فتوى الشيخ العديني تكشف مساعي حزب الإصلاح لأخونة المشهد السياسي في اليمن

فتوى الشيخ العديني تكشف مساعي حزب الإصلاح لأخونة المشهد السياسي في اليمن

فتوى الشيخ العديني تكشف مساعي حزب الإصلاح لأخونة المشهد السياسي في اليمن


11/12/2025

شهدت الساحة اليمنية خلال الأيام الماضية موجة واسعة من الجدل بعد نشر الشيخ عبد الله أحمد العديني، القيادي البارز في حزب الإصلاح وعضو مجلس النواب، بياناً دينياً اعتبر فيه أنّ الوحدة اليمنية ليست مجرد خيار سياسي أو توافق وطني، بل فريضة شرعية لا يجوز نقضها أو مخالفتها. 

ورغم أنّ الرجل سبق أن أصدر آراء مثيرة للنقاش، فإنّ التصريح الجديد جاء في ظرف سياسي معقد، وهو ما جعله يثير ردود فعل واسعة داخل اليمن وخارجه، وخاصة في المحافظات الجنوبية التي تخوض منذ سنوات نقاشات مفتوحة حول مستقبل العلاقة مع الشمال.

ونشر العديني فتواه عبر صفحته على مواقع التواصل، مقدّماً الوحدة اليمنية بوصفها التزاماً دينياً يستند بحسب تعبيره إلى مقاصد الشريعة. هذا الموقف اعتبره العديد من الناشطين محاولة لتوظيف الدين في جدل سياسي مستمر منذ ثلاثة عقود، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة الاتهامات الموجهة لحزب الإصلاح باللجوء إلى الخطاب الديني لتبرير مواقفه السياسية، خاصة في القضايا الخلافية.

المعترضون على الفتوى ربطوها بتجربة أطول من استخدام الأدبيات الدينية داخل الحزب لتثبيت رؤى سياسية أو مواجهة خصومه. وقد قارب البعض هذه التصريحات باعتبارها امتداداً لخطاب قديم لحركة الإخوان المسلمين في اليمن، التي عادة ما تضع إطاراً دينياً للقضايا الوطنية الكبرى، بما في ذلك قضايا السلطة أو شكل الدولة.

خلفية سياسية مضطربة

الفتوى صدرت في وقت تتصاعد فيه المطالب الجنوبية بإعادة النظر في صيغة الوحدة التي أُقرّت عام 1990. ومع استمرار حالة الانقسام في بنية الدولة وضعف المؤسسات المركزية، يرى كثيرون أنّ أيّ موقف ديني حاد تجاه قضية سياسية قد يغذّي الانقسام بدل أن يُسهم في معالجته.

في الأوساط الجنوبية قوبلت الفتوى بانتقادات حادة، وتم تداولها على نطاق واسع مقرونة بتعليقات ساخرة أو غاضبة. الكثير من النشطاء اعتبروا أنّ العديني يضع نفسه في موقع المشرّع الديني في قضية خلافية لا يمكن حسمها عبر خطاب ديني، بل تتطلب مسارات سياسية وتوافقات وطنية. آخرون ذهبوا أبعد من ذلك، لافتين إلى أنّ إصدار مثل هذه الفتاوى قد يُقرأ كتمهيد لخطوات سياسية أو عسكرية، خصوصاً أنّ تصريحات مشابهة صدرت عن قيادات إصلاحية في مراحل سابقة سبق أن ترافقت مع تصعيد ميداني.

تاريخ قيادي مثير للجدل

يُعتبر عبد الله أحمد العديني أحد أبرز الوجوه الدينية داخل حزب الإصلاح، ويُشار إليه بوصفه من الشخصيات التي كان لها دور في تثبيت حضور التيار الإخواني داخل المشهد اليمني منذ بداية التسعينيات. ويُعرف الرجل بخطابه الحاد في مواجهة خصوم الحزب، وكذلك بفتاواه التي أثارت في مرات عديدة نقاشاً واسعاً، سواء داخل الوسط السياسي أو في المجال العام.

وبحسب مراقبين للشأن اليمني، فإنّ العديني يعكس توجهاً داخل الحزب يقوم على استخدام المرجعية الدينية في التعاطي مع القضايا الوطنية، وهي مقاربة استُخدمت خلال عقود في معارك سياسية متعددة. غير أنّ السياق الحالي، الذي يشهد تحولات عميقة وصراع نفوذ بين القوى المحلية والإقليمية، جعل أيّ خطاب ديني من هذا النوع يُقرأ على نحو مختلف.

ردود الفعل على الفتوى لم تقتصر على النقد السياسي، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى موجة من السخرية. فقد انتشرت تعليقات تستنكر تحويل الوحدة اليمنية إلى فرض ديني، وذهب بعض المغردين إلى التساؤل عمّا إذا كان الشيخ العديني قد اكتشف ركناً جديداً من أركان الإسلام. واستعاد آخرون تاريخ فتاوى مشابهة أصدرها رجالُ دين مقرّبون من حزب الإصلاح خلال حرب 1994 ضد الجنوب، والتي اعتُبرت في حينه غطاءً دينياً لعمل عسكري.

بالمقابل، حاول بعض مناصري العديني التقليل من تأثير الضجة، معتبرين أنّ حديثه يأتي في سياق الحفاظ على السلم الأهلي، وأنّه يهدف إلى منع الانقسام بين أبناء البلد. غير أنّ هذا التبرير لم يجد صدى واسعاً، خاصة في الجنوب حيث يُنظر إلى حزب الإصلاح باعتباره طرفاً سياسياً بارزاً في الصراع، ولا يمكن أن يقدّم خطاباً دينياً محايداً حول قضية على هذا القدر من الحساسية.

ويرى محللون يمنيون أنّ خروج العديني بهذا الخطاب في توقيت حساس لا يمكن فصله عن التحولات السياسية في اليمن. فمع تراجع حضور حزب الإصلاح في بعض المناطق، ومحاولات أطراف سياسية إعادة ترتيب مواقعها، قد يسعى الحزب إلى تقوية خطابه الإيديولوجي التقليدي أو تذكير جمهوره بدوره في حماية المشروع الوطني، وهو ما قد يفسّر استدعاء مفردات دينية لصياغة موقف سياسي.

ويشير خبراء في الحركات الإسلامية إلى أنّ جماعة الإخوان في اليمن وغيرها غالباً ما تلجأ إلى هذا النوع من الخطاب عندما تواجه تراجعاً في النفوذ أو حاجة لإعادة تعبئة جمهورها. ففي الحالات التي يكون فيها الواقع السياسي مضطرباً، يكون استخدام الخطاب الديني وسيلة لتثبيت موقف الحزب وإضفاء طابع أخلاقي أو ديني عليه، حتى إذا كان الموضوع في الأصل قضية سياسية خالصة.

علاقة الفتوى بملف الجنوب

على الرغم من أنّ العديني لم يذكر الجنوب صراحة في فتواه الأخيرة، إلا أنّ توقيتها دفع كثيرين إلى الربط بينها وبين النقاش الدائر حول مستقبل الجنوب. فالخطاب الذي يحوّل الوحدة إلى فريضة يضع أيّ موقف جنوبي مخالف في خانة المخالفة الدينية، وهو ما يُمكن أن يؤدي، كما يرى بعض المحللين، إلى زيادة التوتر بدلاً من تهدئته.

ويستعيد مراقبون في الجنوب فتاوى سابقة اعتبروها تكفيرية، كانت قد استُخدمت في سياق الحرب ضد الجنوب عام 1994، حين وُظّف خطاب ديني لإضفاء شرعية على العمليات العسكرية آنذاك. هذا التاريخ يجعل أيّ خطاب ديني صادر عن قيادات إصلاحية في الوقت الحالي محط ريبة، ويزيد من القلق بشأن إمكانية استخدامه لتبرير مواقف مستقبلية.

تاريخياً، لعب الدين دوراً محورياً في الخطاب السياسي لعدد من القوى اليمنية، لكنّ حزب الإصلاح بصفته الذراع السياسية لجماعة الإخوان كان الأكثر حضوراً في هذا المجال. وقد استخدم الحزب في مراحل مختلفة المرجعية الدينية لتعزيز مواقفه أو مواجهة خصومه، سواء في قضايا الحكم أو خلال الحروب الداخلية أو في سياق علاقاته مع دول الجوار.

ومع أنّ الحزب يؤكد في بياناته الرسمية أنّه يؤمن بالدولة المدنية، وأنّ الشريعة منظومة قيمية، إلا أنّ ممارساته وخطاب كوادره الميدانية على مدى سنوات جعلت هذا التعهد محلّ شكّ في نظر خصومه. خطاب العديني الأخير أعاد هذا الجدل القديم، وأبرز وجود تباين بين ما يعلنه الحزب رسميّاً وما يمارسه بعض قادته على أرض الواقع.

إنّ تجربة حزب الإصلاح، منذ تأسيسه في 1990، قامت على الجمع بين العمل الدعوي والمشاركة السياسية. هذا التداخل جعل بعض قياداته، ومنهم العديني، يستخدمون الأدوات الخطابية نفسها في المجالين. ورغم أنّ الحزب حاول في بعض المراحل تحديث خطابه وإظهاره كحزب سياسي تقليدي، إلا أنّ حضور المرجعية الدينية ظلّ قوياً داخل خطابه الداخلي.

وفي ظل غياب أيّ توضيح رسمي من الحزب، فإنّ الفتوى تبقى دليلاً على أنّ التيار الديني داخل حزب الإصلاح ما يزال مؤثراً، وأنّ خطابه قادر على إثارة جدل واسع في أيّ وقت، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات مصيرية كالهوية الوطنية ومستقبل الدولة.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية