"شيخ العرب"... صوفي حاربته السلفية

مصر والصوفية

"شيخ العرب"... صوفي حاربته السلفية

مشاهدة

16/10/2018

في رحلة لـ "حفريات"، استغرقت حوالي 4 ساعات، انتقلنا أمس لنشهد الاحتفال بذكرى مولد القطب الصوفي، أحمد البدوي، الملقب بـ "شيخ العرب"؛ وهو أحمد بن علي بن يحيى، الذي رحل من مدينة فاس، العام 1199، ووصل إلى مدينة طنطا في مصر العام 1276، وتوفَّى دفن فيها.

ويعدّ مولد البدوي، أكبر احتفال صوفي وشعبي في مصر؛ إذ أحيا الليلة الختامية أمس، الآلاف من محبيه ومريديه، وسط طقوس يؤدّيها المشاركون؛ تبدأ بالطريقة البدوية ذات الراية الحمراء، وتنتهي بكلّ الطرق المدرجة في المجلس الأعلى للطرق الصوفية.

وأحمد البدوي؛ إمام صوفي سنّي عربي، يطلق عليه "ثالث أقطاب الولاية الأربعة لدى المتصوفين"، وفق ما ورد في كتاب عامر النجار "الطرق الصوفية في مصر".

اقرأ أيضاً: تعرف على أبرز الطرق الصوفية في مصر

ينتسب البدوي، من جهة أبيه، إلى الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، وولد بمدينة فاس المغربية، وقد هاجر إلى مكة مع عائلته وهو في السابعة من عمره، في رحلة استغرقت أربعة أعوام، قضوا ثلاثة أعوام منها في مصر، وعندما بلغ الثمانية والثلاثين من عمره، سافر إلى العراق، مع شقيقه الأكبر حسن، ورجع بعد عام واحد إلى مكة، ثم قرر الهجرة إلى مصر، وتحديداً إلى مدينة طنطا، لتكون موطن انتشار طريقته.

على جانبي المسجد؛ تتوزع محلات مخصصة لبيع الحلوى، والزيّ الخاص بالطرق الصوفية

البدوي المثير للجدل

يعد السيد البدوي من أكبر الشخصيات المثيرة للجدل؛ إذ اتهمه معارضوه، ومنهم السلفية، بأنّه قطب شيعيّ، مستشهدين بمقولة لشيخ الأزهر، الإمام مصطفى عبد الرازق، نشرها في مجلة "السياسية" الأسبوعية، بعنوان "المولدان الأحمدي والدسوقي"، أوضح فيها أنّه رجع إلى مخطوطة مغربية ينكر صاحبها أنّ السيد البدوي كان صوفياً، ويثبت أنه كان علوياً شيعياً يهدف إلى عودة الملك العبيدي الفاطمي الشيعي، وأنّ والد البدوي، علي البدوي، كان أحد العلويين من الشيعة الإسماعيلية، وخرج إلى مكة المكرمة نازحاً من بلاد المغرب.

أحيا الليلة الختامية التي تقام سنوياً الآلاف من محبي البدوي ومريديه وسط احتفالات وطقوس من المشاركين

ويقول الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور، في كتابه "السيد البدوي دراسة نقدية": "سبب خروج والد السيد البدوي من مكة ليس ما يتواتر من أنّه رأى هاتفاً في المنام يأمره بالرحيل إلى مكة، لكن لأنّ القرن السادس الهجري شهد جواً من الاضطهاد للشيعة في المغرب، ما جعلهم يتسللون إلى المشرق".

وفي كل عام يستغل السلفيون الحدث لمهاجمة الصوفية، ففي معرض هجومهم على الاحتفالات السنوية للبدوي، نشر السلفيون على موقع "أنا السلفي"، في 26 تشرين الأول (أكتوبر) العام 2010: "أقام البدوي على سطح الدار، لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً، وإذا عرض له الحال، يصيح صياحاً متصلاً، كما تزيّا بزيّ المجاذيب، وظلّ ضارباً اللثامين على وجهه، وكان إذا لبس ثوباً أو عمامة لا يخلعها لغسل حتى تذوب، فيبدلونها له بغيرها، وكان يظلّ طول ليله قائماً شاخصاً ببصره إلى السماء، وقد انقلب سواد عينيه إلى حمرة تتوقد كالجمر، وفي مرّة تبوّل على حصر المسجد، وكشف عورته أمام المصلّين"، مستدلّين بما أورده الحافظ السخاوي، في كتابه "الضوء اللامح لأهل القرن التاسع"، في ترجمة محمد بن محمد بن على بن عبد الرازق الشمسي، أبي عبد الله الغماري، ثم المصري المالكي النحوي، حيث قال: "حدّث المقريزي- أي في عقود- عنه، أي عن الغماري، عن شيخه أبي حيان، قال: "ألزمني الأمير ناصر الخطيب، وعندما أقيمت الصلاة، وضع (الشيخ أحمد) رأسه في طوقه، بعدما قام نائماً، وكشف عن عورته في حضرة الناس، وبال على ثيابه، وعلى حصر المسجد، واستمرّ، ورأسه في طوق ثيابه، وهو جالس، حتى انقضت الصلاة، ولم يصلِّ".

الحجرة الزجاجية للسيد البدوي لا يدخلها إلا كبار الزوار وفي أيام محددة من العام وتوجد فيها آثار باقية من شيخ العرب

وردّ الصوفية على السلفيين بأنّ "السيد البدوي لو كان شيعياً حقاً، ومنتمياً إلى الشيعة الإسماعيلية، كما يزعمون، لكان السابق إلى الدعوة إلى هذه الطائفة، وأما اتهامه بالتجسس والتخطيط السياسي، والتآمر لحساب الدولة الفاطمية، فهذا كذب".

ووفق قول الشيخ ماضي أبو العزائم، شيخ الطريقة العزمية، في حديث خاص لـ "حفريات": "الظاهر بيبرس كان يزور البدوي، وهو معروف بعدائه للشيعة، والبدوي ولد عام 1199؛ أي بعد سقوط الدولة الفاطمية بثلاثين عاماً، فضلاً عن أنّه لم يعمل بالسياسة طول حياته، وأما ما ورد عن تبوّله في المسجد؛ فهو كذب وافتراء".

الاحتفال بمولد البدوي أمام مسجده بطنطا

المشهد الاحتفالي عن قرب

ويستمرّ الاحتفال بمولد البدوي لمدة أسبوع، في ساحة كبيرة، تبدأ من سور المسجد الكبير، الذي يقع في منتصف مدينة طنطا بمحافظة الغربية، حتى فندق عرفة، الذي يستقبل كبار الزوار.

وعلى جانبي المسجد؛ تتوزع محلات مخصصة لبيع الحلوى، والزيّ الخاص بالطرق الصوفية، والأعلام، والآلات المستخدمة في الأناشيد، وسوق كبير لبيع الهدايا ولعب الأطفال.

في منتصف المسجد؛ نجد دائرة كبرى فيها مئات من الناس، يتمايلون على وقع الموشحات الدينية، التي تتوقف بمجرد أن يحلّ ميعاد الصلاة، وتبدأ مرة أخرى طوال اليوم.

يعدّ السيد البدوي من أكبر الشخصيات المثيرة للجدل؛ إذ اتهمه معارضوه، ومنهم السلفية، بأنّه قطب شيعيّ

يوجد في جانب بعيد من المسجد؛ ضريح السيد عبد العال، وهو خليفة السيد البدوي، يلتفّ حوله أيضاً آلاف الزوار؛ حيث يصل عدد زوّار المسجد في هذه الليلة، وفق المجلس الأعلى للطرق الصوفية، ما يزيد عن 500 ألف زائر، من مصر وباقي الدول العربية.

الحجرة الزجاجية للسيد البدوي لا يدخلها إلّا كبار الزوار، وفي أيام محددة من العام، وتوجد فيها آثار باقية من شيخ العرب؛ مسبحته، و4 قمصان كان يرتديها، منها قميص أحمر ارتداه الرئيس الأسبق، أنور السادات، ليتبرك به وهو يتخذ قرار حرب 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1973!

وبسؤالنا إمام مسجد الشيخ البدوي، عن الرداء والتعويذات قال: "هذا الرداء الأحمر لبسه الرئيس السادات، وهو لا يعطَى إلا لكبار الزوار، كما أنّ التعويذات وجدت في حجرة الشيخ السفلية؛ فقد كان يقيم في المكان نفسه الذي دفن فيه"، وأضاف لـ"حفريات": إنّه لا يعرف ماذا يوجد في داخل التعويذات؛ لأنها موضوعة في جيوب من الجلد، ومسجلة في الهيئة العامة للآثار.

اقرأ أيضاً: لماذا لم ينجح التصوف كبديل لجماعات الإسلام السياسي؟

حافظت هيئة الآثار على ملابس أحمد البدوي، وأصلحتها ووضعها في أماكن خاصة، بعيداً عن الجمهور، وعرضت القناع واللثام اللذين كان يرتديهما ليل نهار، دون أن يظهر وجهه للعامة مطلقاً.

بينما يحشد الصوفيّون لمظاهرهم الاحتفالية المستمرة دائماً، يستغل السلفيّون الحدث للهجوم على هذه الطرق؛ للطعن في أصول التصوف ومبادئه وعلومه، بدعوى أنّه غير إسلامي، بل مستمد من ديانات مجوسية وهندوكية ويهودية، وفق زعمهم.


الصفحة الرئيسية