سليمان بشير ديان.. الفلسفة ليست غريبة عن الإسلام

سليمان بشير ديان.. الفلسفة ليست غريبة عن الإسلام

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
29/04/2018

سليمان بشير ديان؛ فيلسوف سنغالي، أستاذ الفلسفة، ومدير برنامج الدكتوراه في قسم اللغة الفرنسية في جامعة كولومبيا في نيويورك.

في هذا العمل، "الفلسفة ليست غريبة عن الإسلام"، الذي أعيد إصداره للمرة الثالثة، يكشف المؤلف سليمان بشير ديان (Souleymane Bachir Diagne) عالم وثراء الفلسفة في الثقافة الإسلامية؛ ففي الواقع، ليست الفلسفة غريبة عن الإسلام، و"ليست التعبير الطبيعي عن أيّة ثقافة بعينها، ولا عن أي دين بعينه"، ويُذكّر المؤلف، في مقدمة كتابه، بعالميّة الفلسفة وأهميتها، لمواصلة "الكفاح من أجل تنوير التعليم ضدّ روح الانغلاق والتعصب الديني الذي يؤدي إليه"، ويذكّر ديان بأهمية الترجمة العربية للأعمال اليونانية في نقل الفكر الفلسفي إلى قلب العالم الإسلامي.

التفلسف في الإسلام ليس استثناء عن القاعدة

يسعى أستاذ الفلسفة إلى فصل المنطق الفلسفي عن أيّ انتماء إلى دين أو هوية. لذلك؛ فإنّ التفلسف في الإسلام يعني في المقام الأول "السعي في الكون الثقافي الإسلامي إلى مواصلة وتكريس الحوار الصريح، الذي يتمّ فيه خلق الفلسفة بشكل مستمر، وفي كلّ مكان".

التفلسف في الإسلام إذاً ليس استثناء عن القاعدة، إنّه أيضاً، بالنسبة إلى المؤلف، استخدام أدوات التفكير نفسها التي تؤسِّس للمسار الفلسفي.

التفلسف في الإسلام هو، قبل كلّ شيء، التفكير من أجل الحركة والانفتاح، والعمل من أجل التفكير التعددي

الفكر النقدي يقع في صميم النصوص القرآنية التي تدعو إلى التأمّل: "النص القرآني، في كثير من الأحيان، يشير إلى أنّ بعض مقاطعه غير بيّنة وجليّة بتاتاً، بالنسبة إلى أولئك الذين يريدون الالتزام بمضمونها الحرفي، وبأنّها تحضّ على التفكّر كلَّ أولئك الذين يعرفون كيف يُفكّرون": {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (21 الحشر)، {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (٤٤النحل(، {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} (13 آل عمران).

 صورة غلاف كيف نفلسف في الإسلام

وكيف لا نُفلسِف؟

بعد وفاة النبي محمد، صلّى الله عليه وسلم، عام 632 في المدينة المنورة، نشأت مسائل فلسفية، خاصة حول خِلافته: من الذي ينبغي أن يقود الأمة الإسلامية؟ أي بعبارة أخرى: "ماذا يعني قيادة الأمة بصفة خليفة للنبي؟ أي نيابة عن مشرّع كان يتحدث باسم الله"، هذا التأمل السياسي الجديد هو الذي يسائل دورَ التفكير الفلسفي في النص القرآني، ففي رأي المؤلف، التأمل الفلسفي قد أتى وولد في وقتٍ مبكّر جداً في الثقافة الإسلامية.

رُؤيا الخليفة المأمون

في هذا الجزء، يحلّل الفيلسوف الالتقاء بين الفلسفة اليونانية والعالم الإسلامي، هذا اللقاء ترمزُ إليه قصة الحلم المستوحى من قبل الخليفة المأمون (786-833)، هذا الأخيرُ رأى في المنام الفيلسوف أرسطو الذي كشف له أنّ "الحقيقة يجب أن تَظهر للعقل قبل أن يثبتها الوحي"، هذه الرؤية التي رآها الخليفة المأمون، كان هدفها، وفق جان جوليفيه (Jean Jolivet) (أخصائي في فلسفة القرون الوسطى) "أن تحلَّ في الوقت نفسه مسألة التوتر القائم بين رغبة العالم الفكري الإسلامي في الانفتاح على الفكر اليوناني، وبين تردّده في الذهاب نحو حكمة غير حكمة الوحي القرآني المكتملة والكافية بالضرورة".

مساهمة المسيحيين واليهود في ترجمة الفلسفة اليونانية

بعد هذا الحلم الملهم، اتّخذ المأمون قرار إنشاء مؤسسة مخصصة للعلوم الفلسفية. أصبحت philosophia)) المعروفة باسمها اليوناني، تحمل اسم "الفلسفة" في ترجمتها العربية.

هذا الإلهام الذي تلقاه الخليفة المأمون أعطى دفعة حقيقية هائلة لترجمة النصوص الفلسفية اليونانية إلى العربية، وحركة الترجمة هذه لم تكن حركة عادية؛ لأنّها هي التي أتاحت ظهور تخصص فكري قائم بذاته، واستملاكه التدريجي من قبل العالم الإسلامي.

ويذكّر المؤلف أيضاً بمساهمة الفلاسفة المسيحيين واليهود في الترجمة المبكرة للنصوص الفلسفية؛ بحيث "كانت الفلسفة في بلاد الإسلام تاريخاً إسلامياً، وتاريخاً مسيحياً وتاريخاً يهوديا أيضاًً".

يرى ديان أنّ الفكر الإسلامي يواجه، في الواقع ، اختبار الزمن المتغير

ظهور مفاهيم جديدة وصراعات

وقد كان من عواقب حركة الترجمة هذه التي أحياها مشروع المأمون؛ ظهور مفاهيم جديدة في الفكر الإسلامي، كإشكالية الإبداع الفلسفي، وعلاوة على ذلك، واستجابة لهذا التخصص الجديد، ظهرت مصطلحات جديدة في اللغة العربية.

كما أدّى تطور اللغة العربية إلى نشوب صراعات بين ممثلي الفلاسفة الهلنستانيين (اليونانيين)، وبين ممثلي النحويّين العرب، الذين كانوا يعدّون أنفسهم حماة لسلامة اللغة العربية، وقد استند الشجار، في المقام الأول، إلى قبول، أو عدم قبول، هذا "التهجين الذي ألحقته الترجمات بلغة عدّت الوحي القرآني الذي تلقته يصفها بأنّها نقية، ويجب أن تبقى كذلك".

ما معنى الإسلامي في رأي الفلسفة؟

هل يمكن أن نتحدّث عن فلسفة إسلامية؟ بالنسبة إلى المؤلف، هناك بلا أدنى شكّ، شكل من أشكال إسلامية الفلسفة التي تترجم بـ "استملاك الفكر الإغريقي الذي لم يتم ترجمته وحسب، بل تم إدماجه حقاً".

وأبعد من ذلك، هناك معنى حقيقي للحديث عن "فلسفة إسلامية"، عندما يتم تفسير العديد من النصوص التأسيسية للدين، من خلال منظور المنطق الفلسفي لفلاسفة كثر، أمثال: أفلاطون، وأرسطو أو بلوتينيوس. إنّه، على سبيل المثال، المعنى العميق الذي تكتسيه إعادة البناء الفلسفي، الذي قام بها الفيلسوف المسلم ابن سينا ​​(980-1037)، عندما ربط معراج النبي محمد صعوداً إلى لقاء الله: "إعادة البناء هذه تنطوي على الدرس الذي يدعونا لاستخلاص وقراءة المعاني العقلانية التي يرمز إليها" فبالنسبة لديان "النتيجة هي أن نستخلص من هذا السرد هذا الدرس الذي يفيد بأنّ الصعودَ هو أيضاً الرحلة عبر الملكات والمواهب البشرية، نحو تحقيق الطبيعة البشرية".

أبو حامد الغزالي يعارض الفلسفة

في هذا الجزء، يقدّم المؤلف عدداً من الفلاسفة الذين عارضوا بدرجات متفاوتة دمجَ الفكر الفلسفي في المنطق الإسلامي، وكانت هذه المعارضة، على وجه الخصوص، مهمّة اللاهوت الأشعري الذي نهض ضدّ أولئك الذين أحلّوا العقل محلّ منطق الدين الحرفي.

في رأي أبي حامد الغزالي الفلاسفة عديمو الفائدة متقلبون وهم خطرٌ على الحقيقة نفسها

أحدُ الأبطال الرئيسيين في هذه الحركة؛ هو اللاهوتي الأشعري أبو حامد الغزالي (1058-1111)، لقد كتب على وجه الخصوص: "تهافت الفلاسفة"، و"مقاصد الفلاسفة"؛ "ففي رأي أبي حامد الغزالي أنّ الفلاسفة "عديمو الفائدة والمتقلبون" "هم أيضاً "خطرٌ على الحقيقة نفسها"، وأنّهم يجرّون في بعض الأحيان إلى الأخطاء والبدع، ويُحلّل سليمان بشير ديان في هذا العمل تهافت وعدم تماسك أبي حامد الغزالي، وهو شخص عميق التصوّف وقف ضدّ الفلسفة وفلاسفتها، وهو عدم التناسق الذي تناوله على الخصوص الفيلسوف المسلم ابن رشد، في كتابه "تهافت التهافت"، الذي يعرض فيه الغموض واللبس في فكر اللاهوتي الغزالي.

ابن رشد في كتابه تهافت التهافت يعرض الغموض واللبس في فكر اللاهوتي الغزالي

فلسفة اختبار حركة الزمن

بالنسبة إلى المؤلف، الفكرُ الإسلامي يواجه، في الواقع، اختبارَ الزمن المتغير، ومع ذلك؛ فإنّ استخدام الصيغ الآتية: "تحديث الإسلام"، و"أسلمة الحداثة"، هما إجابتان تعارضان سؤالاً طرح طرحاً سيئاً؛ ففي رأيه، مقارنة الحداثة والإسلام مسألة خاطئة.

فعلى العكس؛ يرى المؤلف أنّ "الزمن لا يقع خارج الدين؛ بل إنّه قوامه ونسيجه (...) الوقت هو الله"، ولذلك تجب إعادة النظر في مفهوم الزمن، ليس كاختبار، إنما كقوة خلاقة ومستمرة.

إنّ "إعادة بناء الفكر الديني للإسلام يفترض تحديث فكر الزمن بصفته مستقبلاً خلاقاً لكون ناشئ ومستمر، وزخماً ناشطاً وحيوياً".

الفيلسوف الهندي محمد إقبال

لقاء هنري برغسون ومحمد إقبال والتفكير في الزمن

في هذا الصدد؛ يروي المؤلف محادثةً بين الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (1859-1941)، والفيلسوف الهندي محمد إقبال (1877-1938)؛ فمن هذا اللقاء ولِد التفكير في الوقت، وهو العامل الذي أصبح حاسماً في كتابة أهمّ الأعمال الفلسفية التي أنجزها الفيلسوف الهندي: "إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام" (مترجمة عن الإنجليزية عام 1955). فبالنسبة إلى الفيلسوفين؛ يفهم الزمن على أنّه تطور إبداعي، ففكرُ إقبال هو الحركة بالتحديد، إنها موجّهة ضدّ كلّ أشكال التشنّج.

التفكير في الوقت هو العامل الذي أصبح حاسماً في كتابة أهمّ الأعمال الفلسفية التي أنجزها الفيلسوف الهندي محمد إقبال

وبالنسبة إلى سليمان ديان؛ الكلمة الرئيسة لوصف فلسفة إقبال: هي "عدم الاكتمال"، "عدم اكتمالِ العالم؛ أي إنّ العالم في حالة تطوّر مستمر، وعدم اكتمال الإنسان؛ حيث إنّه يعيش بلا انقطاع على مهمة إنجاز شخصه"، ففي عمله على إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام "الإنسان مؤهّلٌ ليكون متعاوناً مع الله في عمل إنجاز العالم اللانهائي".

يختتم المؤلف عمله بفكرة الحركة هذه، التفلسف في الإسلام هو، قبل كلّ شيء، التفكير من أجل الحركة والانفتاح، والعمل من أجل التفكير التعددي. ففي زمن محاولات الانطواء على الهُويات، يدعونا هذا الكتاب للتفكير في الهُويات الدينية في عالم منفتح ودائم التغيّر.

عن lesclesdumoyenorient



الصفحة الرئيسية