ضرائب الاحتلال ترهق جيوب المقدسّيين، وأخطرها "الأرنونا"

ضرائب الاحتلال ترهق جيوب المقدسّيين، وأخطرها "الأرنونا"

مشاهدة

10/08/2021

لم تكتفِ سلطات الاحتلال الإسرائيلي بمعاقبة المقدسيين والتضييق عليهم بهدم منازلهم وعقاراتهم وتهويد مقدساتهم، في ظلّ حالة من عدم الاستقرار السياسي، تشهدها المدينة منذ عدة سنوات، بل واصلت حربها على سكان المدينة، ضمن سياسة تهدف إلى تهجير السكان قسراً، وتفريغ المدينة من سكانها الأصليين، من خلال إجبارهم على دفع ضرائب باهظة.

وتعدّ الضرائب الأصعب والأخطر على المقدسيين؛ حيث باتت سيفاً مسلطاً على رقابهم، باعتبار أنّ الاحتلال يستغلها في سبيل السيطرة على الأملاك الفلسطينية بالمدينة.

وللضرائب في إسرائيل أسماء عديدة، منها: الدخل، الشراء، القيمة المضافة، التلفزيون، التحسين، الأملاك والتأمين الوطني، لكنّ كابوس المقدسيين خاصة هو ضريبة المساحة، أو ما تُعرف عبرياً باسم "الأرنونا"، وهي بذلك تتركهم أمام خيارَين: العيش في فقر، أو الانتقال إلى أحياء محيطة بالقدس، ممّا يعرضهم لخطر فقدان إقامتهم في مدينتهم.

وتفرض بلدية الاحتلال الإسرائيلية على المقدسيين، الذين يعيشون ضمن حدود بلدية القدس الكبرى، وتقدّر أعدادهم بأكثر من 55 ألف شخص، دفع الضرائب للبلدية، رغم أنّهم لا يتمتعون جميعاً بخدمات إمدادات المياه والصرف الصحي والطرق وجمع النفايات وغيرها، كما أنّهم يعانون من الفراغ الأمني وتزايد أعمال الخروج عن القانون، في ظلّ عدم تدخّل الشرطة الإسرائيلية، في كثير من الأحيان، في المناطق المقدسية الواقعة خارج جدار الفصل العنصري.

تعدّ الضرائب الأصعب والأخطر على المقدسيين

ويشكّل فرض هذه الضرائب جريمة بحقّ المقدسيين، ومخالفة للمواثيق الدولية الخاصة بوضع المناطق المحتلة، حيث تلزم اتفاقية لاهاي سلطة الاحتلال بالحفاظ على النظام الضريبي القائم قبل الاحتلال، وعدم استحداث أيّة ضرائب جديدة على السكان، وهو ما لم تلتزم به حكومة الاحتلال.

أخطر هذه الضرائب هي ضريبة (الأرنونا)، التي تفرض على البيوت والمحال التجارية، بدفع مبلغ يتجاوز الـ 100 دولار أمريكي سنوياً عن المتر الواحد من مساحة العقار

ووفق إحصائية صادرة عن هيئة التأمين الوطني الإسرائيلية، عن نسبة الفقر في القدس الشرقية وباقي المناطق الفلسطينية المحتلة إسرائيلياً، فقد بلغ الفقر ما نسبته 76% في القدس الشرقية، في حين أنّ 83.4% من الأطفال المقدسيين يعيشون تحت خطّ الفقر لعام 2015، أما داخل الكيان الإسرائيلي فقد بلغت نسبة من يعيشون تحت خطّ الفقر من مجمل سكان "إسرائيل" 21.7%، وبين الأطفال نسبتها 30%، إذاً هناك حالة إفقار متعمّدة لساكني القدس من الفلسطينيين.

وبحسب دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية؛ يعيش شرق القدس 323 ألف فلسطيني "بصفة مقيم وليس مواطناً"، ويشكّلون 37% من عدد سكان المدينة، بشطرَيها الشرقي والغربي.

واحتلت إسرائيل شرق القدس عام 1967، وأعلنتها مع الشطر الغربي عام 1980 "عاصمة موحدة وأبدية" لها، وهو ما لا تعترف به قرارات الشرعية الدولية.

ضرائب متعددة

ويرى الكاتب والمحلل السياسي المقدسي، راسم عبيدات، أنّ "الاحتلال الإسرائيلي يفرض أشكالاً متعددة من الضرائب على السكان المقدسيين، في إطار سياسته الممنهجة التي يهدف من ورائها لتهجيرهم من داخل المدينة المقدسة، لاعتبارات سياسية وديموغرافية"، مبيناً أنّ "من أكثر الضرائب خطورة هي ضريبة (الأرنونا)، أو بحسب ما تعرف محلياً بضريبة (المسقفات)، والتي تفرض على منازل المقدسيين، ويتمّ إجبار كلّ من يمتلك بيتاً أو شقة سكنية لدفع أكثر من 12 ألف شيكل سنوياً (3700 دولار أمريكي) لبلدية الاحتلال، وهي مبالغ باهظة لا يستطيع السكان تحمّلها".

راسم عبيدات

ويتابع عبيدات في حديثه لـ "حفريات": "سلطات الاحتلال تفرض عدة ضرائب على المقدسيين، منها: ضريبة الأملاك، والضمان الاجتماعي، والقيمة المضافة، وضريبة الدخل، والتلفزيون، وغيرها من الضرائب، في حين لا يتلقَّ السكان الحدّ الأدنى من الخدمات التي يستحقونها، رغم الضرائب الباهظة التي تفرَض عليهم، كخدمات المياه والنفايات والبنى التحتية وغيرها".

ولفت عبيدات إلى أنّ "الضرائب المفروضة كانت لها تبعاتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على السكان المقدسيين، والذين تعيش نسبة كبيرة منهم دون خطّ الفقر، وهو ما يدفع بالعديد منهم لترك منازلهم للسكن في البلدات المقدسية الواقعة خارج حدود بلدية القدس الصهيونية، في أحياء أبو ديس والعيزرية، أو الانتقال إلى مدن الضفة الغربية، لتجنّب دفع تلك الضرائب، وهو الهدف الذي يسعى إليه الاحتلال لطردهم وتهجيرهم من مدينة القدس قسراً".

حركة اقتصادية شبه معدومة

وأكّد أنّ "الضرائب الإسرائيلية أدّت إلى إغلاق ما يزيد عن 400 محلّ تجاري مقدسي، حتى باتت الأوضاع الاقتصادية والتجارية شبه معدومة، وفاقمتها الإجراءات الأمنية الصهيونية المستمرة، المتمثلة بالإغلاقات المستمرة، ونصب الحواجز العسكرية الثابتة والمتحركة على مداخل الأحياء المقدسية، إضافة إلى جائحة كورونا والتي زادت من الأوضاع الاقتصادية سوءاً، وأثقلت الأعباء الملقاة على المقدسيين، وأصابت المدينة بالشلل الكامل بعد إغلاق محال بيع التحف والهدايا، وكذلك الفنادق، حتى بات التاجر المقدسي يفضّل إغلاق محاله على مواصلة عمله داخله، بعد أن أصبح لا يدرّ عليه أيّ دخل ماليّ".

المحلل السياسي المقدسي راسم عبيدات لـ"حفريات": الضرائب المفروضة كانت لها تبعاتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على السكان المقدسيين، والذين تعيش نسبة كبيرة منهم دون خطّ الفقر

ويتعمّد الاحتلال الإسرائيلي فتح مراكز تجارية وأسواقاً كبيرة بالقرب من التجمعات الفلسطينية، والتي تلقى دعماً مباشراً من قبل السلطات الإسرائيلية، وبعض المستثمرين اليهود والأجانب، وبأسعار ومنافسة أقلّ عن مثيلاتها في المحال التجارية الفلسطينية، وهو ما تسبّب بأعباء إضافية على سكان مدينة القدس، وعلى الحركة التجارية والأسواق، "الأمر الذي دفع العديد من أصحاب المحال التجارية بالقدس يفضّلون مواصلة أنشطتهم التجارية في الأحياء الواقعة خارج حدود بلدية القدس الصهيونية".

وبسؤال الكاتب والمحلل السياسي المقدسي عن كيفية الضغط على الاحتلال الإسرائيلي لوقف فرض الضرائب على السكان المقدسيين، بيّن عبيدات؛ أنّ "وقف الضرائب مرتبط بالضغوط التي تمارسها بعض الدول العربية، كالأردن،  الذي يعدّ الوصي على المقدسات الفلسطينية بالقدس، على الاحتلال، وكذلك من خلال التدخّل الدولي الفاعل، في ظلّ القوانين الدولية التي تمنع فرض الدولة المحتلة ضرائبها على السكان الذين تحتلهم"، موضحاً أنّ "بلدية الاحتلال تجمع 28% من الضرائب من المقدسيين، في حين لا تقدّم لهم سوى 7% من خدماتها؛ إذ تذهب تلك الأموال لبناء مستوطنات جديدة، وشقّ الطرق الالتفافية الاستيطانية، وتحسين كافة الأوضاع في الجزء الغربي من مدينة القدس".

الأرنونا أخطر أنواع الضرائب

من جهته، يؤكد زياد الحموري، مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية؛ أنّ "السلطات الإسرائيلية، منذ احتلال القدس عام 1967، رغم إرادة أهلها والمجتمع الدولي، وهي تفرض المزيد من الضرائب على سكان مدينة القدس الشرقية، باعتبارها جزءاً من دولة إسرائيل، بدعوى توحيد القدس، حيث تفوق هذه الضرائب طاقة المقدسيين".

زياد الحموري

ويضيف الحموري لـ "حفريات": "أخطر هذه الضرائب هي ضريبة (الأرنونا)، التي تفرض على البيوت والمحال التجارية، حيث تجبر هذه الضريبة، على سبيل المثال، دفع مبلغ يتجاوز الـ 100 دولار أمريكي سنوياً عن المتر الواحد من مساحة العقار أو المحال التجارية".

مستوى معيشي سيئ

وبيّن أنّ "نسبة كبيرة من سكان القدس يعانون من مستوى معيشي سيّئ للغاية، في ظلّ تراكم الديون المستحقة على بلدية الاحتلال بالقدس نتيجة للضرائب المفروضة عليهم، حتى بات ما يزيد عن 80% من سكان القدس مديونين للبلدية بمبالغ مالية باهظة، لعدم دفعهم ضريبة (الأرنونا) وحدها، في حين لا تتورع السلطات الإسرائيلية عن ملاحقة المقدسيين، الذين تتراكم بحقّهم هذه الديون، من خلال مصادرة ممتلكاتهم وعقاراتهم بقوة القانون الإسرائيلي، والذي يصدر أحكاماً قضائية مجحفة لمعاقبتهم".

وتابع الحموري: "تركيز بلدية الاحتلال على البلدة القديمة وأسواقها؛ كسوق العطارين، وسوق اللحامين، وسوق الدبّاغين، لجمع الضرائب، يهدف بالدرجة الأولى لإفقار القطاع التجاري، والسيطرة على هذه المنطقة، التي تعدّ ضمن الأهداف الكبيرة لدولة الاحتلال، لتهويدها اقتصادياً وديموغرافياً"، مشيراً إلى أنّ "عدد المحال التجارية بالبلدة القديمة بالقدس يتجاوز 1300 محال تجاري، في حين أنّ أكثر من ثلثي هذه المحال مغلقة منذ فترة طويلة، بفعل إجراءات الاحتلال وسياساته التهويدية، عبر فرض الضرائب وغيرها".

الصفحة الرئيسية