عائلة فلسطينية تعيش في قفص مستوطنة إسرئيلية بالقدس

فلسطين

عائلة فلسطينية تعيش في قفص مستوطنة إسرئيلية بالقدس

مشاهدة

28/03/2020

من بوابة إلكترونية صفراء اللون تحيط بها أسلاك شائكة، وجدران إسمنتية يزيد ارتفاعها عن 8 أمتار، وتعلوها كاميرات مراقبة تتحكم بها القوات الصهيونية، يسلك سعدات غريب وعائلته طريقه إلى منزله، الواقع في وسط مستوطنة "جيفعون حداشا"، المقامة على أراضي بلدة بيت إجزا الفلسطينية، وتتفاقم معاناته يوماً بعد يوم بفعل تهديدات الاحتلال ومستوطنيه له بالطرد والقتل، ليتحول منزله وساكنوه إلى أسرى بيد الاحتلال الإسرائيلي.

سعدات غريب لـ"حفريات":  بيتي قفص حديدي صغير معزول عن القرية وسكانها، تحيط به قطعان منازل المستوطنين، والنقاط  الاحتلال العسكرية

يصف غريب (٣٨ عاماً)، والذي تحيط به منازل المستوطنين من اتجاهاته الأربعة، في حديثه لـ "حفريات" معاناته، بـ"الجحيم. بدأت عام 1978؛ عندما حاولت مجموعة من المستوطنين شراء قطعة أرض من والدي، تبلغ مساحتها أكثر من 100 دونم، وبعد رفض والدي لعرضهم، بدأت مجابهتم لنا بالمزيد من اعتداءات وانتهاكات المستوطنين، فتحوّل بيتي، الذي يتكون من طابق واحد، إلى أشبه ما يكون بقفص حديدي صغير معزول عن القرية وسكانها، تحيط به قطعان منازل المستوطنين، والنقاط العسكرية لجيش الاحتلال".

تتفاقم معاناته يوماً بعد يوم بفعل تهديدات الاحتلال ومستوطنيه له بالطرد والقتل

وتبعد قرية بيت إجزا عن مدينة القدس ١١ كم، ويعيش فيها ما يقارب 950 فلسطينياً، وتقع على هضاب مرتفعة، وترجع تسمية قرية بيت إجزا إلى ما قبل الحقبة الرومانية، وهي عبارة عن بيت الجزاء المأخوذ من قبل الرومان، بيت الجزية وعشر المال؛ حيث كانت تأخذ الجزية من الخرب (القرى) المجاورة، التي يوجد فيها الكهوف والسجون التي أعدّت لجمع الضرائب.

اقرأ أيضاً: إشعاعات ونفايات مفاعل ديمونا تنشر السرطان في الضفة الغربية

وأنشئت مستوطنة "جيفعون حداشا" على أراضي قرية بيت إجزا، عام 1979، وهي متصلة بالقدس بطريق مختصر، كما تتدنى كلفة المعيشة فيها، وتنخفض أسعار مساكنها، وتعيش في المستوطنة أكثر من  300 عائلة إسرائيلية في منازل بيضاء يغطيها قرميد أحمر جيدة التنظيم،  ويفصلها عن الأراضي التابعة للسلطة الفلسطينية جدار يؤكد الفلسطينيون أنّه جدار للفصل العنصري.

ويبلغ طول مسار الجدار في الضفة الغربية 712 كيلومتراً، أي ضعف طول ما يسمى الخط الأخضر، البالغ 320 كيلومتراً، في حين يبلغ طوله في محيط مدينة القدس نحو 202 كيلومتراً، وفق معطيات منظمة "بتسيلم" الحقوقية الإسرائيلية، ويعزل 43% من مساحة محافظة القدس.

حرية مسلوبة

ولفت غريب إلى أنّ "السلطات الإسرائيلية زادت من التضييقات علينا لدفعنا لترك المنزل والاستيلاء عليه بعد عام 2006؛عندما تمكنت العائلة من إصدار قرار قضائي بوقف بناء جدار الفصل العنصري وذلك لمدة عامين، والذي يلتف حول منزلي، ولا يبعد سوى ثلاثة أمتار فقط عن مستوطنة "جيفعون حداشا"، ويقضم المزيد من الأراضي التي تقع حوله، لتتمّ إحاطتنا بالمزيد من البوابات الإلكترونية، والجدران الخرسانية، والأسلاك الشائكة، والاعتداء على بيتي بإلقاء الحجارة، وإطلاق الأعيرة النارية على مركباتنا الخاصة، لمحاولة ترهيبنا لدفعنا لترك المنزل والخروج منه عنوة تحت تهديد السلاح".

اقرأ أيضاً: مصانع أدوية فلسطينية تتحدى القيود الإسرائيلية وتصدّر إلى الخارج

وتابع: "حريتي وعائلتي مسلوبة في منزلنا وأرضنا؛ فقد تمّ اعتقالي لمدة 3 أشهر بدعوى إلقاء الحجارة على المستوطنين، لتكون تلك حجة لقيامهم برفقة سلطات الاحتلال بمصادرة أكثر من 70 دونماً من أرضي لبناء الجدار العازل، وإغلاق مدخل منزلي الوحيد ببوابة حديدية تعلوها كاميرات مراقبة، يفتحها الاحتلال ويغلقها متى يشاء، ويحتفظ جنوده بمفاتيحها، لمتابعة تحركات عائلتي على مدار الساعة".

تحيط به منازل المستوطنين من اتجاهاته الأربعة

اعتداءات متواصلة

وبيّن أنّ "شرطة الاحتلال في مستوطنة "عطروت" القريبة يتحكمون في فتح البوابة الإلكترونية، وأنتظر لساعات طويلة للوصول إلى عملي، ويضطر أبنائي للانتظار لساعات عديدة في الصباح الباكر أمام البوابة الإلكترونية المغلقة ليتم السماح لهم للوصول إلى مدارسهم داخل القرية"، مبيناً: "منزلي تلقّى، منذ بناء مستوطنة "جيفعون حداشا"، في أواخر سبعينيات القرن الماضي وحتى منتصف التسعينيات، أكثر من ثمانية أوامر بهدم المنزل، إلا أنّ عائلتي استطاعت مجابهة تلك القرارات العنصرية، واستطاعت الحصول على رخصة بناء من قبل الإدارة المدنية الإسرائيلية".

يسعى الكيان الصهيوني لإحداث تغييرات داخل القدس لصالح الإسرائيليين، وإلغاء أنّ الحضارة العربية الإسلامية تمتدّ إلى 1400 عام

وأوضح غريب أنّ "الاحتلال ومستوطنيه يمنعون أطفاله من اللعب داخل فناء منزله، ويقومون بإطلاق القنابل الغازية المسيلة للدموع، والزجاجات الحارقة باتجاه فنائه، لإجبار الأطفال على دخول منزلهم عنوة"، مستذكراً قيام مجموعة من المستوطنين، تجاوز عددهم 300 مستوطن، بإلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة على منزله ليلاً، ما أدّى إلى احتراقه ونجاته وعائلته بأعجوبة من موت محقق".

ورغم الاعتداءات المستمرة على منزله، ومصادرة المزيد من أراضي عائلته وأجداده، إلا أنّ غريب ما يزال متمسكاً بالبقاء في منزله، والحفاظ على ما تبقّى من أرضه، رغم محاولات المستوطنين وجنود الاحتلال الاستيلاء عليه، وتشريد عائلته منه.
تصاعد الاستيطان وهدم المنازل

بدوره، يرى مدير دائرة الخرائط ونظم المعلومات الجغرافية ببيت الشرق في القدس المحتلة، خليل التفكجي؛ أنّ "هناك سياسة إسرائيلية واضحة تتعلق بالأرض والسكان الفلسطينيين بمدينة القدس المحتلة، تمثلت بالسيطرة على 87% من مساحة القدس الشرقية، ولم يتبقَّ للمقدسيين سوى 13%، أما من الناحية السكانية فقد قام الاحتلال بإقامة مجموعة من المشاريع لتوسيع عدد من المستوطنات، وإقامة عدة بؤر استيطانية جديدة، بعد طرد السكان الفلسطينيين خارج جدار الفصل العنصري، وضمّ المستوطنات التي تقع في خارج حدود بلدية القدس".

اقرأ أيضاً: "فلسطين ع البسكليت": للتعريف بالقرى المهددة بالاستيطان والمصادرة

ويضيف التفكجي، لـ "حفريات": "رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ذكر في مرات عديدة أنّه سيتخلص من 200 ألف فلسطيني من القدس الشرقية، وطردهم إلى خارج الجدار"، وأردف: "بعد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، واعتبار ترامب القدس عاصمة للدولة العبرية، تصاعدت وتيرة الاستيطان في القدس، وكان من بينها إقامة مستوطنة جديدة تدعى "جفعات هماتوس"، إضافة إلى تصاعد وتيرة هدم المنازل وطرد سكانها المقدسيين، وكذلك التقنين في إعطاء تراخيص البناء لهم، وقيام الاحتلال ببناء البنى التحتية لإقامة مشروع القدس الكبرى، كما تظهرها الخرائط الإسرائيلية الجديدة للعام 2050".

الاحتلال ومستوطنوه يمنعون أطفاله من اللعب داخل فناء منزله

أغلبية يهودية

ولفت إلى أنّ "الاحتلال الإسرائيلي قام بمصادرة 35%، بما يقدَّر بــ ٢٤ كيلومتراً من مساحة القدس الشرقية، بحجة المصلحة العامة، مبيناً أنّه توجد في المدينة 15 مستوطنة صهيونية تقع ضمن حدود بلدية القدس، وتمّ توسيعها عام 1967، وتضمّ 220 ألف مستوطن إسرائيلي".

اقرأ أيضاً: مشروع استيطاني جديد في قلب الخليل المحتلة.. ما تفاصيله؟

وبيّن التكفجي؛ أنّ "البؤر الاستيطانية تتركز في أماكن معينة من القدس في الحوض المقدس أو ما يعرف بالحوض التاريخي في منطقة سلوان وحول البلدة القديمة وداخلها، وتتسم طبيعة هذه البؤر الاستيطانية بأنها ليست كبيرة، ولكنّها تشكل عائقاً أمام أية عملية سلام مستقبلية، باعتبار أنّ القدس الشرقية هي عاصمة للدولة الفلسطينية".

اقرأ أيضاً: لماذا يُجبَر الفلسطينيون على اعتماد مناهج تعتبر إسرائيل دولة الشعب اليهودي؟

وتتمثل منهجية الاحتلال في القدس، وفق التكفجي، في سياستين بارزتين للاستيلاء على المدينة؛ إصدار مجموعة من القوانين للسيطرة على الأرض، ومصادرة منازل وعقارات المواطنين المقدسيين التي تقع في البلدة القديمة، والتي يعيش فيها 32 ألف فلسطيني، مقابل 4 آلاف و500 إسرائيلي فقط، بهدف طرد السكان الفلسطينيين، وإحلال الإسرائيليين بدلاً عنهم، وهي سياسة إسرائيلية مبرمجة وواضحة لجعل الأغلبية المطلقة بالقدس لليهود، والأقلية للعرب المقدسيين.

تغيير الحضارة العربية والإسلامية

وتتخذ سلطات الاحتلال من المساحات الخضراء بالقدس الشرقية، والتي تسميها بالحدائق القومية، لزيادة الاستيطان والسيطرة على الأرض، باعتبارها احتياطياً إستراتيجياً مستقبلياً لبناء المستوطنات في المستقبل، وفق التكفجي الذي يشير إلى أنّ "المرافق الخضراء يأخذها الجانب الإسرائيلي دائماً بعين الاعتبار، باعتبارها جزءاً من السياسة الإسرائيلية لمصادرة الأرض كالقوانين السابقة التي تمّ استصدارها، مثل: قانون التنظيم والبناء، وقانون أملاك الغائبين، والتي تندرج تحت بند واحد هو السيطرة على الأرض".

اقرأ أيضاً: "أهلاً بكم في دولة هاني عامر": هكذا يهزأ الفلسطينيون من إسرائيل

وبسؤال التفكجي عن التغييرات التي ستحدثها زيادة الاستيطان بالمدينة المقدسة، يقول: "في عام 1967؛ كانت القدس الشرقية خالية من الإسرائيليين، وبعد ذلك العام أصبحت التغييرات الصهيونية تسير بشكل متسارع، وقام الاحتلال ببناء المزيد من المستوطنات ومصادرة آلاف الأراضي، وتحت الأرض تمّ بناء العديد من الأنفاق، وفي الفضاء تمّ تشييد "التلفريك" فوق مدينة القدس، لإحداث تغيير جذري في المشهد داخل المدينة المقدسة لصالح الإسرائيليين، والتأكيد الصهيوني على أنّ الحضارة العربية الإسلامية، والتي تمتدّ منذ 1400 عام، يجب تغييرها ووضع حضارة ومشهد جديدَين، تكون للدولة العبرية بصمات فيها".

الصفحة الرئيسية