"رقم خادع".. كيف تسيطر كوادر "الإخوان" على مساجد ومدارس فرنسا؟

"رقم خادع".. كيف تسيطر كوادر "الإخوان" على مساجد ومدارس فرنسا؟

"رقم خادع".. كيف تسيطر كوادر "الإخوان" على مساجد ومدارس فرنسا؟


08/07/2026

سارة عبدالقادر

في فرنسا، لا تدور النقاشات حول الحجم العددي للإخوان المسلمين بقدر ما تدور حول قدرة الجماعة على التغلغل في مؤسسات الدولة. 

وبينما تشير التقديرات الرسمية إلى أن كوادر الجماعة النشطة لا تتجاوز بضع مئات أو نحو ألف شخص، ترى تقارير أمنية ودراسات أكاديمية أن هذه الأقلية نجحت في بناء شبكة من الجمعيات والمساجد والمدارس والمنظمات المدنية، التي تمنحها حضورًا يتجاوز كثيرًا وزنها العددي.

ويعتبر أستاذ العلوم السياسية، أرنو لاشيريه، هذا الأمر بأنه مدخل لفهم إستراتيجية الإخوان المسلمين في أوروبا. 

رقم خادع

حين يسمع المحللون أن الكادر الإخواني الصلب في فرنسا لا يتجاوز "بضع مئات إلى ألف شخص"، يخلصون إلى أن الظاهرة هامشية.

لكن لاشيريه يُفكك هذا الاستنتاج لمجلة "لكسبريس"، قائلًا: الخطر ليس في الأعداد، بل في القدرة التنظيمية".

ويُشير إلى ما رصده تقرير وزارة الداخلية الفرنسية الرسمي لعام 2025: 139 مسجدًا مرتبطًا بجماعة "مسلمو فرنسا" (الاسم الجديد للاتحاد الإسلامي الفرنسي ذي الجذور الإخوانية)، و280 جمعية تنتمي لهذه الشبكة، و21 مدرسة مرتبطة بها أو محسوبة عليها تستقبل نحو 4200 طالب. 

يقول لاشيريه:"لا نتحدث عن ظاهرة مهيمنة في الإسلام الفرنسي، بل عن أقلية منظمة"، والأقليات المنظمة تُحدث أثرًا يفوق حجمها بكثير.

"أطر تفسيرية"

ويؤكد أن الإخوان لا يسعون للسيطرة على الدولة مباشرة، فالطريق، كما يصفه، أطول وأهدأ وأنجح، إذ يبدأ بجمعية ثقافية هنا، ومدرسة هناك، ثم فيدرالية طلابية، وحملة ضد "الإسلاموفوبيا"، ومؤتمر عن الأسرة، وعريضة محلية. 

ويتابع لاشيريه: "كل عنصر على حدة يبدو عاديًّا، لكنها مجتمعةً تُرسّخ ردود فعل وتبعيات وتمثلات، وأحيانًا ولاءات سياسية". 

فالهدف الجوهري هو إنتاج "أطر تفسيرية"، أي السيطرة على المفاهيم التي يُفكّر بها الناس لا الأبنية التي يقطنونها، حسب رأيه.

وأوضح أنه حين يُحدد الإخوان ما معنى "أن تكون مسلمًا في الغرب"، وما معنى "الكرامة" و"التمييز" و"الهوية"، يُصبحون أصحاب الحق الحصري في تمثيل الملايين.

تلون لغوي مُحكم

السلاح الأذكى الذي طورته الجماعة في السياق الأوروبي، كما يرصده لاشيريه، هو استعارة الخطاب الغربي ذاته، فالإخوان لا يتحدثون بلغة "الدولة الإسلامية" في الديمقراطيات الغربية؛ لأن هذا الخطاب "غير مسموع"، وعوضًا عن ذلك يتحدثون عن الهوية والكرامة ومكافحة التمييز وإزالة الاستعمار. 

"هذه قضايا مشروعة حقيقية"، يُقرّ لاشيريه، "لكن العملية السياسية تحوّل هذه التجارب إلى انتماء إجباري، فالمسلم لم يعد مواطنًا يؤمن أو يشك أو يمارس أو يبتعد، بل أصبح عضوًا في جماعة مُفترَضة الانسجام، مُستاءة، يمثّلها ناشطون".

جذور تكشف حقيقة المشروع

إن فهم السياق التاريخي للإخوان يوضح القصة، فقد أسس حسن البنا الجماعة عام 1928 في مناخ الحركات الجماهيرية والقومية الاستبدادية.. لم يبنِ جمعية دينية، بل حركة انضباط شامل.

ثم جاء سيد قطب ليُضيف البُعد الأشد تطرفًا لِما وصفه "مواجهة الجاهلية" الحديثة و"هيمنة الغرب". 

ولا يتردد لاشيريه في رسم تشابهات مع اليمين المتطرف الأوروبي للقرن الماضي: "رفض التعددية، وإدانة الانحلال، والريبة من الفرد الليبرالي، والهوس بالنقاء الأخلاقي، وتحديد أعداء داخليين".

ويشير إلى أن التجارب العملية للجماعة حين وصلت للسلطة تُكمل الصورة: في مصر أيام محمد مرسي سعت لإحكام قبضتها على المؤسسات، وفرضت دستورًا استقطابيًّا، وضغطت على الإعلام الناقد، حتى صنّفتها منظمة مراسلون بلا حدود ضمن "مفترسي الحرية الإعلامية"، وفي تونس، مرور حركة النهضة بالسلطة ارتبط بضغوط على الصحفيين وغموض في التعامل مع التيارات الأكثر تشددًا. 

التوازن الذي يُفوّته كثيرون

يحرص لاشيريه كذلك على التمييز بين الإسلام كدين روحاني وحضاري أنتج ثقافات وتيارات فكرية وأشكالًا متنوعة من التديّن.

وقال: إن الانتقاد موجّه للمشروع السياسي الإخواني الذي "يُفسد هذا الإرث لتحويله إلى مشروع انضباط اجتماعي وسياسي".

وبين أن الغالبية الساحقة من المسلمين لا تُعرّف نفسها بهذا المشروع ولا تتبناه، لكن أقلية منظمة تسعى لاختطاف تمثيلهم والحديث باسمهم وتحديد شروط النقاش عنهم.

ويخلص الأكاديمي إلى أن "تسمية إستراتيجية سياسية ليست هجومًا على دين، بل هي حماية لحرية الذين تسعى هذه الإستراتيجية إلى تأطيرهم"، مشيرًا إلى أن الصمت باسم التسامح هو في نهاية المطاف خذلان للمسلمين أنفسهم قبل غيرهم.

إرم

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية