عندما تختار المنظمات الإرهابية السياسة بديلاً

الإرهاب

عندما تختار المنظمات الإرهابية السياسة بديلاً

مشاهدة

28/05/2018

انتشرت مؤخراً في غير مكان بالوطن العربي حمى البحث والتنظير في المؤتمرات والورش البحثية والدراسية، حول موضوعات ذات وقْع رومانسي، مثل: ما بعد تنظيم داعش، وما بعد الإسلام السياسي، وما بعد السلفية، وخاصّة في ظلّ عجرفة وغطرسة السلفية الجهادية والتكفيرية المقاتلة، واستعصائها على المراجعة، أو القيام بأيّة مراجعات عميقة وأصيلة.

هل يمكن رؤية مراجعات عملية المنظمات السلفية التكفيرية تمهّد للقبول بالمشاركة السياسية والديمقراطية؟

وتستدعي هذه المناقشات ملف الجماعات والمنظمات الإرهابية غير الإسلامية، خاصّة القومية واليسارية، في آسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، التي شهدت تحولات ومراجعات عميقة وواسعة وعملّية، تجلّت في تخليها عن العمليات الإرهابية، وحمل السلاح، ومحاولة الانخراط في العملية السياسية.

وفي هذا المجال، يمكن استعراض أمثلة لبعض المراجعات التي بدأت إرهاصاتها، إثر هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية ضدّ أمريكا؛ الأولى من أوروبا، من خلال مراجعات منظمة "إيتا" الباسكية الإرهابية في إسبانيا وفرنسا، والثانية من أمريكا اللاتينية؛ من خلال تنظيم أو حركة "الفارك" الإرهابية في كولومبيا.

منظمة إيتا

منظمة إيتا: اعتذار عن  59 عاماً

بعد صراع مرير ودموي في إسبانيا، دام 59 عاماً، أعلنت منظمة "إيتا" التي كانت تقاتل في فرنسا، وتطالب باستقلال إقليم الباسك عن إسبانيا، حلّ نفسها وهياكلها بالكامل، والاعتذار عن عملياتها الإرهابية.

وذكرت وكالة الأنباء الإسبانية، في أيار (مايو) 2018، أنّ المنظمة أرسلت بياناً إلى مختلف المؤسسات والجهات السياسية في إسبانيا، أعلنت فيه إنهاء نشاطها بشكل كامل، وانتهاء رحلتها ومبادرتها السياسية، وطلب بيان المنظمة الصفح من الضحايا الذين لم يكونوا جزءاً من الصراع، والذين كانوا ضحايا أخطائها وقراراتها، معبّرة عن أسفها لضحايا الصراع الآخرين.

واعترفت المنظمة بمسؤوليتها المباشرة عن المعاناة المفرطة في إقليم "الباسك" الشمالي؛ بسبب عمليات الخطف والتعذيب والتهجير، والأضرار الجمّة التي تسبّبت بها عملياتها، مؤكدة احترامها لأرواح القتلى في الإقليم وخارجه.

بعد صراع دام 59 عاماً أعلنت منظمة إيتا المطالبة باستقلال إقليم الباسك عن إسبانيا حلّ نفسها

وكانت المنظمة، في 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2011، قد أعلنت الوقف النهائي لنشاطها المسلح، وفي 17 آذار (مارس) 2017، ثم إلقاء سلاحها بشكل نهائي من جانب واحد، ودون قيد أو شرط، في 8 نيسان (أبريل) 2017.

ويمكن الإِشارة هنا إلى أنّ منظمة "إيتا"، وهو اسم مختصر لكلمة (وطن الباسك والحرية)، تأسست في 31 تموز (يوليو) 1959، في منطقة الباسك، الواقعة على الحدود بين إسبانيا وفرنسا، على أيدي طلاب جامعيين متشبعين بالفكر القومي، باعتبارها حركة قومية ثورية تحررية، تسعى إلى المطالبة بحقّ تقرير المصير والاستقلال عن إسبانيا.

ولقد رسّخت "إيتا" أرضيتها في مؤتمرها الأول في "دير بييوك" بفرنسا، ووصفت نفسها بكونها حركة ثورية باسكية للتحرير القومي، وانتهجت العمل السرّي والثوري عبر "الكفاح المسلّح".

ثم بنت عقيدتها على ثلاثة أسس: أولها الدفاع عن اللغة المحلية والعرق الباسكي، وثانيها معاداة ومقاومة الإسبانية، وثالثها العمل على استقلال بلاد الباسك التي تضم مقاطعات آلابا وبيثكايا وغيبوثكويا الإسبانية، ولابوردي ونابارا السفلى، وثوبيروا الفرنسية.

اعترفت إيتا بمسؤوليتها المباشرة عن المعاناة المفرطة في إقليم الباسك الشمالي بسبب عمليات الخطف والتعذيب والتهجير

قامت "إيتا" بأنشطة إرهابية مسلحة واختطافات، كان أوّلها في 18 تموز (يوليو) 1961، باستهداف قطار يقلّ فريقاً من أنصار الجنرال فرانشيسكو فرانكو، الذي حكم إسبانيا في الفترة بين 1939-1975.

ثم اغتالت العام 1968 مدير مكتب المخابرات الإسبانية في مدينة سان سبستيان في إقليم الباسك (ميليتون مانتاناس)، وفي العام 1973؛ اغتالت رئيس الوزراء الإسباني (لويس كاريرو بلانكو)، بسيارة ملغومة، في مدينة مدريد، تلتها تفجيرات العام 1974 في المدينة نفسها.

العام 1978؛ أسّست "إيتا" جناحاً سياسياً باسم "هري باتاسونا"، دون أن يمنعها ذلك من الاستمرار في عملياتها العنيفة والمسلحة؛ حيث كانت بداية الثمانينيات أكثر الأعوام دموية في تاريخها الإرهابي؛ حيث سجّلت فيها مقتل 118 شخصاً.

وكردّ فعل على سجل "إيتا" الإرهابي؛ أدرج كلّ من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية المنظمة على لائحة المنظمات الإرهابية، فيما أعلنت المنظمة من جانبها وقف عملياتها العسكرية مؤقتاً، عام 1989، ودخلت في مفاوضات مع الحكومة الإسبانية، استمرت بالمراوحة، حتى إعلانها الأخير في أيار (مايو) 2018، عن حلّ نفسها.

"الفارك":اختصار باللغة الإسبانية لـ"قوات كولومبيا المسلحة الثورية" المتأسس عام 1964

تنظيم "الفارك" يشكل حزباً سياسياً

المثال الثاني في هذا السياق هو تنظيم "الفارك"، وهو اختصار باللغة الإسبانية لــ(قوات كولومبيا المسلحة الثورية)، الذي تأسّس العام 1964، كجناح عسكري للحزب الشيوعي الكولومبي، وحركة عسكرية تعتمد الماركسية اللينينية وحرب العصابات إستراتيجية لها.

وأعلن التنظيم أنّه المدافع عن الفقراء في الريف ضدّ الطبقات الغنية، ومحاربة النفوذ الأمريكي في كولومبيا، والشركات متعددة الجنسيات، وخصخصة الموارد الطبيعية، وذلك من أجل التمهيد لثورة يسارية مسلحة، لكنّه -كما فعلت منظمة إيتا- قام بعد أكثر من نصف قرن من القتال والعمليات الإرهابية ضدّ الحكومة الكولومبية، باختيار  ترك السلاح، والموافقة على الحوار لدخول العملية السياسية.

اختار تنظيم الفارك بعد عملياته الإرهابية ضدّ الحكومة الكولومبية ترك السلاح ودخول العملية السياسية

ذلك أنّه، في 24 آب (أغسطس) 2016، وقّع الرئيس الكولومبي (خوان مانويل سانتوس)، اتفاقية مع زعيم التنظيم (رودريغو لوندونيو)، تحت رعاية الرئيس الكوبي الأسبق (راؤول كاسترو)، تتضمن الاتفاقية اعتراف التنظيم بالحكومة الكولومبية المنتخبة، مقابل سماح الحكومة لهم بتشكيل حزب سياسي، ودفع تعويضات للمقاتلين بعد تسليم سلاحهم، واحتفاظ "فارك" بعدد من مقاعد البرلمان، دون انتخاب، لدورتين برلمانيتين، وبهذا الاتفاق، ومراجعات التنظيم العميقة، أنهى التنظيم الإرهاب الذي مارسه لمدة 54 عاماً، راح ضحيته كثير من الضحايا والخسائر.

السؤال الذي يُطرح هنا، في تجربة منظمتي "إيتا" و"الفارك": هل يمكن رؤية مراجعات عملية بهذا العمق في الجماعات والمنظمات السلفية التكفيرية تمهّد للدخول والقبول بالمشاركة السياسية وشروط الديمقراطية؟

الصفحة الرئيسية