
لم تكن أغنية "مرسول الحب" التي قدّمها عبد الوهاب الدكالي عام 1972 مجرد عمل غنائي ناجح آنذاك؛ بل تحوّلت إلى ما يشبه "النشيد العاطفي" لجيل كامل من العشاق، واستمرت حيّة في الوجدان العربي حتى اليوم.
بهذه الأغنية استطاع الدكالي، الذي خلّف رحيله أول من أمس حزناً واسعاً في الأوساط الفنية والثقافية، أن يكسر الحاجز التقليدي للّهجة المغاربية في المشرق، لتغدو "مرسول الحب" بمثابة "جواز سفر" عبرت به الأغنية المغربية إلى الذائقة العربية.
في تاريخ الأغنية المغربية الحديثة يصعب النظر إلى تجربة عبد الوهاب الدكالي بوصفها مجرد مسيرة مطرب وموسيقار لامع؛ فالرجل، الذي ظل حاضراً لأكثر من ستة عقود في الوجدان المغربي والعربي، بدا أقرب إلى "مشروع فني متكامل" تَشكَّل في مرحلة كان المغرب يُعيد فيها اكتشاف صوته الثقافي بعد الاستقلال، ويسعى إلى منح فنونه الحديثة ملامح أكثر استقلالاً ووضوحاً وانتشاراً. ومن هنا، لم يكن لقب "عميد الأغنية المغربية" مجرد مُسمّى، بقدر ما كان اعترافاً بمكانة فنان أسهم في صياغة جزء أساسي من الهوية الموسيقية المغربية الحديثة.
وما إن أكدت وسائل إعلام مغربية أوّل من أمس خبر وفاة الدكالي، ونعته وزارة الشباب والثقافة والتواصل المغربية في بيان رسمي عبّرت فيه عن "بالغ الحزن والأسى" لرحيله، مشيدة بمسيرته الفنية الطويلة، وذلك بعد تدهور حالته الصحية إثر خضوعه لعملية جراحية، حتى امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي برسائل النعي والاستذكار من فنانين وإعلاميين وكتّاب ومحبيه، لتُطوى برحيله صفحة بارزة من صفحات الإبداع الفني المغربي والعربي.
ملامح التكوين والبدايات
وُلد عبد الوهاب الدكالي في مدينة فاس عام 1941، داخل أسرة محافظة وكبيرة العدد، وربما تركت المدينة أثرها العميق على شخصيته الفنية لاحقاً؛ ففي صوته أصالة فاس ودفؤها، وفي حضوره مسحة من الهدوء والتأمل، أمّا اختياراته الفنية، فقد مالت إلى الأغنية التي تراهن على المعنى والبناء.
لم يدخل الدكالي إلى الفن من باب الغناء وحده؛ فمنذ سنواته الأولى انجذب إلى الرسم والموسيقى والتمثيل، وكأنّ حساسيته الفنية تشكلت منذ البداية على فكرة التداخل بين الفنون، فحين نتأمل أداء الدكالي وهو يغني، نلمح أثراً عميقاً لـ "فرقة المعمورة" التي تلّقى فيها أصول المسرح عام 1958. هذا التكوين الدرامي هو ما جعل وقفته على المسرح تتسم بـ "الكاريزما"؛ فهو لا يغني بحنجرته فحسب؛ بل يوظف لغة الجسد وتعبيرات الوجه ليحول الأغنية إلى "مونودراما" مكتملة الأركان.
رافقته هذه الروح السينمائية أيضاً إلى الشاشة الكبيرة؛ حيث وضع بصمته في أعمال مثل: "الحياة كفاح" و"رمال من ذهب"، و"أين تخبئون الشمس"، وظلّ الرَّسمُ حاضراً في حياته، وأقام معارض تشكيلية عكست جانباً آخر من شخصيته الفنية. ويكشف هذا التداخل بين الموسيقى والصورة والتعبير البصري عن تصور خاص للإبداع لديه، يقوم على وحدة التجربة الفنية وتكاملها.
مثّل انتقاله إلى الدار البيضاء خطوة مهمة في مساره الفني، فهناك اقترب من الوسط الثقافي، واحتك بأسماء بارزة في الأدب والمسرح والزجل، وكان للطيب لعلج أثر واضح في صقل بداياته، سواء من ناحية فهم الكلمة الغنائية أو الوعي بوظيفة الأغنية الجديدة داخل المجتمع المغربي.
حين سجّل أغنيته الأولى "مول الخال" عام 1959 لم يكن مشروعه الفني قد اكتمل بعد، لكنّ الأغنية كشفت عن صوت مختلف في طبقته وإحساسه، وكانت بمثابة بطاقة تعريف للجمهور به. ثم جاءت "يا الغادي في الطوموبيل" لتمنحه انتشاراً واسعاً داخل المغرب، معلنة بداية تجربة غنائية تميل إلى البساطة دون التفريط بالقيمة الموسيقية.
القاهرة محطة تحوُّل
غير أنّ القاهرة ستظل المحطة الأكثر تأثيراً في تجربته، ففي عام 1962 شدّ الدكالي الرحال إلى مصر؛ حيث كانت الحياة الموسيقية العربية تعيش ذروتها الكلاسيكية، وهناك اقترب من كبار رموزها مثل؛ محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، وشارك في حفلات وإذاعات وأعمال سينمائية، فتشرّب جانباً من المناخ الموسيقي السائد، دون أن يتحول إلى نسخة مشرقية من مطرب مغربي. وإنّما صاغ فلسفته الفنية الخاصة القائمة على "تحديث الأصالة"، فجاءت أعمال مثل؛ "ما أنا إلا بشر" و"مرسول الحب" لتكسر حاجز اللهجة، وتتحول إلى أغنيات عابرة للحدود رددتها الحناجر من المحيط إلى الخليج.
ومن هنا، تبدو تجربة القاهرة أنّها رسّخت لديه قناعة بأنّ الأغنية المغربية قادرة على الإفادة من التقاليد الموسيقية العربية الكبرى، دون أن تفقد خصوصيتها. لذلك جاءت أعماله اللاحقة قائمة على مزج مدروس بين المقامات الشرقية والإيقاعات المغربية، وبين اللغة العربية الفصحى والزجل المغربي، وبين البناء الكلاسيكي للأغنية وروحها المحلية.
أناقة وهدوء بعيداً عن الصخب
في شهادات كثير ممّن عاصروه، يتكرر وصف الدكالي بأناقته الشخصية وهدوئه، وبابتعاده النسبي عن الصخب الإعلامي. فقد بدا، حتى في ذروة شهرته، أقرب إلى صورة الفنان الذي يراهن على عمله الفني أكثر من حضوره الاستعراضي، ويترك للأغنية نفسها أن تتحدث عنه. وربما أسهم هذا الخيار في منح تجربته طابعاً من التفرد الفني، وفي ترسيخ مكانتها لدى أجيال مختلفة من المستمعين، بوصفها تجربة تقوم على الجودة الفنية والاشتغال العميق على الكلمة واللحن.
خلال مسيرته الطويلة نال عبد الوهاب الدكالي عدداً من الجوائز والأوسمة داخل المغرب وخارجه، من بينها الجائزة الكبرى لمهرجان الأغنية المغربية بالمحمدية عام 1985، والجائزة الكبرى لمهرجان المغرب الدولي بمراكش عام 1993، إلى جانب تكريمات عربية ودولية متعددة، ووسام المكافأة الوطنية من درجة قائد عام 2013، فضلاً عن أوسمة فرنسية وتكريمات من الفاتيكان.










![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B70_1.jpg.webp?itok=9rrtY40N)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/633193666_122093146971272727_762315335892036104_n.jpg.webp?itok=_DNRtBTr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_2.png.webp?itok=6N6mahHB)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/307141_1.jpg.webp?itok=9VA84zAM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4.jpg.webp?itok=vlQ84KAo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-09%20131749.png.webp?itok=B5k53ons)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9_3_1_0_2.jpg.webp?itok=4oE7wZlp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84_3_0.jpg.webp?itok=BfiWNj8q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Lessons-learned-from-the-Israeli-Iranian-war.jpg.webp?itok=DpvuieEl)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)