عنصرية جديدة في ذكرى لوثر كينج

860
عدد القراءات

2018-06-06

وحيد عبد المجيد

الشيء بالشيء، وبالإنسان أيضاً، يُذكر. وما إن تُذكر التفرقة العنصرية حتى تبرز أسماء رجال لعبوا أدواراً كبرى في مواجهتها، وفي مقدمتهم مارتن لوثر كينج ونيلسون مانديلا. أصبح ارتباط هذين الاسمين بمكافحة التمييز العنصري عالمياً، رغم أن نضال كل منهما في سبيل المساواة بين الأعراق لم يتجاوز حدود بلده.

كان حلم لوثر كينج، الذي ورد في خطابه المشهور في أغسطس 1963، أميركياً تماماً: «لدي حلم بأن يأتي يوم يعيش فيه أطفالي الأربعة في مجتمع لا يحكم على الناس بألوان جلودهم، بل بأفعالهم». ورغم ذلك، صار رمزاً عالمياً أعلنت هيئات ومؤسسات في أكثر من 20 دولة، حتى الآن، إحياء الذكرى الخمسين لرحيله.

تحقق كثير جداً مما حلم به. دخل البيت الأبيض رئيس أسود. وأصبح وجود رجال ونساء من أصول أفريقية معتاداً في أعلى المناصب بالولايات المتحدة. غير أن الذكرى الخمسين لرحيله تحل في أجواء يُخيم عليها قلق من ظهور إرهاصات عنصرية جديدة في الولايات المتحدة تجاه الأعراق غير البيضاء، وليس السود فقط. يلاحظ القلقون من هذه العنصرية تعصب قطاعات متزايدة من البيض الأنجلوساكسون ضد غيرهم، وميل الإدارة الراهنة إلى استبعاد الأعراق الأخرى من المناصب المهمة بمعدلات غير مسبوقة.
استخدم الكاتب الأميركي حائز جائزة بوليتزر هوليبرت كينج عبارة دالة على هذا المعنى، في مقالته المنشورة في «وجهات نظر» في 11 أبريل الماضي، وهي أن «البيت الأبيض حالياً يُعد الأكثر بياضاً منذ رئاسة هربرت هوفر»، أي منذ أكثر من ثمانية عقود. وربما نقترب من الدقة أكثر حين نقول إن وجود السود في البيت الأبيض ازداد منذ ما يقرب من ستة عقود، بدءاً بإدارة جون كيندي (يناير 1961 – نوفمبر 1963).

غير أن المفارقة التي يجدر تأملها هنا أن ما يعتبره كثيرون إرهاصات عنصرية جديدة في الولايات المتحدة، بدأ في ظل إدارة أوباما عندما تصاعدت الانتهاكات ضد السود، ربما كرد فعل لدى قطاعات من الأميركيين البيض الذين لم يصدقوا إمكان وصول رجل أسود إلى البيت الأبيض، أو كنوع من التعبير عن استياء من أدائه. وثمة ما يدل أيضاً على أن الآثار المتراكمة للعولمة في المجتمع الأميركي أسهمت في هذا التطور، بعد أن بلغت ذروتها في بداية العقد الجاري. فقد لجأ بعض الأميركيين البيض إلى التعصب مجدداً، وخاصة العمال الماهرين الذين أضرهم نقل عدد متزايد من المصانع إلى الخارج بحثاً عن عمالة رخيصة، فصاروا عاطلين لعدم قدرتهم على التكيف مع هذا الوضع وقبول أعمال أدنى لا تتطلب مهاراتهم الصناعية، بخلاف أمثالهم من أعراق أخرى (سود ولاتينيين وآسيويين وغيرهم).

ويصعب أيضاً استبعاد أثر تراجع النزعة الإنسانية في العالم، خلال العقدين الأخيرين، في فتح الباب مجدداً أمام عنصرية كان قد بدا أنها في طريقها لأن تنتهي. ولأن هذا التراجع في النزعة الإنسانية يُعد ظاهرة عالمية، تبدو إرهاصات العنصرية الجديدة دولية بدورها. وما تصاعد النزعات القومية المتطرفة والشعبوية في أوروبا، بما تتضمنه من عداء شديد للمهاجرين عموماً، والمسلمين منهم خصوصاً، واضطهاد الروهينجا في ميانمار، إلا التجليات الأكثر وضوحاً لهذه العنصرية الجديدة التي لا بد أنها تؤلم روح لوثر كينج في ذكراه الخمسين.

ورغم أن هذه العنصرية الجديدة تبدو عابرة، ومرتبطة بظروف قد لا يطول أمدها، يظل انحسارها أو استمرارها رهناً بالقدرة على مقاومتها في كل مجتمع ظهرت أو تظهر فيه. والمهم أن تقتدي هذه المقاومة بمنهج لوثر كينج الذي قام على ركيزتين، الأولى نبذ العنف، وحث المظلومين على تحاشيه، ودعوتهم إلى النضال السلمي. والثانية العمل من أجل رفع الظلم المترتب على التمييز، مع مقاومة الشعور بكراهية الأميركي الأبيض الذي ينتهك حقوق السود ويضطهدهم.

تأثر لوثر كينج كثيراً بتجربة المهاتما غاندي في الهند. وهي الأكثر إبداعاً في المقاومة السلمية التي اعتبرها البعض سلبية بسبب الامتناع عن الرد المباشر على الاعتداءات والانتهاكات، والتركيز في العمل على تغيير الظروف التي تؤدي إليها. وناشد أنصاره الالتزام بهذه المقاومة، التي أُطلق عليها حركة الحقوق المدنية، معتمداً على القوة الأخلاقية والمعنوية التي يتمتع بها صاحب القضية العادلة دائماً حين يكون مستقيماً ومخلصاً. وهذا ما ينبغي أن يعرفه المدافعون عن قضية إنهاء التمييز العنصري في كل مكان يظهر فيه اليوم.

عن "الاتحاد"

اقرأ المزيد...

الوسوم: