إيقاع التصعيد، بحيث تُستخدم كل عملية كرسالة، وكل رد كإشارة، ضمن حساب دقيق للحدود.

يُنتج تداخل هذه المسارات نمطًا من الصراع لا يُقاس بالحسم، بل بالاستمرارية. فلا يسعى أيّ طرف إلى إنهاء المواجهة، بل إلى إدارتها. ولا تُستخدم القوة لتحقيق انتصار نهائي، بل لضبط ميزان متحرك. وفي هذا السياق تصبح كل ضربة محدودة جزءًا من معادلة أكبر، هدفها إعادة التموضع لا الحسم.

يفرض هذا الواقع حدودًا دقيقة على كلٍّ من إيران وإسرائيل، فكلتاهما تسعى إلى الضغط دون الانفجار، وإلى التقدم دون الانزلاق. غير أنّ هذا التوازن، رغم استمراره، يظل هشًا بطبيعته، إذ يكفي خطأ في التقدير، أو سوء في قراءة إشارة، لتحويل عملية محدودة إلى مسار تصعيد يصعب احتواؤه.

التوازن الهش: لماذا تستمر الحرب دون أن تتحول إلى حرب شاملة

يكشف هذا التعقيد عن مفارقة أساسية: كلما زادت قدرة الأطراف على إدارة الصراع، زادت أيضًا احتمالات فقدان السيطرة عليه. فالنموذج الذي يسمح بالحركة في "المنطقة الرمادية" يمنح مرونة عالية، لكنّه يرفع أيضًا مستوى المخاطر غير المتوقعة، وهنا لا يكون الخطر في القرار، بل في نتائجه غير المحسوبة.

يطرح هذا التحليل (3) سيناريوهات محتملة لمسار الصراع؛ يتمثل الأوّل في استمرار "حرب الظل" بوصفها الإطار الأكثر كفاءة، حيث تبقى العمليات محدودة، والتصعيد مضبوطًا، والتوازن قائمًا. ويتمثل الثاني في تصعيد مُدار ترتفع فيه وتيرة العمليات دون كسر السقف، بما يزيد الضغط دون الوصول إلى مواجهة شاملة. أمّا الثالث، فيكمن في انزلاق غير مقصود، حيث تؤدي حادثة واحدة إلى سلسلة ردود متتابعة تُخرج الصراع من نطاق السيطرة.

يُرجّح الواقع الحالي السيناريو الأوّل، ليس لأنّه الأكثر استقرارًا، بل لأنّه الأقلّ كلفة. فالحرب الشاملة تظل خيارًا مكلفًا لجميع الأطراف، بينما تسمح "المنطقة الرمادية" بتحقيق مكاسب تدريجية دون دفع الثمن الكامل. غير أنّ هذا الترجيح لا يلغي احتمال التحول، بل يؤجله، ويبقيه حاضرًا في الخلفية.

يكشف هذا كله أنّ جوهر السياسة الإيرانية لا يقوم على التناقض، بل على التركيب. فهي لا تختار بين الإيديولوجيا والبراغماتية، بل تستخدم كلًا منهما في موضعه. الخطاب يحافظ على الهوية، والأداة تحقق الهدف، والقناة تربط بينهما. ومن خلال هذا التركيب يصبح ممكنًا الجمع بين التصعيد والتفاوض، وبين العداء والتفاعل، دون أن يبدو ذلك تناقضًا من داخل المنظومة نفسها.

يُعيد هذا الفهم قراءة فضيحة "إيران-جيت"، ليس كفضيحة فقط بل كمرآة، مرآة تكشف كيف تعمل السياسة حين تبتعد عن الشعارات، وكيف تُدار الصراعات حين تحكمها المصالح. ومن خلال هذه المرآة يمكن فهم لماذا لا تتحول كل مواجهة إلى حرب، ولماذا يستمر الصراع دون حسم، ولماذا تبقى القنوات الخفية أكثر تأثيرًا من الخطابات العلنية؟

في النهاية لا تُفهم إيران من خلال ما تقول فقط، بل من خلال كيف تتحرك. ولا يُفهم الصراع مع إسرائيل من خلال ما يُعلن، بل من خلال ما يُدار في الظل. وبين العلن والسرّ، لا تختفي السياسة، بل تتجلى حقيقتها الأكثر دقة: إدارة مستمرة للمصالح تحت سقف المخاطر.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية