صندوق الكرامة.. هل تتاجر حركة النهضة الإخوانية بضحايا الاستبداد؟

صندوق الكرامة.. هل تتاجر حركة النهضة الإخوانية بضحايا الاستبداد؟

مشاهدة

27/04/2021

أحدث الخطاب الذي وجهه راشد الغنوشي، رئيس البرلمان التونسي، إلى الحكومة بهدف تسريع وتيرة إنشاء صندوق الكرامة، لتعويض ضحايا الاستبداد، ضجة وجدلاً بين الأوساط التونسيّة، على وقع تفسير تلك المراسلة، بأنّها تهدف إلى ترضية القواعد الانتخابية لحركة النهضة التي يتزعمها الغنوشي، سيما وأنّ الحركة في خضم صراع سياسي ودستوري مع رئاسة الجمهورية، وعدد من القوى السياسية الوازنة في تونس.

اقرأ أيضاً: "النهضة" للتونسيين: نحكمكم وندمّركم

احتوى الخطاب الصادر من الغنوشي، إلى الحكومة، توصية من "لجنة شهداء الثورة وجرحاها، وتنفيذ قانون العدالة الانتقالية" في مجلس نواب الشعب، تطلب من الحكومة توفير مقر للصندوق، وتمكينه من الموارد المالية واللوجستية؛ حتى يتسنى له تأدية مهامه تجاه ضحايا نظام الرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي.

جدير بالذكر أنّ الهيئة العامة لشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية، هي هيئة حكومية، تم إعلانها في العام 2016، وتعمل تحت مظلة الحكومة، وقام رئيس الوزراء، هشام المشيشي، في الثالث والعشرين من شهر تشرين الأول (أكتوبر) العام الماضي، بتعيين عبدالرازق الكيلاني، رئيساً لها، بحيث تتحرك آلية العمل، نحو بلوغ المستحقين منافعهم وحقوقهم، التي تخولها لهم القوانين، بالتنسيق مع الوزارات المعنية.

ترضية قواعد حركة النهضة

 رغم وقوع حد أدنى من التوافق العام، بين غالبية الأحزاب، بشأن جبر أضرار الضحايا، بيد أنّ ثمة اعتراضات ضد مبدأ منح تعويضات مالية، من خلال موازنة الدولة، التي تعاني من وضع اقتصادي حرج، وتعثر واضح في جهود وخطط التنمية.

اقرأ أيضاً: نواب تونسيون: سحب الثقة من الغنوشي وشيك

وكشف عدد من السياسيين، وأساتذة القانون والاقتصاد في تونس، عما اعتبروه تأويلاً غير منضبط، من قبل السيد رئيس حركة النهضة، ورئيس البرلمان، راشد الغنوشي، لتوظيف جزء من  ميزانية البلاد، التي تشهد عجزاً متزايداً، جراء تداعيات فيروس كورونا، سيما مع تأكيد وزير الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار، علي الكعلي، أنّ البلاد باتت بحاجة ماسة إلى اعتمادات إضافية؛ لتتمكن من دفع رواتب موظفي القطاع العام، ومعاشات المتقاعدين، بحسب تصريحات صحفية، وكذا تفاعل الأزمة السياسية والدستورية بين مؤسسات الحكم.

حازم القصوري: ملف "صندوق الكرامة" خلافي، إذ لم يحسم في قضايا العدالة الانتقالية، التي تبدو منحازة فقط إلى أصحاب التيار الإسلامي، ورهناً لقراءتهم أحادية الجانب

الأمر الذي دفع المحامي التونسي، حازم القصوري، نحو التأكّيد على أنّ ملف "صندوق الكرامة" هو ملف خلافي؛ إذ لم يحسم في قضايا العدالة الانتقالية، التي تبدو في تقديره، منحازة فقط إلى أصحاب التيار الإسلامي، ورهناً لقراءتهم أحادية الجانب، الشيء الذي يجعل الحقيقة تبدو  مبتورة، وبالتالي لا يصح، في تقديره، أن تعول عليها، ولا يمكن الالتفات إليها.

المحامي التونسي، حازم القصوري

ومن جهة أخرى، يمكن النظر باعتبارها عدالة إخوانية صرفة، تستند إلى ثقافة المظلومية التعويضية، التي تخرج قيمة العدالة الحقيقية من مضمونها القيمي، نحو الرؤية المادية النفعية، على خلاف ما جرى في جنوب أفريقيا.

ويختتم الحقوقي التونسي، تصريحاته التي خص بها "حفريات"، بقوله: "لا يمكن أن تتنكر تونس لحقوق من دفع حياته من أجلها، وقاوم الظلامية والإرهاب، وفي إطار ذلك فقط، ينبغي أن يقع عمل الصندوق، بعيداً عن تحقيق المنافع الحزبية الضيقة، لأصحاب جماعات الإسلام السياسي".

الغنوشي يتجاهل تردي الوضع الاقتصادي

يذهب النائب البرلماني، مبروك كرشيد، إلى أنّ خطورة مذكرة الغنوشي، تكمن في كونها تمت دون استشارة النواب، وهو ما يعني أنّ رئيس البرلمان، سعى إلى استغلال منصبه، من أجل مصالح حزبه ومريديه، خاصّة في ظل ما تعانيه تونس من أزمة سياسية ودستورية، بين مؤسسات الحكم، وما أنتجته من وضع اقتصادي حرج، وكذا تداعيات وباء فيروس كورونا المستجد؛ إذ تناقش الحكومة ملف الحصول على قروض جديدة، سيتم سدادها بالعملة الصعبة، وذلك من أجل توفير أجور القطاع العام، والوظيفة العمومية.

مبروك كرشيد: خطورة مذكرة الغنوشي، تكمن في كونها تمت دون استشارة النواب، وهو ما يعني أنّ رئيس البرلمان، سعى إلى استغلال منصبه، من أجل مصالح حزبه ومريديه

وأضاف النائب التونسي، مبروك كرشيد، في تصريحاته لـ"حفريات"، أنّ "وضعية البلاد تقتضي الاهتمام بمسائل أعمق من صندوق الكرامة، على غرار الوضع الصحي المتردي، من جراء فيروس كورونا".

ودعا الوزير السابق، الحكومة إلى عدم الخضوع للابتزاز، مهما كان نوعه، مشيراً إلى أنّ "إنفاق أموال الشعب على قضايا غير ذات أولوية، يعتبر نوعاً من الفساد.

النائب التونسي مبروك كرشيد

من جهتها، ترى الناشطة السياسية، ليلى الورفلي، أنّ أزمة صندوق الكرامة، يجب النظر إليها، من زاوية ما يواجهه رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، من صراع مباشر مع رئيس الجمهورية، ويعتبر هذا الصراع في نقطة حاسمة؛ إذ وصل في تقديرها نحو مرحلة اللاعودة.

ليلى الورفلي: أزمة صندوق الكرامة، يجب النظر إليها، من زاوية ما يواجهه رئيس البرلمان، الغنوشي، من صراع مباشر مع رئيس الجمهورية

وتلفت الورفلي، في تصريحات خصّت بها "حفريات"، أنّ سلاح رئيس الجمهورية في هذا الصراع، يتمثل في شعبيته المتزايدة، داخل أوساط الشارع التونسي، وذلك على خلاف رئيس البرلمان، الذي يُعد في عزلة، سيما وأنّ شعبيته لا تقارن بشعبية، قيس سعيّد، ولعل هذا ما يفسر التسريع في هكذا صندوق، فمن جهة يحافظ من خلاله رئيس البرلمان على أنصاره من حركة النهضة، ومن جهة أخرى، يجعله هذا الصندوق يكتسب شعبية جديدة، داخل أوساط المتضررين من الاستبداد، وبالتالي الحرب اليوم حرب شعبية، خاصّة وأنّ الوضعية السياسية غير مستقرة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى وجود رئيس جمهورية، ذي صيت شعبي، يجعل رئيس البرلمان يحاول أن يحافظ على أنصاره، ويكتسب شعبية جديدة، داخل فئة لا علاقة لها بحركة النهضة، بل هي فئة تضررت من الاستبداد، مهما كانت توجهاتها وأفكارها.

إهدار المال العام

من جانبه يشير عبدالعزيز القطي، النائب السابق في مجلس النواب التونسي، إلى أنّ توجيه راشد الغنوشي، رئيس حركة الإخوان، فرع تونس، مراسلة لرئيس الحكومة، هشام المشيشي، يطالبه فيها بتمكين ما يسمى بصندوق الكرامة، ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد، من توفير مقر، وكل الوسائل، حتى يتسنى له القيام بمهامه، التي منها جبر الضرر، وصرف تعويضات، تقدر بما يعادل مليار دولار أمريكي، لصالح ثلاثين ألف شخص، أغلبهم من أنصار حركة النهضة، لا يمكننا التعامل معه، سوى من خلال النضال مدفوع الأجر، باعتبار أنّ نضالهم لم يكن من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، إنّما من أجل إعادة فتح تونس، وتماهي البلاد على مقدار الإسلام السياسي وأهدافه.

الناشطة السياسية ليلى الورفلي

 ويلفت القطي، إلى أنّ رسالة الغنوشي، إلى رئيس الحكومة، هي في حقيقتها رسالة طمأنة وترضية لقواعد النهضة الانتخابية، خاصّة وأنّه أضحى في أمسّ الحاجة لهم، سواء في أزمته الداخلية، التي تتعلق بدعوات قيادات عديدة من الصف الأول، ومجلس شورى الحركة، إلى ضرورة تخليه عن رئاسة الحركة، وكذلك ما يمتد بأزمته داخل البرلمان مع الحزب الدستوري الحر، ورئيسته عبير موسي، وكذا عدم التوافق مع رئيس الجمهورية، ورفض الأخير اتباع سياسة المهادنة، والتوافق المسموم، الذي تعول عليه حركة النهضة، من أجل التستر على جرائمها وتجاوزاتها، منذ العام 2011، وإلى اليوم.

عبد العزيز القطي: نضال أنصار حركة النهضة لم يكن من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، إنّما من أجل إعادة فتح تونس، وتماهي البلاد على مقدار الإسلام السياسي وأهدافه

ويؤكد النائب السابق في حديثه لـ"حفريات"، أنّ وقوع  هذا الطلب، والبلاد تعيش أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة، في ظل تداعيات فيروس كورونا، يزيد الطين بلة، في ظل تراجع القدرة الشرائية للمواطن، والغلاء الفاحش، وارتفاع نسبة البطالة، ولكن هذا لا يعني الغنوشي في شيء، فهمه الوحيد مصلحته الخاصّة، ومصالح حاشيته المقربة، حتى وإن كان ذلك على حساب المواطن، وهذا ليس بغريب عن حركة النهضة، التي ومنذ العام 2011، وهمها الوحيد هو مصالحها الحزبية الضيقة، وتمكنها من مفاصل الدولة، ونهب مقدراتها، ومواصلة سياسة النهب المتواصلة إلى اليوم، وكل هذا من عرق دافعي الضرائب، وموارد البلاد الشحيحة جداً.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية