راقي المسماري لـ "حفريات": الدبيبة يلعب على المتناقضات، والإخوان ليسوا كما كانوا

راقي المسماري لـ "حفريات": الدبيبة يلعب على المتناقضات، والإخوان ليسوا كما كانوا

راقي المسماري لـ "حفريات": الدبيبة يلعب على المتناقضات، والإخوان ليسوا كما كانوا


17/08/2026

بينما كان الجميع يترقب خطوة ناجزة في ملف التسوية السياسية في ليبيا وتوحيد المؤسسة العسكرية، تفاجأ المراقبون بأحداث متزامنة في الشرق والغرب؛ إذ استهدفت عبوة ناسفة قائد الاستخبارات العسكرية في بنغازي، اللواء فوزي المنصوري، وهاجمت مسيّرات مجهولة منشآت الطاقة في الزاوية غرب ليبيا، فضلًا عن تقديم محافظ مصرف ليبيا المركزي استقالته.

إلى ذلك، التقت "حفريات" الأكاديمي والسياسي الليبي راقي المسماري للحديث معه حول تفاصيل المشهد الليبي وتداعيات ما جرى خلال الأيام الأخيرة.

وفي هذا الحوار يناقش المسماري موازين القوى الفاعلة في الداخل الليبي، ومستقبل التفاهم بين مجلسي النواب والدولة، وتأثير التيارات الإسلامية ودار الإفتاء، فضلًا عن مستقبل حكومة عبد الحميد الدبيبة والسيناريوهات المحتملة في حال تعثر المبادرة الأمريكية.

ويرى المسماري أنّ فرص التسوية في ليبيا ما تزال قائمة، لكنّها تظل مرتبطة بحجم نفوذ الأطراف وسيطرتها على الأرض، معتبرًا أنّ مبادرة مسعد بولس "حركت المياه الراكدة"، وأعادت ملف الانتخابات إلى واجهة المشهد بعد سنوات من الجمود. وفي المقابل، يُحذر من قدرة مجلسي النواب والدولة على إنتاج توافق حقيقي، ويرى أنّ نفوذ جماعة الإخوان المسلمين وتيار دار الإفتاء لم يعد بالقوة نفسها التي كان عليها سابقًا، وإن ظل مؤثرًا في بعض دوائر المشهد. ويصف علاقة عبد الحميد الدبيبة بالتيارات الإسلامية بأنّها محكومة أساسًا بحسابات المصلحة والبقاء السياسي، بينما يعتقد أنّ فشل المبادرة الأمريكية لن يقود بالضرورة إلى تصعيد جديد، بقدر ما سيعيد إنتاج الوضع القائم، ويعمق حالة التشرذم المؤسسي، ويؤجل أمل توحيد السلطة وإجراء الانتخابات.

نص الحوار

 ـ ما دلالات حادث اغتيال اللواء فوزي المنصوري، وهل ثمة سياق رابط بضرب منشآت الطاقة في الزاوية غرب ليبيا بالمسيّرات؟

بكل تأكيد، فيما يتعلق بدلالات اغتيال اللواء الشهيد بإذن الله فوزي المنصوري، وحرائق خزانات النفط بمدينة الزاوية غرب ليبيا واستهدافها بمسيّرات مفخخة، فإنّ هناك، في الجانب ذاته، عرقلة للحقيقة وللاستقرار والأمن في ليبيا.

وقبلها، وفي اليوم نفسه، الإثنين المشؤوم، استيقظنا في ليبيا على استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي، وهي استقالة غير مسببة، وقد فاجأت حتى أقرب الموظفين إليه من مديري المكاتب والمستشارين وأعضاء مجلس الإدارة والمحيطين به. الجميع تفاجأ كأنّ هناك من طلب منه إعلان ذلك صباح الإثنين.

وفي ظهيرة اليوم نفسه استهدفت مسيّرات مصفاة الزاوية، بينما اغتيل اللواء فوزي المنصوري، آمر الاستخبارات العسكرية في بنغازي مساء اليوم نفسه.

والحقيقة أنّه لا يمكن الفصل بسهولة بين هذه التطورات وبين حالة الاضطراب التي تشهدها ليبيا، خصوصًا أنّ استهداف منشآت الطاقة ووقوع حادث اغتيال لشخصية عسكرية بهذا المستوى يطرحان تساؤلات جدية حول الجهات المستفيدة من استمرار حالة عدم الاستقرار، وما إذا كانت هناك محاولات لإرباك المشهد الليبي وعرقلة أيّ مسار يقود إلى الاستقرار السياسي والأمني.

ـ في ظل حالة الانسداد السياسي الراهنة، كيف تقرؤون فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة في ليبيا خلال المرحلة المقبلة؟ وما أبرز العوامل الداخلية والخارجية التي قد تدفع نحو الحل أو تعرقل مساره؟

أعتقد أنّ فرص التسوية السياسية في ليبيا ما تزال ممكنة. ودائمًا نقول إنّ التسوية ممكنة، ولكنّ السؤال هو: كيف تأتي هذه التسوية؟ وهي تأتي بحجم سيطرة الأطراف على أرض الواقع، وبحجم نفوذها وقدرتها على التأثير في مجريات الأحداث.

هناك حالة انسداد سياسي واضحة، لكن في المقابل توجد محاولات لتحريك هذا الانسداد، خصوصًا مع التحركات الدولية الأخيرة. والمشكلة الأساسية تتمثل في أنّ الأطراف الليبية ما تزال تمتلك مواقف متباينة بشأن شكل السلطة التنفيذية ومستقبل العملية السياسية.

ومع ذلك، فإنّ وجود توافق دولي، إلى جانب رغبة الأطراف الليبية في تجنب مزيد من التصعيد، يمكن أن يفتح الباب أمام تسوية سياسية تدريجية، خصوصًا إذا ارتبطت هذه التسوية بمسار واضح نحو الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة.

ـ ما تقييمكم لمبادرة المبعوث الأمريكي الخاص إلى ليبيا مسعد بولس؟ وهل تمتلك المبادرة مقومات النجاح، أم أنّها ستصطدم بالتوازنات المحلية والإقليمية التي عطلت مبادرات سابقة؟

أقيّم المبادرة الأمريكية، أو ما أسمّيه أنا "خطة المعالجة الأمريكية للوضع الراهن في ليبيا"، بأنّها محاولة لمعالجة حالة الانسداد الحالية.

المبادرة الأمريكية بدأت من حيث عجزت البعثة الأممية. فهناك بالفعل قوانين انتخابية صدرت عن مجلسي النواب والدولة بالتوافق، ولكنّها تشترط توحيد السلطة التنفيذية، أي تغيير الوضع القائم ودمج الحكومتين الحاليتين أو إنتاج حكومة جديدة. وهذه المسألة ربما عجزت البعثة الأممية عن حلها، ولذلك تولت المبادرة أو المعالجة الأمريكية هذه المهمة، من خلال محاولة مقاربة الأطراف الموجودة على أرض الواقع، سواء حكومة الوحدة الوطنية أو المشروع الوطني ومجموعة المشروع الوطني التي تقودها القوات المسلحة.

وأعتقد أنّ هذه المبادرة حركت المياه الراكدة. فمنذ نحو أربع سنوات لم نكن نتحدث في ليبيا بصورة جدية عن الانتخابات، ولا عن القوانين الانتخابية، ولا عمّن سيتولى رئاسة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

اليوم أصبح هناك حديث جدّي عن الذهاب إلى عملية انتخابية تنتج سلطة سياسية وتنفيذية جديدة، متمثلة في مجلس رئاسي جديد وحكومة جديدة في ليبيا.

وبحسب ما أُعلن، فإنّ هناك تحركًا باتجاه اجتماع وتوقيع اتفاق بين لجنة "4+4"، أو ما يعرف بالطاولة المصغرة، بشأن اختيار رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، والتوقيع على الشكل أو الإطار النهائي للقوانين الانتخابية. وهذه، في تقديري، انفراجات سياسية مهمة، وإن كانت بالتأكيد ستواجه مناوئين ومعارضين.

 ـ إلى أيّ مدى يشكل نفوذ جماعة الإخوان المسلمين والقوى السياسية المتحالفة معها في غرب ليبيا تحديًا أمام أيّ تسوية سياسية جديدة؟ وهل تعتقدون أنّ هذا النفوذ ما يزال مؤثرًا بالقدر نفسه الذي كان عليه في السنوات الماضية؟

الحقيقة أنّ جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا شهدت انشقاقًا بين جزأين. فقد انشق تيار مدني عن حزب العدالة والبناء، وذهب أتباع هذا التيار إلى تأسيس حزب جديد هو الحزب الديمقراطي.

ومن أبرز الشخصيات التي ارتبطت بهذا التيار السيد محمد صوان، والسيد نزار كعوان، والسيد محمد الحريزي، والسيدة آمنة مطير. وهذه الأسماء كانت توصف بأنّها تمثل شخصيات ذات طابع مدني داخل التيارات الإخوانية.

أمّا الإخوان المسلمون الذين بقوا في حزب العدالة والبناء، فقد أصبحوا متحالفين بصورة واضحة مع المفتي الصادق الغرياني وعباءة دار الإفتاء.

والحقيقة أنّ هذه القوى تناوئ التقارب الليبي، ولا أدري تحديدًا لماذا، ولكن ربما تكون الأسباب إيديولوجية أو مصلحية، أو مرتبطة بممارسة نوع من الغلو والتطرف السياسي.

ومع ذلك، فإنّ نفوذ هذه القوى لم يعد بالضرورة بالشكل نفسه الذي كان عليه في السنوات الماضية، خصوصًا مع الانقسامات التي حدثت داخل التيار نفسه، وتغير موازين القوى السياسية والعسكرية على الأرض.

 ـ هل يمكن أن يشهد التنسيق بين مجلس النواب الليبي والمجلس الأعلى للدولة مرحلة جديدة من التعاون لتجاوز الأزمة، أم أنّ الضغوط السياسية والإيديولوجية، بما فيها تأثير تيار دار الإفتاء، ستظل عائقًا أمام أيّ تفاهمات حقيقية؟

لا أعتقد أنّ مجلسي النواب والدولة سيكونان في مقدمة قاطرة التوافق والتفاوض بين الليبيين.

فالمجلسان، على مدى عشرة أعوام كاملة، عجزا عن الذهاب أو المضي قُدمًا نحو الانتخابات ونحو إجراء عملية ديمقراطية. والحقيقة أنّ الخلافات السياسية بينهما كانت من النوع الذي يفسد أيّ علاقة أو يحول دون إنتاج وصياغة حلول ديمقراطية.

المجلسان اختلفا حتى في وقت الحرب، وكان لكل منهما موقف مختلف عن الآخر. ومجلس النواب، شئنا أم أبينا، كان الجهة التي دعمت القوات المسلحة العربية الليبية، وكان له دور في ترسيخ المسار المدني والإداري، ولا يمكن أن ننسى أنّ دور مجلس النواب كان بالغ الأهمية خلال فترة الحرب على الإرهاب.

لكنني أؤكد أنّ مجلس النواب ومجلس الدولة لن يصلا بسهولة إلى توافقات حقيقية، خصوصًا أنّ بعض الأطراف أفسدت توافقات كانت قد حدثت عندما كان خالد المشري رئيسًا لمجلس الدولة وعقيلة صالح رئيسًا لمجلس النواب.

كما أنّ حكومة الوحدة الوطنية، في تقديري، لم تكن راغبة في أن يتوصل المجلسان إلى توافقات، وتدخلت بشكل أو بآخر في انتخابات مجلس الدولة، وأبعدت خالد المشري عن رئاسة المجلس، وساعدت السيد محمد تكالة في الوصول إلى رئاسة المجلس، وهو ما أفسد المشهد التوافقي الذي كان قائمًا بين المجلسين، والذي نتج عنه التعديل الدستوري الثاني عشر ثم التعديل الدستوري الثالث عشر.

ـ كيف تقيمون تأثير تيار دار الإفتاء في غرب ليبيا على المشهد السياسي وصناعة القرار؟ وهل ما زال هذا التيار قادرًا على توجيه مواقف الفاعلين السياسيين والعسكريين كما كان في السابق؟

تيار دار الإفتاء، ممثلًا في المفتي الصادق الغرياني والقوى المتحالفة معه، ما يزال يمتلك تأثيرًا في جزء من المشهد السياسي في غرب ليبيا، لكنّه لم يعد بالضرورة يمتلك القدرة نفسها التي كان يتمتع بها في مراحل سابقة.

هذا التأثير يرتبط بالتحالفات السياسية والإيديولوجية، وبقدرته على التأثير في بعض القوى الموجودة على الأرض. ولذلك فإنّ موقف هذا التيار من أيّ مسار سياسي أو انتخابي سيظل عاملًا يجب أخذه في الاعتبار.

لكنّ قدرة هذا التيار على تعطيل التسوية بشكل منفرد أصبحت أقلّ ممّا كانت عليه، نتيجة تغير موازين القوى وتعدد الأطراف المؤثرة في المشهد الليبي.

ـ ما مستقبل العلاقة بين حكومة عبد الحميد الدبيبة وجماعة الإخوان المسلمين؟ وهل تتجه هذه العلاقة نحو مزيد من التحالف، أم أنّ حسابات البقاء السياسي قد تدفع الطرفين إلى إعادة صياغة هذه العلاقة؟

عبد الحميد الدبيبة ليس لديه مواقف ثابتة تجاه الجماعات الإسلامية السياسية. والثابت لدى عبد الحميد الدبيبة هو مصلحته السياسية، ويبدو أنّه اختزل هذه المصلحة في البقاء لأطول فترة ممكنة في رئاسة الحكومة.

ولذلك ليست لديه إشكالية في التحالف مع أطراف مختلفة أو في اللعب على المتناقضات السياسية، بحسب ما تفتضيه مصلحته في كل مرحلة.

ومن هنا فإنّ العلاقة بين الدبيبة والتيارات الإسلامية، ومن بينها جماعة الإخوان المسلمين، لا أراها علاقة ثابتة أو قائمة على تحالف إيديولوجي دائم، وإنّما تحكمها بدرجة كبيرة الحسابات السياسية وموازين القوى ومصلحة كل طرف في البقاء والتأثير.

 ـ إذا تعثرت مبادرة مسعد بولس ولم تحقق اختراقًا في الأزمة الليبية، فما السيناريوهات الأكثر ترجيحًا؟ هل نتجه إلى إعادة إنتاج الوضع القائم، أم إلى تشكيل سلطة تنفيذية جديدة، أم إلى تسوية تقود مباشرة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية؟

إذا تعثرت مبادرة بولس، فسيظل الوضع في ليبيا على ما هو عليه. وبكل تأكيد، لا أعتقد أنّ الأوضاع ستتطور بالضرورة إلى ما هو أسوأ.

وعلى المستوى الديموغرافي والجغرافي، ستظلّ البلاد واحدة، وسيظلّ الليبيون موحدين في رفض تقسيم دولتهم أو بعثرتها. صحيح أنّهم ما يزالون بعيدين عن بعضهم البعض سياسيًا، ولكنّ التقارب بينهم سيستمر.

لكن إذا فشلت المبادرة، فلن تتأزم الأمور بالضرورة أكثر ممّا هي متأزمة الآن، وإنّما ستبقى الأوضاع على حالها، مع احتمال ازدياد حالة التشرذم في المؤسسات المنقسمة أصلًا، وابتعاد الأمل في توحيدها.

وسيستمر الإنفاق المالي الضخم، وستستمر المؤسسات الموازية في الصراع حول الشرعية، وسيظل الوصول إلى انتخابات شاملة وإنتاج سلطة تنفيذية موحدة مؤجلًا.

أمّا نجاح المبادرة، فإنّه يمكن أن يفتح الطريق أمام توحيد السلطة التنفيذية، واستكمال الإطار القانوني للعملية الانتخابية، وصولًا إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية وإعادة بناء المؤسسات الليبية على أساس شرعي وديمقراطي.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية