رؤية العالم بين الملحد والمؤمن

رؤية العالم بين الملحد والمؤمن

مشاهدة

12/04/2018

كيف ينظر كلٌّ من الملحد والمؤمن إلى العالم؟ وكيف يفسّر كلٌّ منهما الظواهر؟ وكيف ينظر إلى الأسباب؟ ما هي المنطلقات التي ينطلق كلٌّ منها في رؤية العالم؟ وكيف ينظران إلى تطور الكائنات والأحياء؟ إنّه لمن المهمّ أن نتبيّن المقارنة بين رؤية الملحد ورؤية المؤمن للعالم، فما عساها أن تكون أبعاد تلك الرؤيتين؟       

يمثل الإلحاد حالة نفسية وعقلية تنتاب النفس البشرية في سعيها الحثيث بحثاً عن وجود الله، وإدراك حقيقة اليوم الآخر، إنّها لحظة شكّ تنتاب النفس، وقد تكون لحظة مؤقتة يعاود منها الإنسان إلى إدراك حقيقة الإيمان، وهذه اللحظة مرّ بها عديد من المفكرين والعلماء، أمثال: أبو حامد الغزالي، ومحمد عبده، وعباس العقاد، وغيرهم، وقد تكون لحظة دائمة ومستمرة في حياة صاحبها؛ لأنّها تعبّر عن موقف فكري في رؤية العالم والإنسان، فما هي حقيقة الإلحاد؟ وكيف ينظر الملحد إلى العالم؟ ولماذا تنتاب الإنسان هذه الحالة؟ وكيف يتجاوز المؤمن هذه الحالة؟ وما هي رؤية المؤمن للعالم والوجود؟

يمثل الإلحاد حالة نفسية وعقلية تنتاب النفس البشرية في سعيها الحثيث بحثاً عن وجود الله، وإدراك حقيقة اليوم الآخر

الإلحاد: هو رؤية للعالم تنكر حقيقة الإيمان بالله كخالق لهذا العالم، وتنكر كذلك اليوم الآخر، وقد يظهر الإلحاد كحالة مؤقتة من الشكّ، ناتجة عن تنكب العقل البشري للطريق في بحثه المتوقد عن الإيمان واليقين، هذه الحيرة التي مرّ بها أبو الأنبياء إبراهيم، في بحثه عن حقيقة الله {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الأفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} (سورة الأنعام: الآيات 76-78)، كان إبراهيم في حالة شكّ وحيرة، كان يطلب فيها الهداية من الله، كي يوجهه وجهته، ويدلّه على طريقه، بعدما عجز عقله، وعجزت حواسه عن الوصول إلى طريقه، وكذلك سعى إبراهيم، عليه السلام، إلى التأكد من حقيقة اليوم الآخر والبعث، حين سأل الله تعالى قائلاً: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي  قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة:260)، هذه الحالة التي انتابت أبو الأنبياء هي حالة مشروعة من الشكّ، التي قد يمرّ بها المؤمنون عبر التاريخ، لكنّها تكشف عن عجز العقل، في كثير من الأحيان، عن الوصول إلى الإيمان بالغيبي، أو مدى حاجة العقل إلى الاطمئنان في أحيان أخرى، كما هو في طلب إبراهيم، عليه السلام، في قوله: {بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}.

لكنّ الشكّ المؤقت لا يستمرّ، يعاود الإنسان بعده إلى اليقين الإيماني، وفي المقابل؛ هناك حالة من الشكّ الدائمة، والرفض والإنكار لدى بعضهم الآخر، الذين يتّخذون من النزعة المادية مسلكاً لرؤية العالم؛ حيث يرى الملحد بعقله صعوبة الانتقال في تفسير العالم من المادي إلى اللامادي، ومن العيني إلى الغيبي، وهنا يتجه في تفسيره للعالم وظواهره بما هو طبيعي، ونسبة الخلق إلى الطبيعة، فحين تسأل الملحد: كيف خلقت الأشياء؟ وكيف تتوالد الكائنات؟ يقول لك: اقتضته الطبيعة، أو إنّ الكائنات هي نتاج امتزاج الطبائع وانفصالها، أو إنّها نتاج مادة قديمة، أو إنّها تشكلت بذاتها، أو إنّ الخلق يتم من خلال التوالد الذاتي في تطور الكائنات، إنّ مقولات الملحد ترفض رفضاً مطلقاً أن يكون هناك إله غيبيّ، يقف وراء خلق هذا العالم، وذلك بسبب ركون عقل الملحد إلى ما هو مادي وحسّي، ورفضه، وعدم قبوله إمكانية نسبة الخلق والوجود بالانتقال من المادي إلى الغيبي، وذلك لأنّ العقل البشري يدرك المادي بوضوح، ولكنّه يعجز عن إدراك دلائل الغيبي أمامه.

يرى المؤمنون أنّ الماديين وقفوا بعقولهم عند ظاهر الأشياء ولم يمعنوا النظر فظنّوها المصدر الحقيقي لها

وقد عمد الإلحاد في العصر الحديث إلى إثبات صدقه من خلال الاستشهاد ببعض النظريات العلمية، التي تؤكّد على التوالد الذاتي للأحياء، كما هو في نظرية تشارلز داروين، عن تطور الأحياء والكائنات من خلال التوالد الذاتي، أو الاستشهاد بركون بعض الفلسفات المادية على تفسير الوجود كلّه تفسيراً مادياً، منكرة أي وجود غيبي في العالم، مثل الفلسفة الوضعية والماركسية وغيرها، التي ترى أنّ الوجود المادي هو الوجود الحقيقي، وأنّ ما يسمَّى بالوعي هو مجرد انعكاس لتجليات المادة، وينكرون وجود ما يسمَّى بالروح، ويرون أنّ حديث الأديان عن الروحانيات والغيبيات هي مجرد أحاديث لا تستند إلى الدليل والبرهان؛ لأنّ كلّ شيء لا يمكن البرهنة عليه بالدليل المادي والعيني، فلا وجود له، ولا يمكن الاعتراف له بشكل من أشكال الوجود، وتعلّق هذه الفلسفات على كاهل العلم تفسير كلّ ظاهر الوجود برؤية مادية خالصة.

وفي المقابل؛ يرى المؤمنون أنّ الماديين وقفوا بعقولهم عند ظاهر الأشياء، وذلك لأنّ العقل البشري عندما يرى الآثار، ويشرع في البحث عن مصدرها، تراه إذا لم يدقّق النظر؛ فقد يصل إلى مصدر ظاهري لها، فيظنّه المصدر الحقيقي، فيقف عنده؛ لأنّه لم يكن لديه ما يوقظ أفكاره لكي يصل إلى المصدر الحقيقي، ولقد استطاعت الذات المؤمنة أن تتجاوز محنة الذات الحائرة الملحدة بالإيمان، بوجوب إسناد الوجود المادي العيني إلى إله غيبي هو سبب النظام والقصدية والإبداع القائم في الوجود والعالم، ولم تركن الذات المؤمنة إلى الوقوف عند حدود المادي والطبيعي لتفسير خلق الأشياء والوجود؛ لأنّ العقل البشري عجز عن إسناد كيفية جمع الطبائع المتناقضة الحرارة، واليبوسة، والرطوبة، والسيولة، في جسد واحد إلى الطبيعة الصماء؛ فالطبيعة الصماء لا تفسّر كيف اجتمعت وامتزجت الطبائع الأربعة؛ الحرارة، واليبوسة، والسيولة، والغازية، في جسد الإنسان، فلا بدّ لها من إله قاهر جمع المتناقضات المتباعدة بطبيعتها .

ويردّ المؤمنون على دعاة النزعة الوضعية الذين يقتصرون في رؤيتهم للعالم على الحواس والمادة، ويفسّرون من خلالها إنكارهم لوجود الغيبيات، بأنّ هناك أشياءً تعجز حواسنا عن إدراكها، وندركها من خلال الميكروسكوبات، فإذا كانت حواسنا عاجزة عن إدراك العالم المادي، فكيف نستبعد عجزها عن إدراك الأشياء في عالم الغيب؟ وإذا كانت الحواس عاجزة فإنّ للعقل أيضاً حدوداً فليس في طاقته معرفة حقيقة الله؛ لأنّ النسبي لا يمكن أن يعين حدود المطلق، وليس عجز وسائل المعرفة في الإنسان عن إدراك الغيبيات معناه نفى وجود الغيبيات، لكنّ معناه عجز الحواس ومحدودية العقل عن إدراك كنهها وحقيقتها.

بعض المؤمنين يعترفون بنظرية التطور لكنّ كسنّة كونية أودعها الله العالم  دون استقلال عن يد الإرادة الإلهية

إنّ عقل المؤمن يرى أنّ العديد من الظواهر الطبيعية، لا يمكن أن نفسرها استناداً إلى التفسير المادي الخالص؛ لأنّه عاجز، فليست الطبيعة قيمة في ذاتها، ولا تملك الاستقلال بقوانينها بعيدة عن يد القدرة الإلهية، وأنّ الطبيعة هي مجرد سلّم للإقرار بوجود الألوهية، فكيف يمكن أن نمنح الطبيعة، وهي وجود أصمّ، صفات العلم، والقصدية، والعقل، التي هي صفات للخالق، عزّ وجلّ، وما الطبيعة إلّا تلك السنن الكونية التي أرساها الله في العالم، إنّ غريزة الأمومة الواحدة في الكائنات والأحياء، العاقلة وغير العاقلة على السواء، تبرز أنّ من أودعها هذا هو خالقها الذي أبدع صنعها، وليست الطبيعة الصماء .

ويوظّف المؤمنون أيضاً نظريات العلم في الإقرار بوجود الله، فيرون أنّ علوم الجيولوجيا وطبقات الأرض وعلوم الطبيعة، قد أثبتت حدوث المادة، ورغم نقد رجال الدين لنظرية التطور ورفضها، إلّا أنّ بعضهم يعترف بنظرية التطور في إثبات خلق الكون، لكنّ هذا التطور هو سنّة كونية أودعها الله العالم، ولا يعني القول بالتطور استقلال العالم عن يد الإرادة الإلهية، أو أنّ العالم قد تخلق بذاته، لكنّ التطور الذي يقرّ به رجال الدين لا يرى ضرورة في تطور الأنواع بعضها عن بعض، من خلال التوالد الذاتي، لكنّهم يؤمنون بتمايز الأنواع بعضها عن البعض الآخر، ويؤمنون بالتطور داخل النوع الواحد.

كما رأى المؤمنون أنّ نظريات العلم نفسها تستند إلى أنّ هناك ميتافيزيقا للعلم، وأنّ هناك العديد من الظواهر العلمية يكمن خلفها أبعاد من الوجود الغيبي، الذي لا يمكن إنكاره، وأنّ دراسة النفس الإنسانية في مجال علم النفس، يستند على العديد من الجوانب الغيبية، ما يزال العلم عاجز عن قياسها، أو الوصول إلى حقيقتها. إنّ المؤمنين يبرزون من خلال العقل كيف أنّ الغيبيات تحيط بنا في أرجاء هذا العالم، وأنّ الإيمان بالغيبي ضروري لفهم الكون، ولذا فالإيمان بالخالق الواحد للوجود، والإيمان باليوم الآخر ضروري للمؤمن، لاكتمال نظام العالم والوجود.

هناك مفارقة كبرى في رؤية العالم بين المؤمن والملحد، أنّ العقل فيها هو أداة حيادية يوظفها الملحد في النفي، ويوظفها المؤمن في الإثبات، وهنا تتكافأ الأدلة بين الطرفين، وهنا يبرز القلب كطريق فاعل يختطه المؤمن حين تعجز أدلة العقل وتتكافأ؛ فالإيمان قضية قلبية، تؤسس على البعد الذاتي للفرد، والتجربة الدينية في الإيمان بالله واليوم الآخر هي تجربة بالعمق قلبية؛ لأنّ اليقين العقلي ممكن ضربه بالشكّ العقلي، وأدلة الإثبات يمكن ضربها بأدلة النفي، لكنّ اليقين القلبي هو الذي يمنح قناعات العقل اليقين المستقر في النفس، ولذا كانت دعوة الأديان إلى مركزية القلب في التجربة الإيمانية، ومن الضروري أن تؤسس قناعات العقل على وجديات القلب، حتى لا تكون عرضة للشكّ والنفي من قبل العقل النافي، الرافض للإقرار بالألوهية، فهل يمكن أن يكون ذلك في اهتمامات التجديد في الخطاب الديني المعاصر؟!

الصفحة الرئيسية