صلاة العيد والأضاحي: البهجة الغائبة لدى المصريين

صلاة العيد والأضاحي: البهجة الغائبة لدى المصريين

مشاهدة

30/07/2020

كأنّهم طيور مهاجرةٍ، تعود إلى أوطانها، لتجتمع مع عائلاتهم، على مائدة إفطار صباح يوم العيد، بعد أداء صلاته. هذا حال كثير من المصريين، يعودون من العاصمة، والمدن الكبرى؛ مقرّ أعمالهم، وموطن أرزاقهم، إلى بيت العائلة الكبير، في الأقاليم.

اقرأ أيضاً: مصر أول دولة في العالم تتخلص من هذا الفيروس... كيف احتفلت؟ فيديو وصور

وعلى مائدة إفطار يوم العيد، تجتمع الأسرة، لتحظى بإفطار مميّز؛ لا يشبه بقيّة الأيّام؛ فمن الأضحية، أو من اللحوم المشتراه، تعد الأسر وجبّاتها التقليدية؛ الّتي تتشابه في كوّن اللحوم عصّبها الرئيسي، وتختلف في طريقة التقديم: ما بين طبق الفتّة الشهير، أو الكبد، أو اللحوم المشوية، أو الرقاق باللحم.

ترتبط الأضحية في الذاكرة الإسلامية بالشكر لله على إنزال كبش الفداء لإسماعيل ابن إبراهيم، عليهما السلام، اللذين اختبرهما الله، بأنّ أمر إبراهيم بذبح ولده، فاستجاب هو وابنه لذلك، ففداه الله بكبش عظيم

وأهّل القاهرة والمدن يجتمعون على مائدة بيت الوالد، ويتناولون نفس أطباق أبناء الريف.

لكنّ كورونا حرمهم للمرّة الثانية من بهجة صلاة العيد؛ الّتي تشبّه مهرجاناً للاحتفال؛ بالصلاة، ولقاء الأصدقاء والمعارف، واستعراض الأطفال ملابس العيد الجديدة، والحصول على نصيبهم من الهدايا.

كورونا يحرم المصريين للمرّة الثانية من بهجة صلاة العيد

ولم تقف آثار كوّرونا عند الصلاة، فامتدت إلى الأضحية، الّتي يتهافت المصريون على إيفاء شعائرها كلّ عيد أضحى، فحرمت آثاره الاقتصادية كثيرين من أدائها هذا العام، وحرمت كثيراً من الفقراء نصيباً وافراً ينالونه منها.

لكنّه ذلك لن يحرمهم بهجة التزاور، والإحساس بالتضامن، والمصير المشترك، بعد شهرين انشغلوا فيهما بمتابعة مخاطر الجوار الليبي، وأزمة سّد النهضة.

صلاة العيد .. البهجة الغائبة

تكاد تكون صلاة العيد هي أهم مظاهر الاحتفال بالأعياد الدينية في مصر؛ يحضرها الكبير والصغير، والرجّال والنساء، ويستعدّون لها منذ ليلة العيد، بتحضير الملابس الجديدة.

اقرأ أيضاً: شاهد.. كيف كرم الناشطون المغربيون "طبيب الغلابة" المصري؟

ويستيقظ المصريون على أصوات التكبير، الّتي تملّأ الشوارع، ليهرعوا إلى الساحات والمساجد، لحضور الصلاة، والاستماع إلى الخطبة، الّتي يزيدها جلالاً تردد الصوت عبر المكبّرات، والحضور الحاشد، والبسمة الّتي تعلو وجه الحضور.

وحرم كوّرونا المصريين هذه البهجة، في العيد الماضي، وألقى بظلاله على هذا العيد، رغم انحساره الكبير، فقرّرت الدولة منع إقامة صلاة العيد، والاكتفاء بالتكبيرات، مثل العيد الماضي، منعاً للتّجمّعات والاختلاط، في إطار خطط مواجهة فيروس كوّرونا.

تكاد تكون صلاة العيد هي أهم مظاهر الاحتفال بالأعياد الدينية في مصر

وتقول عنايات علّي، وهي سيدة ريفية مسنة: "العيد لا طعم له بدون صلاته، وكوّرونا حرمنا هذه البهجة، وأدعو الله أنّ يكون هذا العيد آخر عيد نحرم من صلاته".

وتضيف لـ "حفريات": "صلاة العيد بهجة للكلّ، خصوصاً الأطفال قبل الكبّار؛ فهم من يوقظون الأهل من النوم، لتجهيزهم للخروج للصّلاة".

اقرأ أيضاً: لماذا أرسل الجيش المصري مساعدات إلى اليمن؟

وكثير من الأطفال لم يستسلم لحظر الصلاة، وابتكروا طرقاً للاحساس ببهجة التكبير والصلاة؛ كان أهمّها الخروج للشّرفات، ومشاركة المساجد في التكبير.

وفي عيد الفطر الماضي، خرجت بنت الثامنة، منّة عبد الله، إلى شرفة بيتها تردد تكبيرات العيد، بصوت عال. منّة أبلغت "حفريات": "زيّ ما كبّرت العيد إللي فات، هخرج أكبرّ العيد دا من بلكونة بيتنا"

العيد: مناسبة للتّضامن

يساهم العيد كاحتفال ديني جمعي في تجديد روابط الأخوّة والتضامن بين المصريين، وتذكيرهم بالمصير المشترك الّذي يجمعهم، خصوصاً في ظلّ أزمات كبرى تحيط بهم، فمن الغرب أزمة التدخل التركي في ليبيا، وأزمة سدّ النهضة، وتبعات كوّرونا الاقتصادية والصحّية.

ويرى الكاتب المصري، عصام الزهيري؛ "أنّ الأعياد الدينية هي عامل محفز لمشاعر الناس، يصحبها عادات وتقاليد جمعية، تحظى باهتمامهم، وتخلق مساحة مشتركة من التفاعل الاجتماعي".

الكاتب المصري، عصام الزهيري لـ"حفريات": الأعياد الدينية عامل محفز لمشاعر الناس، تصحبها عادات وتقاليد جمعية، تحظى باهتمامهم، وتخلق مساحة مشتركة من التفاعل الاجتماعي، وفي الأضحى تشغل هذه المساحة المظاهر الشعبية للأضاحي

ويضيف الزهيري، لـ "حفريات": "في عيد الأضحى تشغل هذه المساحة، المظاهر الشعبية للأضاحي؛ من شرائها وأسواقها ومحال الجزارة والشواء، وتزيّين هذه الأماكن بالإضاءات والفراشات وخلافه".

ويتزامن العيد مع تراجع منحنى الإصابات والوفيّات بفيروس كوّرونا، والّذي انعكس على مشاعر المصريين تجاه العيد؛ فقلّ الاحساس بالخطر، وزاد التفاؤل بأنّ يكونّ هذا آخر عيد وسط الإجراءات الاحترازية المشدّدة.

وعن تأثير اهتمام المصريين بالأزمات المحيطة بهم على العيد، يقول الزهيري: "الإحساس بتهديدات وجودية وعسكرية على ماء النيل من الجنوب، وعلى الأمن المصري بتمدّد ميليشيات المرتزقة والأتراك من الغرب؛ يعطي الاحتفال بالعيد جرعة قوية من الإحساس بالتضامن الهوياتي الوطني، مع مذاق فرحة الحياة".

يساهم العيد كاحتفال ديني جمعي في تجديد روابط الأخوّة والتضامن بين المصريين

ويردف لـ "حفريات": "لا يجب أنّ نغفل مع ذلك كلّه، عن الآثار الاقتصادية السلبية لأزمة كوّرونا، على عموم المصريين، وتأثيرها على الأضاحي. وكلّ ما سبق جعل الشعور الغالب على المصريين في هذه المناسبة الخاصّة؛ هو أنّهم يعيّشون أيّاماً تاريخية تستدعي تقاربهم، وتلاحمهم الشديد، أكثر من أيّ وقت مضى".

كوّرونا .. حضور اقتصاديّ وصحّيّ

تمثّلت آثار كوّرونا الاقتصادية على مظاهر الاحتفال بعيد الأضحى، في حرمان كثير من أداء شعيرة الأضحية، وعجز أسر عدّة عن شراء ملابس جديدة للعيد. يقول صاحب محلّ لحوم، حامد عبد الواحد: "كلّ عام كنّا نتهرّب من الناس الّذين يريدون ذبح الأضاحي، من كثرتهم، لكنّ هذا العام أعداد قليلة هي من ستذبح أضاحي".

ويضيف حامد عبد الواحد، لـ "حفريات": "في مثل هذا الوقت من العام، كنت أذبح يومياً بقرة، وأبيعها كاملة، وأحياناً بقرّتين، أمّا هذه الأيام فلو تمكّنت من بيع لحوم البقرة في ثلاثة أيّام، اعتبره إنجازاً".

ورغم تبعات كوّرونا الاقتصادية؛ فإنّ الأحوال الاقتصادية أفضل مقارنةً بعيد الفطر الماضي، وتقول رانيا علي، لـ "حفريات": "هناك حركة للإقبال على شراء ملابس العيد، أعلى بكثير من العيد الماضي".

اقرأ أيضاً: مناورات مصرية فرنسية في المتوسط.. التوقيت والدلالات

ولم تغب مخاطر كوّرونا الصحّية عن احتفال البعض بالعيد، إذ يقول أحمد بهجت، مدير إقليمي للموارد البشرية بإحدى الشركات: "منّعتني اصابتي بكوّرونا من شراء أضحية هذا العيد، فرعم أنّي تعافيت لكنّ الأضحية تتطلب مجهوداً، لم أقدّر على القيام به هذا العام".

ويضيف بهجت لـ "حفريات": "مع ذلك سأحافظ على تقاليد الإفطار العائلية، فاشتريت لحوم وكبد الضأن، لشويّها محافظةً على تقاليد إفطار العيد".

التكنولوجيا الّتي غيرتنا

وكان لانتشار التكنولوجيا في مصر آثار كبرى على مظاهر الحياة، ومنها الاحتفال بالأعياد. واختفت كثير من ألعاب الأطفال التقليدية، واختفى طقس احتفالي مهم حرص كثير من المصريين عليه؛ وهو التقاط الصور التذكارية عند المصوّر كلّ عيد، بعد أنّ أصبح بيد كلّ فرد هاتف به أكثر من كاميرا.

كان لانتشار التكنولوجيا في مصر آثار كبرى على مظاهر الحياة، ومنها الاحتفال بالأعياد

ولم تعد الألعاب الترفيهية التقليدية تثير الأطفال. وهناك عادة حافظ كثير من المصريين عليها؛ وهي الذهاب إلى السينما، أو المسارح.

وتقول أستاذة اللغة العربية، منّة هاشم : "العيد بالنسبة لي هو حضور المسرح، منذ الصغر، وهي عادة أحرص على استمرارها"

وتردف لـ "حفريات": "من عاداتنا الّتي نحافظ عليها؛ أنّ تجتمع العائلة ثاني أيام العيد، وفي اليوم الثالث أذهب مع صديقاتي لحضور عرّض مسرحي".

وترتبط الأضحية في الذاكرة الإسلامية بالشكر لله على إنزال كبش الفداء لإسماعيل ابن إبراهيم، عليهما السلام، اللذين اختبرهما الله، بأنّ أمر إبراهيم بذبح ولده، فاستجاب هو وابنه لذلك، ففداه الله بكبش عظيم.

الصفحة الرئيسية