شوكة النكاية والتمكين في الفكر الجهادي المعاصر

شوكة النكاية والتمكين في الفكر الجهادي المعاصر

مشاهدة

10/06/2021

تتميز الحركات الجهادية بالقدرة على صياغة المصطلحات الداعمة لنهجها القتالي، ومن بينها مصطلحا شوكة النكاية، وشوكة التمكين.
بداية، فإنّ كلمة "شوكة" ذاتها لها مدلول لغوي قرآني، حيث وردت في سورة الأنفال (الآية 7) على النحو التالي "وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ".
و"ذات الشوكة"، حسب معجم المعاني الجامع، تعني ذات السلاح والقوة والنفير، وهنا يتجلى حرص الحركات الجهادية على تطويع العبارات التي يستخدمونها بمدلولات قرآنية؛ أي إنّ شوكة النكاية وشوكة التمكين تعني سلاح النكاية وسلاح التمكين.
في عقد التسعينيات
من خلال كتابه "أطر السلفية الجهادية في المملكة الأردنية الهاشمية"، ُيشير د.محمد الطيار إلى اهتمام التنظيمات الجهادية بصياغة المصطلحات القتالية، ويتخذ أبو قتادة الفلسطيني وفكره الجهادي نموذجاً لذلك.

تطرّق أبو قتادة في فلسفته الجهادية إلى شوكة النكاية باعتبارها الصدام المسلح الواضح مع الأنظمة بلا هوادة

بدأ أبو قتادة حياته في جماعة "التبليغ والدعوة" في الأردن قبل أن ينشئ حركة سلفية اسمها حركة "أهل السنة والجماعة"، وقد أعرب عن اهتمامه بقتال العدو البعيد من كفار الغرب (الكفار الأصليين)، لكنه أولى اهتماماً أكبر لقتال العدو القريب (الكفار المرتدين من المسلمين)؛ أي الحكومات وشعوبها، وصاغ الاستراتيجية العامة للجماعات الجهادية في الانقلاب على المنظومة السلطوية والمجتمعية في سبيل تأسيس "الدولة الإسلامية الجهادية" في التسعينيات من القرن الماضي.
فالدولة الإسلامية جهادية في أساسها، حسب الفكر السائد داخل التنظيمات المسلحة؛ حيث إنّ حالة السلم في دولتهم المتخيّلة مرهونة بالانصياع لأمير الجماعة، ولما يقره إسلاماً صحيحاً، يحكم به العوام من الناس، سواء أكان هذا فيه رضاؤهم أم لا، فالعقيدة الجهادية والرباط حتى يوم الدين هو ركيزة "الدولة" التي تقترن بالجهاد المستمر ضد المؤمنين وغير المؤمنين.

اقرأ أيضاً: الجهاديون الأوروبيون.. كيف انتهى بهم الحال في سوريا؟
تطرّق أبو قتادة في فلسفته الجهادية إلى صياغة ما ُيعرف بـ"شوكة النكاية وشوكة التمكين"؛ فيقول إنّ شوكة النكاية هي الصدام المسلح الواضح مع الأنظمة بلا هوادة، وقد يصل الصدام إلى حد حرب العصابات في المناطق المأهولة بالسكان، ومن بعد الصدام الذي يؤدي إلى الانقلاب على الأنظمة، تأتي مرحلة أخرى وهي مرحلة التمكين، التي أسماها شوكة التمكين، والتي لا بد أن يحكم الناس فيها بكافة أشكال القوة، (ويمكن ملاحظة تأثير أدبيات أبي قتادة على التنظيمات المسلحة في الجزائر في التسعينيات).
ويؤكد أبو قتادة، في كتابه "الجهاد والاجتهاد" الصادر عن دار بيارق العام 1999، أنّ اهتمام الحركة الجهادية يجب ألا ينصب على رضاء الجماهير، فليست مهمة الحركات الجهادية توفير السكن أو الخبز أو العمل للمحكومين؛ لأنّها ليست في حاجة إلى رضاء المحكومين، فالجهاديّون سيصلون لسدة الحكم لأنّ الله  تعالى مكّنهم من الأرض، وليس الجماهير.
إدارة التوحش
كتاب "إدارة التوحش" لأبي بكر الناجي أحدث دوياً كبيراً كأحد أهم المؤلفات الجهادية المعاصرة، بالرغم أن هوية المؤلف يكتنفها الغموض؛ لكن يذهب الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، د.هاني نسيرة، في كتابه "الملاذات الآمنة للإرهاب" إلى أنّ أبا بكر الناجي هو الجهادي محمد خليل الحكايمة، مؤسس الجماعة الإسلامية في أسوان بجنوب مصر، وأحد منظري الحركة الجهادية وتنظيم القاعدة، ويرجع نسيرة استنتاجه إلى تطابق الأسلوب في الكتابة.

رغم أنّ فلسفة كتاب إدارة التوحش والفوضى والتمكين تعد نظريات حديثة نسبياً في صياغتها إلا أنّها ليست مستجدة

إلا أنّ الأقوال ماتزال متضاربة حول هوية المؤلف ولا يوجد دليل قاطع عليها، وقد ذهبت بعض الآراء إلى أنّ كتاب إدارة التوحش قد يكون له أكثر من مؤلف؛ لأنّه خرج في صورة إعلان استراتيجي عن تمكين الجهاديين لإقامة الخلافة.
يختلف كتاب "إدارة التوحش" عن غيره من المؤلفات الجهادية، كونه يرسم استراتيجية مكتملة لمراحل التمكين من حكم أراضي المسلمين، وقد تم مُنع الكتاب من التداول في السعودية تحديداً، لكنه انتشر كالنار في الهشيم عبر شبكة الإنترنت، التي يجيد الجهاديون في تنظيم الدولة أو القاعدة إدارة نشاطهم الإعلامي من خلالها.
كما يختلف كتاب إدارة التوحش كذلك عن كتاب "الجهاد والاجتهاد" لأبي قتادة الفلسطيني؛ فالأخير يرى أن الاهتمام بالمحكومين غير ضروري، ويجب ألا تولي التنظيمات الجهادية الاهتمام بالمأكل والمسكن والعمل للشعوب التي ستحكمها، أما كتاب إدارة التوحش، فهو يعتمد على استمالة المحكومين من خلال تأمين أساسيات المعيشة.

اقرأ أيضاً: "الجهاد والشركة: الأسواق السوداء والقوة الإسلامية"
يُقسم كتاب "إدارة التوحش" مراحل التمكين إلى ثلاث مراحل:
أولا:
شوكة النكاية والإنهاك، وتعتمد هذه المرحلة على قتال الجيوش النظامية التي يحكمها الطاغوت المرتد، بحيث تُنهك القوات النظامية ولا تقوى على التقاط الأنفس، مما يسهل للجهاديين الانتشار والتمركز في مناطق الإنهاك، وعادة هي مناطق جغرافية مختارة بعناية وغالبيتها في الأطراف الجغرافية لا في العمق مباشرة (كالسياسة التي يسعي الجهاديون إليها في سيناء).
ثانيا: إدارة التوحش إثر عموم الفوضى، وتعتمد على إدارة الفوضى الناجمة عن إنهاك القوات النظامية والمؤسسات الحكومية، تُسمى هذه المرحلة بـ "إدارة التوحش"، حيث تعم الفوضى ومن بعدها التوحش الناجم عن غياب الأمن النظامي، وهنا تقوم الفرق الجهادية بإدارة التوحش من خلال نشر الأمن الداخلي، أي أنّها تحل محل القوات النظامية وتحتل مواقعها رويداً رويداً.

اقرأ أيضاً: النسائية الجهادية.. هل هي حقاً ظاهرة عابرة؟
وتسعى التنظيمات الجهادية في مرحلة إدارة الفوضى إلى توفير العلاج والطعام للجماهير، وإقامة القضاء الشرعي بين الناس، وصد غارات الأعداء (أي القوات النظامية)، واستكمال إنشاء أجهزة أمنية صغيرة في المناطق المدارة، وبث العلم الشرعي والتصدي لأي مناهض لحكم الله وشرعه.
أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة شوكة التمكين وإقامة الخلافة، وتعتمد على البناء الاقتصادي للإمارة الإسلامية، وتتطلب الإغارة على الأعداء للحصول على الغنائم، مع التركيز على الأهداف الاقتصادية لشل حركة القوات النظامية، والسيطرة على حقول النفط أينما وُجدت في منطقة الفوضى، ومن ثم تأتي مرحلة التمكين وإقامة "الخلافة الإسلامية".
استحضار زمن الغزوات
هذه الإستراتيجية في الحرب يراها البعض عسكرية حديثة، إلا أنّها -إن تأملنا ما جاء فيها- محاولة حديثة لاستلهام محرف لماضي الغزوات في عهد النبوة وغاياتها.
هنا نذكر ما أشار إليه محمد فراج في كتابه "العبقرية العسكرية في عهد الرسول" الصادر العام 1963؛ فالغزوات استهدفت إضعاف القوة الاقتصادية للعدو المحارب، واعتمدت على الحصار الذي يعرف في عصرنا بالتطويق الأمني.

يختلف كتاب إدارة التوحش عن طروحات أبو قتادة باعتماده على استمالة المحكومين من خلال تأمين أساسيات المعيشة

كما يشير نزار أباظة في كتابه "تحت راية الرسول" (2011 ) إلى أنّ الحرب الاقتصادية والحصار العسكري أضعف قوة قريش في عهد النبوة، هنا يتراءى لنا أن كتاب إدارة التوحش– بالرغم من لغته المتطورة عسكرياً– ما هو إلا امتداد للحركات الجهادية المعاصرة التي أرادت –زوراً وبهتاناً- خلق صورة وقناعات ذهنية بأنها على منهج السلف الصالح؛ لأنّ السلف كان سلف الجهاد، وأن حروبهم مستلهمة من غزوات الرسول الكريم.
في هذا الصدد، اعتمد كتاب إدارة التوحش على مفردات قرآنية واضحة مثل؛ الطاغوت وضرب الأعناق والجاهلية وحدود الله وغيرها، واعتبر أي مواجهة رافضة لتلك الحركات الجهادية اعتداء على الماضي المقدس.
بالرغم أنّ فلسفة كتاب إدارة التوحش والفوضى والتمكين تعد نظريات حديثة نسبياً في صياغتها، إلا أنّها ليست مستجدة؛ أي إنّ الفكرة موجودة من قبل صياغة المصطلحات، حيث استخدمت أعتى التنظيمات الجهادية فلسفة الفوضى من أجل التمكين في حروبها القتالية ضد القوات النظامية والمنشآت المدنية واستهداف المدنيين، ومنها: جماعة السلفية للدعوة والقتال (الجزائر)، الجماعة المغربية المقاتلة (المغرب) وكلاهما أصبح فيما بعد جزءاً من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والجماعة الليبية المقاتلة (ليبيا)، والجماعة الإسلامية في مصر (قبل تقديم ما أسمته بالمراجعات الفكرية)، وتنظيم (داعش)، وجماعة شباب المجاهدين (الصومال)، تنظيم القاعدة (تنظيم عالمي)، جبهة النصرة (سوريا) وجماعة أنصار الشريعة (تونس)، وجماعة أهل السنة والجهاد في نيجريا المعروفة باسم (بوكو حرام) ومعناها باللغة الهوسية "التعليم الغربي حرام" وغيرها من التنظيمات التي تظهر بمثابة بؤر قابلة للتوسع الجهادي.

اقرأ أيضاً: كيف وظفت السلفية الجهادية مفهوم الطاغوت في القرآن الكريم؟
مواجهة شوكة النكاية والتمكين في الفكر الجهادي تُعد مهمة عتيدة، باعتبارها ليست مهمة عسكرية فحسب؛ ولكن كونها تعتمد على رؤية شرعية ومدعمة بفكر جهادي من القرآن الكريم والسنة النبوية لاستقطاب الشباب المتحمّس لنصرة الله تعالى، حسب قناعاتهم، وهذا يقود إلى معالجة استباقية من خلال مشروع يواجه هذه الأفكار في المهد قبل أن تتطور لمراحل حمل السلاح و التجنيد.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية