
خلف الملصق الصغير الذي يحمل كلمة "حلال" على عبوات الغذاء والدواء ومستحضرات التجميل، تشكّل خلال العقدين الأخيرين اقتصاد عالمي واسع، تُقدَّر قيمته اليوم بأكثر من (7) تريليونات دولار، وفق تقديرات مؤسسات بحثية دولية. هذا الاقتصاد، الذي يُفترض أن يقوم في جوهره على معايير دينية وتنظيمية تتعلق بسلامة الاستهلاك واحترام الخصوصيات الثقافية، تحوّل تدريجيًا إلى سوق متشعب يمتد من الصناعات الغذائية إلى السياحة والخدمات المالية والتأمين، وصولًا إلى قطاعات التكنولوجيا والتجارة العابرة للحدود.
غير أنّ هذا التوسع السريع، الذي جعل من الحلال علامة تجارية عالمية أكثر منه توصيفًا دينيًا تقليديًا، فتح في الوقت ذاته الباب أمام إشكاليات معقدة تتعلق بالحوكمة والرقابة والشفافية. تقارير بحثية وأكاديمية حديثة حذّرت من أنّ غياب إطار تنظيمي دولي موحد لسوق الحلال، وترك عملية منح الشهادات والاعتماد لجهات متعددة ذات خلفيات دينية وتجارية متباينة، خلق فراغًا يمكن استغلاله ماليًا وإيديولوجيًا، بما في ذلك من قبل جماعات متشددة، على رأسها جماعة الإخوان المسلمين.
شبكة مالية ضخمة
وفق تقرير صادر عن مؤسسة Research and Markets في كانون الثاني (يناير) 2025، من المتوقع أن يتجاوز حجم سوق الأغذية الحلال وحده حاجز (2) تريليون دولار بنهاية العام الجاري، مع معدل نمو سنوي يصل إلى 14.4%. هذا النمو المتسارع يعكس زيادة الطلب العالمي، ليس فقط من المستهلكين المسلمين، بل أيضًا من شركات دولية رأت في علامة حلال أداة تسويقية للوصول إلى أسواق جديدة في آسيا وأفريقيا وأوروبا.
لكنّ التقرير نفسه، إلى جانب دراسات أخرى، يشير بشكل غير مباشر إلى أنّ هذا الاتساع السريع سبق بناء منظومة رقابية متماسكة. فلا توجد جهة دولية واحدة مخولة بوضع معايير موحدة للحلال أو الإشراف على تطبيقها، بل تتوزع هذه المهمة بين مئات الهيئات المحلية والإقليمية، بعضها حكومي، وبعضها خاص، وبعضها مرتبط بجمعيات دينية أو بمراكز إسلامية تعمل خارج أيّ رقابة مالية صارمة.
هذا الواقع هو ما تناولته عالمة الأنثروبولوجيا الفرنسية فلورنس بلاكلر في كتابها المرجعي سوق الحلال، حيث رأت أنّ مفهوم الحلال لم يعد معيارًا دينيًا ثابتًا، بل أصبح نتيجة تفاوض مستمر بين فاعلين دينيين وتجاريين وتنظيميين. ووفق تحليلها، فإنّ الحلال في صورته المعاصرة لم يعد مجرد حكم فقهي، بل تحوّل إلى أداة اقتصادية تُدار وفق منطق السوق، حيث تتقاطع المصالح التجارية مع الخطابات الدينية.
في هذا السياق برزت جماعة الإخوان المسلمين كأحد أكثر الفاعلين قدرة على التكيف مع هذا النموذج. فالجماعة، بحسب باحثين متخصصين في شؤون الحركات الإسلامية، لم تدخل سوق الحلال باسمها المباشر، بل اعتمدت على شبكة واسعة من الواجهات القانونية، شملت جمعيات خيرية، ومراكز إسلامية، وغرف تجارة، وهيئات تمنح شهادات الحلال مقابل رسوم مالية مرتفعة.
مسارات مالية معقدة
هذه الهيئات، التي تعمل في كثير من الدول الغربية تحت أطر قانونية مشروعة، تحولت إلى مصدر دخل ثابت، في ظل الطلب المتزايد من الشركات الراغبة في الحصول على اعتماد حلال لتسويق منتجاتها. الرسوم التي تُحصَّل مقابل إصدار الشهادات أو تجديدها تمثل، وفق تقديرات غير رسمية، ملايين الدولارات سنويًا في بعض الدول الأوروبية وحدها.
الجزء الإشكالي، وفق تقارير أمنية وأكاديمية، لا يكمن فقط في حجم الأموال المتداولة، بل في مسارات إنفاقها. فجزء من هذه العائدات يُعاد ضخه في تمويل أنشطة مراكز إسلامية وجمعيات تعليمية وثقافية، يُتهم بعضها بلعب دور مباشر أو غير مباشر في نشر إيديولوجيا جماعة الإخوان، وبناء شبكات نفوذ داخل المجتمعات المسلمة في الغرب، مستفيدة من غطاء العمل الديني والخيري.
عدد من الباحثين في شؤون التطرف أشاروا إلى أنّ سوق الحلال توفر بيئة مالية مرنة نسبيًا، مقارنة بقطاعات أخرى أكثر خضوعًا للرقابة. فالتعاملات تتم غالبًا عبر جمعيات غير ربحية أو مؤسسات صغيرة ومتوسطة، وهو ما يجعل تتبع التدفقات المالية أكثر تعقيدًا، خاصة في ظل تفاوت القوانين المنظمة للعمل الخيري والديني بين دولة وأخرى.
في أوروبا، على سبيل المثال، تختلف معايير الاعتراف بهيئات منح شهادات الحلال من بلد إلى آخر. ففي بعض الدول لا تخضع هذه الهيئات لأيّ إشراف حكومي مباشر، طالما أنّها تعمل كجهات خاصة. وهذا الوضع سمح بظهور عشرات الكيانات التي تمنح شهادات حلال دون معايير موحدة، ودون شفافية كافية بشأن هياكلها الإدارية أو مصادر تمويلها.
التقارير التي تناولت نشاط جماعة الإخوان في هذا المجال تشير إلى أنّ الجماعة استفادت من هذا التشتت التنظيمي لبناء شبكة اقتصادية عابرة للحدود، يصعب ربطها مباشرة بالتنظيم الأم. فالعلاقة بين الهيئات المانحة للشهادات والمراكز الإسلامية والجمعيات الخيرية غالبًا ما تكون غير معلنة، لكنّها تقوم على تقاطع في الكوادر الإدارية أو في المرجعيات الفكرية.
من منظور اقتصادي بحت تمثل سوق الحلال أحد أسرع القطاعات نموًا في الاقتصاد العالمي، مدفوعًا بزيادة عدد السكان المسلمين، وتغير أنماط الاستهلاك، ودخول شركات متعددة الجنسيات إلى هذا المجال. غير أنّ هذا النمو، في غياب حوكمة فعالة، يحمل مخاطر تتجاوز المنافسة التجارية غير العادلة، لتصل إلى قضايا الأمن القومي في بعض الدول.
إعادة صياغة آليات المراقبة
عدد من الحكومات الغربية بدأ بالفعل في إعادة النظر في آليات الرقابة على قطاع الحلال، ليس من زاوية دينية، بل من زاوية مالية وأمنية. النقاش الدائر يتركز حول كيفية ضمان ألّا تتحول هذه السوق إلى قناة غير مباشرة لتمويل أنشطة متشددة، دون المساس بحرّية الدين أو بحقوق المستهلكين.
في المقابل، ترى أطراف داخل المجتمعات المسلمة أنّ تعميم الشبهات على سوق الحلال يحمل مخاطر أخرى، منها تشويه قطاع اقتصادي يوفر ملايين فرص العمل، ويمثل مصدر دخل رئيسيًا لشركات وأسر مسلمة وغير مسلمة على حد سواء. هذه الأطراف تدعو إلى الفصل بين الاستخدام المشروع لمفهوم الحلال، وبين استغلاله من قبل جماعات بعينها.
الجدل الدائر يعكس إشكالية أوسع تتعلق بكيفية تنظيم اقتصاد ذي مرجعية دينية في عالم معولم، تحكمه قواعد السوق الحرة. فبينما يُفترض أن يلتزم الحلال بمعايير أخلاقية وتنظيمية صارمة، فإنّ الواقع أظهر أنّ غياب جهة مرجعية دولية فتح المجال لتفسيرات متعددة، بعضها يخضع للاعتبارات التجارية، وبعضها الآخر للأجندات الإيديولوجية.
تجربة جماعة الإخوان في هذا المجال تقدّم نموذجًا لكيفية توظيف الاقتصاد في خدمة التنظيم دون الحاجة إلى نشاط سياسي مباشر. فبدلًا من الصدام مع السلطات، تُبنى شبكات نفوذ ناعمة عبر الاقتصاد والتعليم والعمل الخيري، وهو ما يمنح الجماعة حضورًا طويل الأمد داخل المجتمعات المستهدفة.
في ضوء هذه المعطيات يخلص باحثون إلى أنّ التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم سوق الحلال أو تنوعه، بل في غياب الشفافية والمعايير الموحدة. فاقتصاد تُقدَّر قيمته بتريليونات الدولارات لا يمكن أن يظل خاضعًا لمنظومة رقابية مجزأة، خاصة في ظل تزايد المخاوف من استغلاله لأغراض تتجاوز التجارة والاستهلاك.
المرحلة المقبلة، وفق تقديرات خبراء، ستشهد تصاعدًا في الجدل حول إنشاء أطر تنظيمية دولية لسوق الحلال، أو على الأقل تعزيز التنسيق بين الدول في ما يتعلق بالرقابة المالية وهيئات الاعتماد. هذا المسار، إن تحقق، قد يحدّ من قدرة التنظيمات المتشددة على استخدام بيزنس الحلال كغطاء مالي، ويعيد إلى السوق جزءًا من وظيفتها الأصلية المرتبطة بالسلامة والشفافية واحترام المستهلك.
في النهاية، تبقى سوق الحلال مرآة لتعقيدات التداخل بين الدين والاقتصاد والسياسة في العصر الحديث. فبينما تُسوَّق بوصفها خيارًا استهلاكيًا أخلاقيًا، تكشف الوقائع أنّ غياب التنظيم الصارم قد يحوّلها إلى مساحة رمادية، تستفيد منها أطراف متعددة، ليس بالضرورة أن تكون جميعها ملتزمة بالمعايير التي يُفترض أن تقوم عليها هذه السوق.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%AF%D9%8A00_0_1_2.jpg.webp?itok=Q6ja-W4e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_47_0_0_0_0_0_2.jpg.webp?itok=yqx_JVgr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_2.jpg.webp?itok=A26htgBk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A8%D8%A7%D8%A8_2_1.jpg.webp?itok=LS4vksi3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1_0.jpeg.webp?itok=xmaAo0-p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_0.jpg.webp?itok=oZpbelbE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_1_5.png.webp?itok=N7vTxCHd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%8A%D8%A9_1_0.jpg.webp?itok=BBxHCpzi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ql_0_0_0.jpg.webp?itok=PEM71CP9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1.jpeg.webp?itok=4mix_d6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_1_0_2_2_0.jpg.webp?itok=7N1H041E)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1.jpg.webp?itok=6IDmY_tx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%B5_0_1.jpg.webp?itok=z-4b6aCD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/9ac9f2d8-fccc-4485-88bc-f0133e15bb31.png.webp?itok=3fQUQuIy)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)