روحانيةُ الأديانِ والإعلاء من ثيمةِ الإنسانيّة

روحانيةُ الأديانِ والإعلاء من ثيمةِ الإنسانيّة

مشاهدة

26/06/2021

حسن المصطفى

"إن بيت العائلة الإبراهيمية الذي يقام في جزيرة السعديات في العاصمة أبو ظبي ويجمع الديانات السماوية الثلاث، سيكون أيقونة عالمية تتعزز فيه ممارسات تبادل الحوار والأفكار بين أتباع الديانات"، يقول وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد، في تصريح سابق له، عام 2019، وهو المشروع الضخم الذي أعلن "المكتب الإعلامي لحكومة أبو ظبي"، في 15 حزيران (يونيو) الجاري، أنه "تم إنجاز نحو 20% من الأعمال الإنشائية للمشروع، والتي المقرر إتمامها عام 2022"، كما "تم الكشف رسمياً عن الأسماء التي من المقرر أن تحملها أماكن العبادة الثلاثة، إذ يرفع المسجد اسم الإمام الطيب، فيما أطلق اسم القديس فرنسيس على الكنيسة، أما الكنيس اليهودي فيحمل اسم موسى بن ميمون".

هذا المشروع ليس مجرد صرح معماري يمتاز بالأناقة والحداثة والروحانية في التصميم، وليس فضاءً لعقد ندوات ولقاءات شكلانية، بل هو جزء من مشروع تنويري، يمثل رؤية إماراتية تروم إصلاح الخطاب الديني، وتجديده، ونزع فتيل التوتر منه، والفصل بين الدين والسياسة، منعاً لأن يكون الدين مجرد أداة بيد السياسيين والحزبيين والدعاة المتعصبين والتكفيريين.

هذه الرؤية الإماراتية الإصلاحية، هي فصلٌ من عملية التحديث المتعددة الأذرع، والتي لا تشتغل على محور واحد وحسب، بل ترى تداخلاً بين الإصلاح في حقول: الدين، الثقافة، الاجتماع.. وبالتالي لا بد من العمل ضمن مستويات عدة، وبطرائق مختلفة.

"اللجنة العليا للأخوة الإنسانية"، "منتدى تعزيز السلم"، "مجلس حكماء المسلمين".. جميعها مؤسسات وجدت لكي تكون قادرة على الاستمرارية وبناء خطاب يتجاوز المفهوم الأقلوي للأديان، ويعمل على "أنسنة" الدين، واستثمار قوته الروحية الهائلة في سبيل تحقيق الخير والاستقرار للبشرية والتعاون في ما بينها؛ وترفدها في مهامها وزارات رئيسة: الخارجية والتعاون الدولي، الثقافة والشباب، التسامح.

هذه المؤسسات يجري العمل فيها من دون ضجيج خطابات الدعاة التقليديين أو المسيسين الذين يرفعون الصوت عالياً، ويرومون السيطرة على عقول وأموال وحيوات الناس من خلال الإكراه لا الحوار!
لذا، تجد هذه الجهات تعمل وفق سياسة صبورة، بقدر شديد من الحرص على أن تكون تشاركية، غير احتكارية لدين أو مذهب أو تيار محدد، وأن يكون فريقها متنوعاً، حديثاً في خطابه، مدنياً في سلوكه، جامعاً بين علماء الدين والمثقفين وأهل الاختصاص في العلوم المختلفة.

لو أخذنا مثالاً، الندوة التي عقدتها "اللجنة العليا للأخوة الإنسانية"، في حزيران الجاري، وشاركت فيها نخبة من الشخصيات المتعددة الرؤى والأفكار، بينها وزير الثقافة العراقي د. حسن ناظم، ووزيرة الثقافة الإماراتية نورة الكعبي، وبطريك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في بابل الكاردينال ساكو، ورئيس المجلس البابوي للحوار بين الأديان الكاردينال ميغيل أيوسو.. وناقشت "الآثار الناتجة من زيارة البابا فرنسيس التاريخية للعراق"، هذه الندوة أكد فيها المشاركون أهمية "الدين" كقوة دافعة نحو "السلام والتعايش"، مشددين على أن "دور القيادات الدينية مهم في إبراز القيم الأخلاقية العليا والقواسم المشتركة بين الأديان"، كما يقول الأمين العام لـ"معهد الخوئي" السيد جواد الخوئي، والذي كان ضمن المتحدثين في الندوة.

هذا الدور الذي يشير له الخوئي، مختلفٌ عما اعتاد العديد من القادة الدينيين في العالم العربي ممارسته. إذ إنهم كانوا لزمن طويل معنيين بإبانة ملامح الدين وحدوده، وبشكل أكثر صراحة: تمييز المسلمين عن غير المسلمين، ووضع حد فاصل بين كل دين ومذهب وطائفة، لأجل ما يعتبرونه صوناً للفرد المسلم عن التأثر بأفكار من هم خارج دائرته الإيمانية الصغيرة، لكي لا تضعف عقيدته أو يشوبها شيءٌ من الشرك!
هذه الرؤية "الحمائية" أحد مناشئها الرئيسة الاعتقاد بالنجاة منفرداً. فهؤلاء الدعاة يظنون أن بإمكانهم البقاء في مأمن وحدهم، ما داموا على حق، فيما الآخرون على كثير من الباطل والضلال، وبالتالي ليس هنالك من مساحة مشتركة بينهم!

رئيس "مجلس الإمارات للإفتاء" الشيخ عبد الله بن بيه، يقفُ على النقيض من هذا التفكير، إذ يرى أنه يجب العمل على "إيجاد نظرة جديدة للعلاقات البشرية، لأن البشر اليوم مثل ركاب السفينة يحكمهم مصير واحد.. وكذلك سكان كوكب الأرض هم في سفينة واحدة، إن لم يتعاونوا على صيانتها فمصيرهم الفناء".

"روح الشراكة" لا يمكن أن تعم من دون تضافر جهود الفاعلين الدينيين والثقافيين والسياسيين؛ وأن تكون الدولة كجهة مدنية محايدة، رافعة وداعمة لـ"التنوير"، ومحتضنة للحوارات الجادة والحرة بين المفكرين والشباب المؤمن بقيم التعددية واحترام الآخر والمواطنة وسيادة القانون والمساواة بين البشر، وأن الإنسان هو صاحب المكانة العُليا ومن جاءت الأديان بهدف خدمته وتحقيق سلامه ورفاهيته وروحانيته.

عن "النهار" العربي

الصفحة الرئيسية