غزيون في الضفة... فرّقتهم الحرب عن عائلاتهم

غزيون في الضفة... فرّقتهم الحرب عن عائلاتهم

غزيون في الضفة... فرّقتهم الحرب عن عائلاتهم


19/10/2025

 

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة يعيش الآلاف من أهل غزة الذين علقوا في مدن الضفة الغربية على أمل أن يسمعوا صوت أحبّتهم مجددًا، أو أن تصلهم رسالة تخبرهم بأنّ منازلهم ما زالت قائمة، وأنّ عائلاتهم نجت من القصف.

 هؤلاء وجدوا أنفسهم فجأة في عزلة مؤلمة، تفصلهم عن أمهاتهم وأطفالهم مئات الكيلومترات وجدار وحصار وحرب لا ترحم.

وبحسب مصادر فلسطينية، فمنذ اندلاع الحرب في غزة يعيش نحو 2500 من أهل غزة في الضفة الغربية المحتلة، منهم 120 في رام الله ونحو 800 في أريحا، ولم يتمكنوا من العودة إلى ديارهم مع استمرار الحرب، وسط قلق على مصير أهاليهم بالقطاع، وبعض هؤلاء جاؤوا إلى الضفة لأسباب طبية، وآخرون كانوا يعملون في إسرائيل وتم إبعادهم إلى الضفة الغربية.

وقد شنت إسرائيل في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 حربًا شرسة على قطاع غزة، أسفرت عن مقتل أكثر 67983 فلسطينيًا، وإصابة أكثر من 170169 بجروح مختلفة وفق إحصائية صادرة عن وزارة الصحة بغزة.

أفتقد صوت أطفالي كل يوم 

في شقة صغيرة بمدينة رام الله تجلس الفلسطينية نهى عواد، وهي أمّ لخمسة أطفال، تنظر إلى هاتفها المحمول بقلق كل صباح، وتقول: "كنت أتابع علاجي في رام الله قبل اندلاع الحرب بثلاثة أسابيع، ولم أتمكن من العودة إلى غزة، ومنذ ذلك اليوم وأنا أعيش بين نشرات الأخبار والاتصالات المقطوعة، حيث دمر بيتي في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، وزوجي وأولادي نزحوا من مكان إلى آخر، ولا أعرف أحيانًا إن كانوا ما زالوا على قيد الحياة."    

وتضيف عواد (38 عامًا): "آخر مكالمة كانت مع زوجي وأطفالي قبل أسبوعين، ومنذ ذلك اليوم لم أسمع صوتهم إلا عبر رسائل قصيرة أحيانًا، فكل إشعار جديد على هاتفي يجعل قلبي يقف، أعيش في خوف مستمر من أن يكون خبرًا سيئًا".

وتوضح: "أتابع كل صغيرة وكبيرة على وسائل التواصل، وكلما رأيت صور الدمار في جباليا، أشعر أنني هناك بين الركام، قلبي هناك، وأنا هنا غريبة لا أستطيع حتى أن أبكي بحرية. أشعر أنني أعيش في منفى مؤقت، وأعيش يوميًا قلق الفقد على عائلتي في غزة، وأنا أبكي داخليًا خوفًا من مكالمة تفيد بأنّ شيئًا أصابهم، وأنا لا أعرف إن كنت سأرى عائلتي مجددًا أم لا، فالحرب جعلتني كالأيتام." 

وتؤكد عواد: "أحلم فقط أن أعود إلى غزة، حتى لو لم يبقَ فيها بيت، أريد فقط أن أحتضن أولادي، وأن أرى وجوههم، فأنا أقضي معظم الليل في متابعة الأخبار، حتى بات الليل أطول من أيّ وقت مضى، وأحيانًا أجد نفسي أكرر أسماء أطفالي بصوت عالٍ لأتأكد أنّهم في قلبي." 

الخوف والانتظار

أمّا الشاب أحمد الكحلوت (29 عامًا)، وهو أب لأربعة أطفال، فقد جاء إلى نابلس في أيلول (سبتمبر) 2023، وبقي عالقًا حتى اليوم بعد اندلاع الحرب على قطاع غزة، ويقول بنبرة حزينة: "أعدّ الأيام منذ أن افترقت عن عائلتي، ويوميًا أتصفح صورهم على هاتفي، فأطفالي يبكون على الهاتف لأنني بعيد، وأنا أشعر بالعجز التام." 

ويضيف الكحلوت الذي يسكن في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، وهو يحاول إخفاء ارتجاف صوته: "آخر مكالمة كانت مع عائلتي قبل عشرة أيام، وكنت أسمع صوت الانفجارات في الخلفية، ثم انقطع الخط، فحاولت الاتصال مئات المرات دون فائدة، فلا أعرف إن كانت العائلة ما زالت بخير أم لا." 

ويوضح: "لا أستطيع التركيز في عملي منذ ذلك اليوم، فكل إشعار جديد على الهاتف يجعل قلبي يتوقف، حتى لو كان خبرًا بسيطًا من غزة، أشعر أنّه نافذة أمل صغيرة." 

ويتابع الكحلوت: "نحن أهل غزة في الضفة لاجئون داخل وطننا، نحمل بطاقة فلسطينية لكننا لا نملك حرية الحركة، فنحن غرباء مرتين، غرباء عن المكان الذي نشأنا وترعرعنا بداخله، وغرباء عن عائلاتنا." 

ويتابع: "كل صباح أستيقظ على رسالة لم تصل، وعلى خبر من غزة يحمل وجعًا جديدًا، وأكثر ما يؤلمني هو أنّ أبنائي يكبرون بعيدًا عني، وأنا لا أستطيع حتى أن أسمع صوتهم." 

ويصف الكحلوت ليل نابلس الطويل بأنّه ليل بلا نوم، فكل دقيقة تمرّ عليه ينتابه الخوف الشديد من أن يرد اسم أحد أفراد أسرته في قوائم الضحايا.

فراق مفتوح

عبد الفتاح حميد (46 عامًا) فلسطيني كان يعيش في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، وصل إلى رام الله قبل أسبوع من الحرب لتلقي العلاج، ومنذ ذلك اليوم انقلبت حياته رأسًا على عقب، ولم يكن يدري أنّ رحلته القصيرة ستتحول إلى فراق مفتوح.

ويضيف حميد: "في اليوم الأول للقصف حاولت الاتصال بزوجتي، فردّت وهي تبكي وتقول إنّ الأطفال يختبئون تحت سُلّم البيت من ضراوة القصف، وبعدها بساعات انقطع الاتصال تمامًا لعدة أسابيع، حتى عاد الاتصال معهم، ولكن بصعوبة بالغة." 

ويتابع: "تركت عائلتي على أمل العودة بعد أسبوع، اليوم مرّ عام تقريبًا ولم أستطع رؤيتهم سوى مرات قليلة عبر مكالمات الفيديو". أصبحت أخاف من الصور أكثر من الأخبار، لأنّ كل صورة من غزة تحمل وجوهًا بين الغبار والركام، وأخشى أن يكون بينهم أحد أبنائي." 

ويعيش حميد اليوم في سكن مؤقت توفره مؤسسة حقوقية، لكنّه يصف حياته بأنّها "انتظار طويل لا نهاية له، ويوضح: "أنا لست لاجئًا رسميًا، لكنني في الواقع بلا بيت، بلا عائلة، بلا أفق." 

ويقول حميد ببطء، كأنّ كل كلمة تستنزف منه طاقة: "أصبحت أستيقظ كل صباح على خبر قصف جديد، وأحيانًا أرى اسم الحي في الأخبار، فأرتجف خوفًا على عائلتي، ولا أريد أن أصدّق أنّ بيتي قد يكون من بين تلك الأنقاض التي أراها في الصور." 

ويؤكد حميد: "أن تكون بعيدًا عن أهلك ليس مجرد مسافة، بل هو ألم يومي لا ينتهي، هنا لا بيت، وأعيش بلا أمل، وكأنّي غريب في وطني، فغزة تسكنني حتى وأنا بعيد عنها." 

مأساة إنسانية مُركّبة

تقول أستاذة علم الاجتماع بجامعة فلسطين الدكتورة نسرين الشافعي: إنّ "ما يعيشه أهل غزة الذين علقوا في الضفة الغربية يُشكّل مأساة إنسانية مُركّبة، فإلى جانب الفقد والخوف، يعانون من انعدام الاستقرار القانوني والمعيشي، فهم غير قادرين على العودة، ولا يمكنهم البدء من جديد هنا." 

وتضيف الشافعي: "هؤلاء يعيشون حالة من الانفصال القسري عن عائلاتهم، يعانون من فقدان التواصل، والشعور بالعجز، وحتى من تدهور نفسي واضح، وبعضهم يعاني من اكتئاب وأرق مزمن بسبب الخوف المستمر على ذويهم." 

وتوضح: "الدعم النفسي لهؤلاء يجب أن يكون أولوية، لأنّ الآثار النفسية للحرب لا تتوقف عند حدود غزة، فالقضية ليست فقط في الانفصال الجغرافي، بل في الانفصال الإنساني. الكثيرون منهم يشعرون بالذنب لأنّهم نجوا بينما أسرهم في خطر، فهم يعيشون حربًا من نوع آخر، حرب الغياب والانتظار، وهذا يفاقم الأثر النفسي والاجتماعي عليهم." 

آثار نفسية بالغة

ترى إخصائية الطب النفسي ومعالجة الصدمات الدكتورة حنان الحناوي "أنّ الانفصال القسري يترك آثارًا نفسيةً بالغةً على الأطفال والأزواج والأهل، ويولد شعورًا بالعجز وفقدان الانتماء، ويزيد من القلق المزمن، وبالنسبة إلى النساء، قد يظهر هذا في شكل اكتئاب أو شعور بالذنب، أمّا بالنسبة إلى الرجال، فقد يتحول إلى شعور بالغضب أو الإحباط لعدم قدرتهم على حماية أسرهم." 

وتضيف الحناوي: "يترك الانفصال القسري لأحد الوالدين آثارًا واضحةً على الأطفال، ويجعلهم يعانون من قلق شديد، وربما مشاكل سلوكية مثل العصبية أو الانطواء، ويمنعهم من الشعور بالأمان." 

وتتابع: "هناك علامات واضحة تظهر على من يعيشون هذه التجربة، كصعوبة في التركيز، وفقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية، وظهور نوبات بكاء مفاجئة، وحتى أعراض جسدية مثل الصداع المستمر أو اضطرابات المعدة، وكلّ هذه العلامات تشير إلى توتر نفسي شديد يحتاج إلى تدخل".

وتوضح: "للتخفيف من شعور الاغتراب والحنين يحاول العالقون الانشغال بالعمل أو الدراسة، والبعض الآخر يستخدم الكتابة أو تسجيل يومياته، وهذه الطرق مفيدة جزئيًا لكنّها لا تعوّض الدعم الأسري المباشر." 

وتؤكّد الحناوي: "إذا استمر الانفصال لفترات طويلة دون دعم نفسي، قد يعاني الأطفال من مشاكل في الثقة والعلاقات الاجتماعية مستقبلًا، ويمكن أن تتأثر العلاقة بين الأبناء والوالدين بعد العودة. لا بدّ من مساعدة الأطفال والأزواج بتقديم استشارات نفسية فردية، وجلسات جماعية، وبرامج لمساعدتهم بالتعبير عن مشاعرهم، وأيضًا أنشطة اجتماعية لتعزيز الإحساس بالأمان والانتماء."




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية