فرحة العيد في غزة تتحدى الدمار: كعك وأضحيات بالتقسيط.. وأمل

فرحة العيد في غزة تتحدى الدمار: كعك وأضحيات بالتقسيط.. وأمل

مشاهدة

22/07/2021

في شارع عمر المختار المشهور، وسط مدينة غزة، يتجوّل المواطن خليل أبو استيتة (45 عاماً)، من حي الشجاعية شرق غزة، برفقة أربعة من أطفاله بين المحال التجارية، لشراء ملابس جديدة لهم، وإحضار أنواع مختلفة من الحلوى، التي تتزين بها موائد الغزيين لاستقبال المهنئين بالعيد، بعد أن حرموا فرحة استقبال عيد الفطر، بفعل الحرب الدامية التي شنّتها إسرائيل على القطاع المحاصر، في أيار (مايو) الماضي.

ويضيف أبو استيتة، لـ "حفريات"؛ أنّ "العيد هذا العام له طابع مختلف عن الأعياد والمناسبات الدينية السابقة؛ فلم يبقِ الاحتلال في نفوس الغزيين أيّ مكان للفرح، ليأتي هذا العيد حاملاً بين ثناياه ذكريات مؤلمة للعائلات التي فقدت أطفالها وأبناءها وذويها، والتي لا تعلم كيف تستقبل العيد هذا العام، وكأنّه يوم عادي يمرّ عليهم كبقية أيام العام، بعد القتل والدمار والخراب الذي تعرّضت له منازل المدنيين الآمنين، التي باتت لا تفارق محياهم على مدار 10 أيام متواصلة".

على الرغم من الظروف الصعبة التي يعيشها الماطن الغزيّ خليل أبو استيتة، إلا أنّه حرص على إدخال الفرح والسرور على عائلته بعد نجاتهم جميعاً من موت محقّق

وعلى الرغم من الظروف الاقتصادية والاجتماعية والنفسية الصعبة التي يعيشها أبو استيتة، إلا أنّه حرص على إدخال الفرح والسرور على عائلته والعيش معهم فرحة العيد، بعد نجاتهم جميعاً من موت محقّق، بعد قصف طائرات الاحتلال إحدى البنايات القريبة، وتعرّض منزله لأضرار بليغة، الأمر الذي اضطره للهروب إلى مدارس وكالة الغوث للجوء إليها والاحتماء بداخلها"، مبيناً "كنت وعائلتي ننتظر الموت في كلّ لحظة من هول الضربات والقصف العنيف، إلا أننا شعب يأبى الاستسلام، ويسعى لرسم البسمة والفرح رغم تعاظم المحن والبلاء".

بالكاد يستطيعون شراء ملابس جديدة لأطفالهم

ووفق إحصائية صادرة عن مركز الإعلام الحكومي بغزة؛ فقد بلغ عدد الوحدات السكنية المتضررة 16800 وحدة سكنية، كما بلغ عدد الوحدات السكنية التي تعرّضت للهدم الكلي والأضرار، وأصبحت غير صالحة للسكن 1800 وحدة سكنية، منها 1000 وحدة بشكل كامل، فيما تعرضت 5 أبراج سكنية تتوسط مدينة غزة للهدم الكلي.

اقرأ أيضاً: فلسطينيون من غزة لـ "حفريات": الآن بدأت معاناتنا الحقيقية

وبدأت الحرب الإسرائيلية على القطاع، في 10 أيار(مايو) الماضي، بعد اقتحام أفراد الشرطة المسجد الأقصى، واعتدائهم على الصحفيين والمسعفين، ما أدّى إلى إصابة أكثر من 300 فلسطيني، وبعد ظهر اليوم نفسه نشرت "كتائب القسام"، الجناح العسكري لحركة حماس، بياناً أمهل إسرائيل حتى السادسة مساء لسحب جنودها من الأقصى وإطلاق سراح المعتقلين، وبعد أن تجاهلت القيادة الإسرائيلية هذا الإنذار، أطلقت أول رشقات صاروخية من غزة باتجاه إسرائيل.

وذكرت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة أنّ الحرب الإسرائيلية على غزة أسفرت عن استشهاد 248 فلسطينياً، بينهم 66 طفلاً، و39 سيدة، و17 مسناً، إضافة إلى إصابة 1948 شخص بجروح مختلفة.

أزمة مالية خانقة

أما المواطن يوسف السويركي فيقول لـ "حفريات": "منذ أكثر من 15 عاماً وأنا أواظب على شراء الأضحية، كسنة نبوية، إضافة إلى كونها تدخل السعادة على نفوس أطفالي، والذين يجتمعون صباحاً لرؤية الأضحية أثناء ذبحها، إلا أنّ هذا العام جاء مغايراً ومختلفاً عن الأعوام الماضية، وعزفت عن أداء أحد طقوس العيد الجميلة".

التاجر سالم بدران لـ "حفريات": العديد من المواطنين الراغبين في شراء الأضحية يلجأون إلى مزارع تربية العجول، لشرائها بنظام التقسيط المالي على عدة أشهر

وعزا السويركي (53 عاماً) من مدينة غزة السبب وراء ذلك للظروف الاقتصادية الصعبة التي يعانيها، مثل بقية سكان القطاع، خاصة بعد الخروج من حرب دامية، فقد خلالها كثيرون مصادر رزقهم، لتعرض العديد من المصانع والمحال التجارية للقصف المباشر وغير المباشر، إضافة إلى تقليص نسب رواتب موظفي السلطة للنصف، وهي أمور تزيد من كاهل المواطن في غزة، وترهقه نفسياً واجتماعياً واقتصادياً".

وأكّد السويركي أنّه "بالكاد استطاع شراء ملابس جديدة لأطفاله، ليدخل الفرح والسرور عليهم، بعد ما أصابهم من صدمات نفسية سيئة خلال الحرب الأخيرة، ليتمكنوا من عيش فرحة العيد كغيرهم من الأطفال".

لا عيد من دون الأضحية

"لا معنى للعيد بدون شعيرة الأضحية"، بهذه العبارة بدأ المواطن مصطفى أبو سمعان، من حي النصر بغزة، حديثه ويقول لـ "حفريات" إنّه "يحرص منذ أعوام طويلة على شراء الأضحية، كونها سنّة نبوية لا يستطيع الامتناع عن أدائها مهما تأثرت أوضاعه الاقتصادية والمالية".

يشترك 6 إلى 7 أشخاص بالأضحية الواحدة

ويضيف أبو سمعان (46 عاماً)، وهو موظف حكومي يعيل أسرته المكوّنة من 6 أفراد؛ "رؤية الفرحة في وجوه أطفالي عند شراء الأضحية تعنى لي الكثير، الذين يقومون بالسهر بجوارها حتى صباح يوم العيد، وهي عادة ما تزال أحرص عليها منذ ما يزيد عن 12 عاماً".

واتفق أبو سمعان وستة من أصدقائه على الاشتراك في شراء عجل، نتيجة لعدم استقرار أحواله المالية خلال هذا العام، حيث كان يفضل سابقاً شراء رأس من الخراف أو الأغنام كأضحية، إلا أنّ الأزمة المالية التي يعانيها كغيره من شرائح المجتمع، حالت دون ذلك خلال هذه العام".

إعداد حلوى العيد

وقبل قدوم عيد الأضحى بـ 10 أيام تستعد المسنّة خديجة أبو عرب (61 عاماً) بالتحضير لاستقبال العيد من خلال إعداد حلوى الكعك والمعمول، وذلك من أبرز طقوس عيد الأضحى الجميلة، لإضفاء أجواء من السعادة والسرور على أسرتها وأحفادها".

اقرأ أيضاً: الخلافات السياسية الفلسطينية تؤخر عملية إعادة إعمار غزة؟

وترى أبو عرب، في حديثها لـ "حفريات"؛ أنّها "تريد العودة إلى حياتها الطبيعية وممارسة عاداتها وطقوسها المحببة لها ولعائلتها"، مبينة أنّ "العيد هذا العام عيدان؛ العيد المعروف لدى الجميع بشعائره الدينية، والآخر هو عيد خروجي وعائلتي سالمين من الحرب الإسرائيلية الأخيرة، والتي لم نتوقع النجاة منها والبقاء على قيد الحياة".

ورغم انتشار المحال التجارية التي تبيع هذه الحلوى جاهزة، إلا أنّ المسنّة أبو عرب تحرص على إعدادها داخل منزلها، للنكهة الخاصة والمميزة التي تضفيها صناعتها بالبيت، وللأجواء المميزة التي ترافق تحضيرها، كونها تحتاج إلى مجهود وتعاون جماعي.

حلاقة فوق الدمار

وعلى أنقاض صالونه المدمّر، الذي أصبح أثراً بعد عين، بعد تدميره من قبل طائرات الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب الأخيرة على غزة، يواصل الشاب هاشم الجاروشة (33عاماً)، ممارسة مهنة الحلاقة، ويقول لـ "حفريات": "وضعت عدداً من المقاعد البلاستيكية، ومرآة طويلة، لاستقبال زبائني"، مشيراً إلى أنّ "إقبال الشباب والرجال في هذه الأيام يتزايد، ويستمر العمل في مثل هذه الأوقات على مدار 24 ساعة متواصلة".

هاشم الجاروشة

ويتعالى الجاروشة، الذي يعيل أسرته المكونة من أربعة أفراد، على معاناته بفقدان مصدر رزقه الوحيد، لمواصلة عمله فوق ركام صالونه، لتحصيل قوت يومه".

وما يزال العديد من زبائن الجاروشة يقصدونه لحلاقة شعرهم، رغم الدمار الذي حلّ بصالونه، حيث بات يستقبلهم فوق ركامه بأعداد محدودة، كون المكان غير مؤهل لاستقبال الأعداد الكبيرة من الزبائن".

أضحية بالتقسيط

ويشكو التاجر سالم بدران (56 عاماً)، صاحب مزرعة لتربية الخراف، من إحجام المواطنين بغزة على شراء الأضاحي، خشية ازدياد الأوضاع الاقتصادية سوءاً، بفعل تقليص رواتب الموظفين، وعدم الالتزام بدفع مستحقات الأسر الفقيرة ومحدودي الدخل بغزة، في ظلّ انعدام الأفق للأوضاع الحالية التي تشهدها غزة".

اقرأ أيضاً: هل تصادق الحكومة الإسرائيلية على شنّ عدوان آخر على غزة؟

ولفت بدران، في حديثه لـ "حفريات"، إلى "لجوء العديد من المواطنين الراغبين في شراء الأضحية إلى مزارع تربية العجول، لشرائها بنظام التقسيط المالي على عدة أشهر، حيث يشترك 6 إلى 7 أشخاص بالأضحية الواحدة، وهو ما يحقق نسبة كبيرة من المبيعات لأصحاب تلك المزارع، ويقلّص الأعباء المالية على كاهل الزبائن، في ظلّ عدم توافر السيولة الكاملة لديهم لشراء الأضاحي".

ولا يتناسب نظام البيع بالتقسيط مع بدران، خشية فقدانه القدرة على الإيفاء بالتزاماته المالية، وعجزه عن تسديد المستحقات المالية المتراكمة عليه منذ سنوات؛ من إيجار مزرعته، ومستحقات متعددة متراكمة لتجار الأعلاف، إضافة إلى المصاريف التشغيلية الكثيرة الأخرى".

الصفحة الرئيسية