عندما حاربت حماس مسرحية للأطفال

عندما حاربت حماس مسرحية للأطفال

عندما حاربت حماس مسرحية للأطفال


06/09/2026

عامر بدران

قبل عشرين سنة من الآن، انطلقت في الداخل فرقة مسرحية اسمها «فوزي موزي وتوتي»، وذلك على يد شاب اسمه فوزي بالمشاركة مع أخته سماهر. 

حسب المعلومات المتوفرة عن الفرقة فإنها من حيفا وتحديداً من وادي النسناس، وفي هذا المكان تتم كتابة عروضها والتدريب على حفلاتها. لكن المكان لا يهم إلا بما يقدمه من معلومة حول فلسطينية هذه الفرقة، وما يثيره في نفس المستمع من ذاكرة تاريخية وهوية ما زالت تقاوم المحو والتهويد وتصر على عروبتها.

في المقابل، فإن اسم الفرقة لا يشير إلى أي هوية ولا إلى أي انتماء مكاني أو سياسي أو أيديولوجي، كما هو متعارف عليه في أسماء الفرق التي تحمل نفسها، أولاً، على الاسم المستوحى من تفاصيل البلاد الجغرافية أو أحداثها التاريخية. هو اسم طفولي خفيف لا يحمل داخله أي علامة وطنية أو سياسية ولا يبدو أن من أطلقوه فكروا بأن يحملهم وأن يساعدهم على التقبّل داخل المجتمع.

هناك انسجام تام بين الاسم والمحتوى الذي تقدمه الفرقة، بعيداً عن أي ادعاءات وطنية وسياسية، ففرقة تستهدف الأطفال كان من الطبيعي أن تسمي نفسها باسم طفولي، ونقطة. حتى حين تصل عروض هذه الفرقة إلى طفل في السعودية أو الجزائر أو أي بقعة عربية أو عالمية، فلا يوجد في العروض ما يصرّ على أن يقول له، «نحن من فلسطين»، إلا اللهجة التي يتحدث بها أعضاء الفرقة.

هل هذا جيد أم سيئ؟ رغم أن ذلك ليس موضوعنا إلا أن التفكير في فوازير سمير غانم (فطوطة) وفوازير نيللي وشيريهان، وعشرات البرامج المصرية «الخفيفة»، إن جازت التسمية، والتي ساهمت برفعة مصر وتسيّدها ثقافياً وفنيّاً في محيطها العربي، يمكنه أن يساهم في الإجابة عن هذا التساؤل.

ما أريد قوله هو إن الفرقة، وحسب مقابلة مع أحد أعضائها، انتبهت إلى «وجود نقص في المحتوى العربي عالي الجودة الخاص بالأطفال»، فحاولت المساهمة في تعبئته حسب قدراتها. وإذا فكّرنا بما يخص الأطفال فما الذي يمكن أن يكون المحتوى الموجه إليهم سوى الترفيه والتعليم والضحك والفن حسب قدرتهم على استيعابه.

وهذا ما تقوم به الفرقة، وما نجحت به عبر عشرات العروض المسرحية ومئات الحلقات القصيرة على قناتها في يوتيوب، وذلك عبر شخصيات توتي وموزي وبطيخة ومندلينا وتيتا... والكثير من عناصر العالم الملوّن الذي يخص الأطفال، أو الذي يجب أن يكون ملوّناً ومسبباً للسعادة وتحفيز التفكير لديهم.

في نهاية العام 2022، أي قبل عام واحد بالضبط من عملية طوفان الأقصى، قررت الفرقة أن تقدّم عرضاً لأطفال غزة، وللصراحة لا أعرف هل كان ذلك مبادرة منها، أم أن جهة ما أو مؤسسة معينة في غزة هي التي وجهت دعوة إلى هذه الفرقة لتقديم العرض. لكنني أذكر جيداً أن الفرقة قدمت عرضها داخل مستشفى، والكثير من الأطفال حضروا، وتم بث فيديوهات كثيرة من قِبل أهالي الأطفال، وشاهدنا، نحن البعيدين عن غزة وأطفال غزة، السعادة التي غمرت الحضور من كافة الشرائح العمرية.

لكن، في ذلك اليوم، فإن شيوخ غزة، وقادة غزة من الشيوخ، كان لهم رأي آخر تماماً. وهنا لا بد من التأكيد أنه لم يحدث أن بدر من الفرقة أي تصرف أو سلوك ينافي الأعراف والتقاليد في غزة، ولم يقم أي فرد بالتفوّه بأي ألفاظ نابية أو غير مستحبة، ولم يحتوِ العرض على أي مشاهد إباحية لا سمح الله، أو مخالفة للدين، أو توحي من قريب أو بعيد بذلك.

لكن شيوخ غزة قامت قيامتهم ولم تقعد، واستنفروا بشكل جماعي ضد الفرقة وضد عرضها وضد كل من أحضر طفله أو طفلته لمشاهدة ذلك العرض. فمنهم من اتهم أعضاء الفرقة بأنهم نصرانيون يريدون إفساد عقيدة الأمة وثوابتها الدينية، ومنهم من اتهم الفرقة بالانحلال والفسق لأن شعر موزي بان للجمهور خلال العرض، ومنهم من حذّر الأهالي واتهمهم بالمقامرة بمستقبل أطفالهم إن هم واصلوا تعريضهم لتجارب مسرحية كهذه، على اعتبار أن الفن أصلاً محرّم.. وهكذا.

لكن أحد القادة الشيوخ، وبعد أن عدد مخاطر المسرح والفن، وبعد أن استرسل في اتهام الفرقة وأعضائها بكل ما يخطر ولا يخطر على بال من تهم الكفر والعري والفسق، قال بالحرف، «إن غزة في بلاء وضيق وبطالة.. وإن عليها أن تتوب وأن تعود إلى الله» بدل هذا التوجه الدخيل على ثقافة الأمة بالطبع.

يومها لم يفكر هذا القائد الشيخ، أو هو تجاوز عن المعروف بالضرورة استناداً إلى أفكاره السابقة واللاحقة، وهو أن غزة كانت تابت (حسب فكرته) منذ العام 2007، وأنها منذ ذلك التاريخ تعاني من البلاء والضيق والبطالة، وبالتالي فما النسبة التي ستُضاف إلى هذا الضيق إن رأى طفل شعر موزي أو سمع مندلينا وهي تغني عن الكنز المختفي.

وهل يؤدي هذا إلى دفع مليوني شخص إلى البلاء والبطالة والهجرة لمجرد أن طفلاً أحب أن يغني مع فرقة جاءت لإسعاده ولو للحظات؟ هل هذا يُغضب الله؟ وإن كان كذلك، وهو ليس كذلك على كل حال، فهل هذا الغضب سيشمل غزة بأكملها؛ برجالها ونسائها وأطفالها.

هكذا كان يفكر قادة غزة من الشيوخ قبل السابع من أكتوبر بسنة واحدة، وأقول سنة واحدة لأنه بوصولنا إلى هذه السنة بالتحديد، كان معظم هؤلاء القادة قد غادروا غزة التي تابت، وذهبوا للعيش والتجارة في أماكن فيها الغناء والفن ملازم ليومياتها، مثل قطر وتركيا والجزائر.. ولندن أيضاً، لكن كل ذلك كان محرّماً على غزة وأطفال غزة.
الغريب في كل هذه القصة هو أنني كتبت يومها مهاجماً الشيخ ومنطقه بأشد العبارات الساخرة، فأيدني مئات من الأصدقاء اليساريين واتفقوا معي بكل توصيفي لغزة في عهد هؤلاء الشيوخ. لكن بعد الطوفان ليس كما قبله كما يبدو، إذ قام غالبية هؤلاء بإنهاء علاقاتهم معي ووصفي بأشد ما وصفوا به الشيخ يومها. وهذا لا يقول لنا إلا أن المقدمات عند هؤلاء ليس لها علاقة بالنتائج، وهو أمر محزن ومضحك معاً، ويفسر دائماً ما نصل إليه من ضيق وبلاء وبطالة.

الأيام




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية