سيكولوجية الخوف: كيف تؤثر على الجماهير؟

سيكولوجية الخوف: كيف تؤثر على الجماهير؟

مشاهدة

21/09/2020

لطالما كانت الطبيعة منذ بدء الخليقة سبباً محوريّاً لخوف البشر من المجهول، لكنّ ذلك الخوف  بدأ ينحسر -لا يختفي- مع تقدّم البشرية ومقدرة الإنسان على التنبؤ بتقلبات الطبيعة، إن لم تكن جميعها فمعظمها، وما تبع ذلك من إرساء سياسات لإدارة الأزمات وتقليل الخسائر بالمقارنة مع الأزمنة السابقة.

هذا التقدّم العلمي لم يمحُ تماماً تفسير الإنسان لهذه التقلبات المناخية والجيولوجية بشكل أسطوري، فمازال البعض ـومنهم المتعلمون- يعتبرونها غضبة من السماء وجزءاً من السنن الكونية، التي أتت لتنتقم من  البشر على معاصيهم الدنيوية، وهي تصوّرات دينية قديمة تستند إلى فلسفة خصوص الذنب وعموم العقاب.

سياسة الترهيب وصنع سيكولوجية عامة للخوف قد تؤثر حين تقنع الجماهير بالتخلي عن هامش من الحرّية مقابل الأمان

يتجلى أثر سيكولوجية الخوف -من عموم العقاب- في تعقب الجمهور العريض لبعض الأفراد   الذين يخرجون عن طوع الجماعة وأعرافها، وتُعدُّ اختياراتهم الشخصية بمثابة المعصية، فيسعى الجمهور لتقويم هؤلاء الأفراد، حتى لا تُنزل السماء العقاب الإلهي على الأرض ومن عليها.

أي إنّ سيكولوجية الخوف والترهيب من العقاب السماوي الجمعي، قد تكون هي نواة تعصب البشر ضد غيرهم، والمبرر المنطقي في أذهانهم للتنكيل بالآخرين المغايرين، فتنكمش مساحات الحرية الشخصية ويتعاظم دور التنكيل باسم الله في سبيل المصلحة العامة.

اقرأ أيضاً: ما لا تعرفه عن سيكولوجيا الطابور.. انتظار العدالة في سجن مؤقت

هكذا تربط الجماهير بين ما تعيشه من تلوث وفقر وفساد وديكتاتورية وكوارث بيئية، وبين عدم الامتثال للصراط المستقيم، بدلاً من البحث في الأسباب المنطقية لتردّي أحوالها، وكانت هذه الحالة جزءاً ممّا رصده الأدب العالمي القديم منذ القرن السادس عشر من خلال كتابات السير توماس مور عن المدينة الفاسدة أو الـ (الديستوبيا Dystopia) في قصته الخيالية الساخرة (يوتوبيا).   

يتحوّل هذا الخوف من المعصية إلى رهاب (فوبيا) من عدم الخشوع لله، وما يليه من لعنات في الحياة الدنيا، وقد تستخدمه السلطة السياسية أو الثورية المعارضة أو الدينية على حد سواء، بهدف  استمالة الجماهير وترهيبهم من (الديستوبيا)، كلما تراءى لهم مصلحة في ذلك. 

الخوف من الله، ولعنات هذا الخوف على الرعية، وما يتبعه من ترهيب للآخرين، حالة سيسيولوجية قام برصدها الباحث (بويد بارسيل) في كتابه الصادر العام 2008 وعنوانه: Spiritual Terrorism  الإرهاب الروحاني: الابتزاز الديني من المهد إلى اللحد، ويُعدّ الابتزاز المعنوي بالعقاب الإلهي بمثابة ظاهرة عابرة للأديان، أي ليست حكراً على عقيدة بعينها.

سيكولوجية الخوف وأثرها في الدعاية السياسية   

لطالما استُخدمت العقيدة الدينية في حشد الجماهير في المعارك السياسية والحزبية، وغالباً ما يتمّ حشد الجماهير تجاه اختيارات تبدو دفاعاً عن الله وصحيح دينه، من خلال الدعوة إلى انتخاب ساسة يدافعون عن التقية والإيمان على الأرض.

اقرأ أيضاً: ما بين موسوليني وأردوغان... التوظيف السياسي لمشهدية السيف

 حتى وإن لم ينتمِ هؤلاء الساسة بشكل مباشر إلى جماعات دينية، إلا أنّ التلويح بالدين والحفاظ عليه واستقراره في المجتمع ضدّ المهرطقين، كان من أكثر الأساليب شيوعاً في تطويع سيكولوجية الخوف لدى الجماهير لخدمة الأغراض السياسية.

 لكن لم تلجأ السلطة المعاصرة إلى الدين فقط كوسيلة للدعاية، وإنما لجأت كذلك إلى رسائل الخوف المباشرة، ولعل تطويع الأطفال الصغار في مثل هذه الدعاية يلقى تأثيراً كبيراً في النفوس.    

ومن بين أشهر تلك الدعاية السياسية الإعلان التلفزيوني المعروف بفتاة زهرة الأقحوان Daisy Girl  في العام 1964، الذي تمّ تصويره لصالح حملة الرئيس الأمريكي آنذاك    (ليندون جونسون)، وفيه فتاة تقطف زهرة وسط بستان كبير، بينما تتطلع للمستقبل وترفع رأسها نحو السماء قبل أن يرى الجمهور في عينها انعكاساً للسلاح النووي، مصحوباً بتعليق صوتي يقول: "إمّا أن نصنع عالماً من أجل أولاد الرب، وإمّا أن نسير نحو الظلام"، وينتهى الإعلان بضرورة التصويت لصالح (جونسون) حتى لا يعمّ الظلام.    

والخطر المحتمل الذي تمّت الإشارة إليه ضمنياً كان قائماً على تعليق لمنافسه (باري غولد واتر)، حين صرّح باحتمالية استخدام السلاح النووي حماية لأمريكا، لكن بالتمعن في الخطاب السياسي بشكل عام، نجد أنّ كليهما سعى لتطويع سيكولوجية الخوف لصالحه في الحملة الانتخابية الرئاسية.

سيكولوجية الخوف ما بين الواقع والمُتخيل  

ثقافة الخوف Culture of Fear  هو عنوان كتاب نُشر في العام 1997 للأكاديمي المجري الأصل (فرانك فرويدي)، وهو متخصص في سيكولوجية الخوف وأثرها في تنشئة الأطفال من ناحية، وكذلك في تحريك الجموع بغرض يخدم السياسة العامة من ناحية أخرى. يقول  فرويدي: إنّ ثقافة الخوف هي ثقافة ابتزاز معنوي، تستند إلى التلاعب على وتر الخوف المتخيل أو الوهمي في أذهان الجموع، بل وتعزّزها فتصنع حالة تُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ Fear psychosis  أو ذهان الخوف، وهي حالة يصل بها الخوف إلى الخراف الذهني.  

ثقافة الخوف تلك قد تؤدي إلى التسلط والفاشية وتبرير الاستبداد، إلى الدرجة التي قد يلجأ فيها بعض الناس  إلى تأصيل الحكمة من وراء الممارسات الاستبدادية.

اقرأ أيضاً: المثقف والسلطة: في سبيل من يجب أن تضحي الجماهير؟

 تهدف ثقافة الخوف إلى اتخاذ الجمهور ظهيراً شعبياً داعماً للاستبداد، وهو الظهير الذي ينقلب على أيّ شخص شارد عن الانصياع للسلطة، هكذا يتمّ تطويع خوف الجماهير في صالح البطش بغيرها من الجماهير المعارضة، فثقافة الخوف من التغيير السياسي قد تؤدي إلى الاستهانة بمظالم الآخرين، بل واتهامهم بالعمالة والخيانة.

لكن على الرغم من نظرية فرويدي الجديرة بالاهتمام، والتي تركز على سيكولوجية الخوف التي تدفع الجماهير المرتعدة إلى التحرك ضد ما يثير رعبها، وعلى الرغم من أنّ تاريخ البشرية يزخر بتطويع خوف الجماهير في سبيل مصالح سلطوية تخدم النخبة الحاكمة   ومصالحها الاقتصادية، إلا أنّ هذا لا يعني بالضرورة أنّ الخوف مُتخيل في كل الحالات، فهناك خوف له أسباب منطقية، ويستند إلى تحليل معطيات الحاضر.

على سبيل المثال لا الحصر، فإنّ تحليل المعطيات في العام 1979 في إيران كان يشير إلى تراجع حقوق المرأة التشريعية في ظلّ ما سُمّي بالثورة الإسلامية، واتُهمت مسيرات النساء في إيران ضدّ سياسات الخميني الجديدة بأنها مخاوف متخيلة ولا أساس لها من الصحة.

اقرأ أيضاً: لوم الضحية: موروث اجتماعي أم اضطراب سلوكي؟

 لكنّ الواقع تماهى مع المخاوف فيما بعد، فتمّ منع النساء القاضيات من اعتلاء منصة المحكمة،  وتمّ إعدام وزيرة التعليم (فرخ رو بارسا) كونها تدعم حقوق النساء، وأصبح ارتداء النساء للشادور إجبارياً، كما تمّ تقليل سنّ الزواج، ومنع سفر الزوجة دون إذن زوجها الكتابي، كما تمّ  إلغاء مشروع حماية الأسرة الذي عدّه الخميني سهماً في قلب الشريعة الإسلامية. 

لهذا ليست كل المخاوف التي تُحرّك الجمهور بلا أسانيد، فبعضها ليس متخيلاً، حتى وإن كانت هناك حالات أخرى يتمّ فيها استغلال المخاوف لأسباب سياسية تتعلق بالانصياع التام للسلطة   وخلق صورة "المُخلـّص من الشر" في أذهان الجماهير. 

وهناك حالة ثالثة يكون فيها الخوف مؤسساً بالفعل على الواقع وليس الوهم، ولكن تتمّ المغالاة فيه، فعلى سبيل المثال، دخول الكهرباء إلى المنازل أثار تخوفات كثيرة في أزمنة قديمة، على اعتبار أنّ الإنسان قد يصاب بالصعق، لكنّ الكهرباء الحديثة آمنة، وقد أفادت البشرية وعملت على راحة الإنسان، ولا تصيبه بالصعق إلّا إذا لم ينتبه لتعليمات الأمان، مثل ملامسة الكهرباء للماء مثلاً.  

العزلة الاجتماعية ودورها في صناعة الخوف

في كتابها (السلطة والمعارضة في البرازيل) الصادر في العام 1985، تقول الباحثة (ماريا هيلينا ألفيز): إنّ ثقافة الخوف الممنهج كانت جزءاً من القمع السياسي منذ العام 1964، وقامت برصد تحركات الأجهزة الأمنية، التي جعلت من النشاط السياسي أو الأدبي أو الحقوقي مرادفاً لانعدام الوطنية.

التمعّن فيما طرحته (ألفيز) لا يعني بالضرورة التسليم بأنّ كلّ معارض نقي وحسن النوايا، لكن لا يعني بالضرورة أنّ كلّ من يئن من ظروف اجتماعية واقتصادية أو لديه مظلمة، هو شخص يسعى لهدم استقرار مجتمعه، وليس بالضرورة مرتزقاً مموَّلاً.   

كتاب (ألفيز) ربما يهتمّ بالسياسات القمعية كوسيلة للترهيب من ناحية، كما يهتمّ بصناعة سيكولوجية الخوف من المجهول من ناحية أخرى، وهذا هو الخط الأساسي في معظم الدراسات المماثلة، لكنّ هناك وجهاً آخر لصناعة الخوف لا نجده متوفراً في العديد من الدراسات الاجتماعية، ويتمثل في تفريغ الدائرة وفرض عزلة اجتماعية من حول الحقوقيين أو الرافضين للاستبداد السلطوي أو الديني.

 هنا يتمّ تطويع سيكولوجية الخوف ليس ضد الحقوقيين، وإنما ضد أصدقائهم وذويهم، وربط ترقيتهم الوظيفية وسلامتهم الاجتماعية والحفاظ على مورد أرزاقهم بالتبرّؤ من الخطاب الحقوقي العابث ومن يتبنّاه.

متى تفشل بروباغندا الخوف؟

تستند صناعة بروباغندا الخوف (أياً كان مصدرها) إلى القتل المعنوي، لكنها قد تفشل حين  تتحوّل إلى دافع للمقاومة وليس التسليم للخوف، أي قد يقوّي الخوف شوكة من يتعرضون للترويع، وهي النظرية التي أثارها الباحث (بيل كيب) في كتابه الصادر في العام 2005  Turning power into fear : The Fast Defense System  (تحويل الخوف إلى قوة: منظومة الدفاع السريع).

الجماهير تنصاع لبروباغندا الخوف وترفض تغيير المنظومة السياسية طالما لديها ما تدافع عنه

سياسة الترهيب وصنع سيكولوجية عامة للخوف قد تكون مؤثرة بشكل كبير حين تقنع الجماهير بالتخلي عن هامش من الحرّية في مقابل الأمان، أو في مقابل مورد رزق قليل لكن متوفر. لكنها تفشل وتنقلب على صاحبها حين يفقد الجمهور الأمان أو ما كان يخشى فقدانه من رزق، فالجماهير تنصاع لبروباغندا الخوف وترفض تغيير المنظومة السياسية، طالما لديها ما تدافع عنه، وحين تفقد الحد الأدنى من مأوى أو أمان، أو تواجه ضيق سبل العيش في ظلّ ضرائب متصاعدة، قد تتخلى عن خوفها من المجهول، أو على الأقل تصبح لا مبالية، بل ساخرة من بروباغندا صناعة الخوف الشعبي، وما يتبعه من شعارات الطاعة والانتماء. 

هل هناك وجه إيجابي لسيكولوجية الخوف؟

لطالما كان أثر الخوف في نفوس البشر مثاراً للدراسات الاجتماعية، وكان هناك تركيز على المنظومة السياسية والدينية تحديداً، لكنّ هناك إطاراً بحثياً جديداً بدأ يسعى لفهم الأثر الإيجابي لرسائل الخوف، التي تتحوّل إلى وعي من المخاطر لكن بدون ترويع، ومن بينها، على سبيل المثال، الدعاية الإعلانية التي تحذّر من كتابة الرسائل النصية أثناء القيادة.

كان ذلك موضوع دراسة مشتركة حديثة، عنوانها: Appealing to fear  (نداءات الخوف) في العام 2015، وفيها تقول الباحثة (ميلاني تاليبوم): إنّ الهدف من الترهيب قد يكون لأهداف استقطابية سياسية، لكنّ هناك وجهاً آخر يعتمد على إظهار المخاطر والتوعية ضدّها، وهناك ضرورة للتمييز بين الحالتين.  

الصفحة الرئيسية