داعش وطالبان.. تصاعد صراعات النفوذ والسيطرة

داعش وطالبان.. تصاعد صراعات النفوذ والسيطرة

مشاهدة

11/10/2021

يبدو أنّ الخلافات بين داعش وطالبان تتجاوز حدود الصراع على قيادة الحركات الجهادية في العالم الإسلامي إلى مرحلة الإنهاك وتكسير العظام، فمنذ أن عقدت الولايات المتحدة الأمريكية صلحاً مع طالبان وتركت لها حكم أفغانستان، وتنظيم "داعش" فرع أفغانستان يسبب الكثير من المشاكل لطالبان، فخلال الشهرين الماضيين فقط قام التنظيم بشنّ العديد من العمليات التي استهدفت المدنيين العزل، بدأت بعملية تفجيرية بمطار كابول يوم الخميس 26 أيلول (سبتمبر) الماضي أسفرت عن مقتل ما يقرب من 20 قتيلاً وإصابة نحو 40 آخرين، منهم عناصر من قوات المارينز الأمريكية، بجانب عناصر من القوات التابعة لحركة "طالبان"، علماً أنّ داعش أعلنت أعداداً أكبر من ذلك.

داعش نفّذ أكثر من 120 عملية مسلّحة في العمق الأفغاني منذ بداية العام 2021 80% منها كانت موجهة ضد طالبان

قبل عدة أيام، أعلن تنظيم "داعش" مسؤوليته عن 3 تفجيرات هزت مدينة جلال آباد في شرق أفغانستان، واستهدفت عربات لحركة "طالبان" ما أسفر عن وقوع قتلى وجرحى حسب ما تناقلته وكالات الأنباء.

ثم تلتها بعملية نوعية ظهر يوم الأحد 3 تشرين الأول (أكتوبر) الحالي بعدما شن عناصر يعتقد أنّهم ينتمون لتنظيم "داعش" هجوماً بقنبلة قرب مسجد "عيد كاه"، أثناء مجلس عزاء والدة المتحدث باسم حكومة طالبان والقيادي في الحركة ذبيح الله مجاهد، وأسفر الهجوم عن مصرع خمسة أشخاص مدنيين، على الأقل، وإصابة 11 آخرين حسب "فرانس 24".

اقرأ أيضاً: احتدام القتال بين طالبان وداعش في قندهار... وهذه الحصيلة

ردت طالبان في مساء اليوم نفسه على الهجوم، بمداهمة أمنية استهدفت إحدى خلايا تنظيم "داعش خراسان" في المنطقة الأمنية 17 بالعاصمة الأفغانية كابول، ونشر حساب ذبيح الله مجاهد على تويتر تغريدة جاء فيها: "هام: نفذت وحدة خاصة من مجاهدي الإمارة الإسلامية، الليلة الماضية، في منطقة الدائرة 17 بمدينة كابول، عملية استهدفت عشاً لعصابات داعش. ونتيجة لهذه العملية التي كانت حاسمة وناجحة للغاية، دمر مركز تنظيم داعش بالكامل وقتل جميع عناصره فيه.

تاريخ الصراع بين الفصيلين الإسلامويين يعود إلى نشأة فرع داعش بأفغانستان الذي يكفّر حركة طالبان ويعتبرها بحكم "المرتدين"

 ويوم الأربعاء 6 تشرين (أكتوبر) انفجرت قنبلة في تجمع بمدرسة دينية في ولاية خوست، مما تسبب بمقتل شخص وإصابة 17 آخرين جميعهم من طلاب المدرسة، ردت داعش على طالبان بعملية انتحارية يوم الجمعة 8 تشرين الأول (أكتوبر) في مسجد بإقليم قندوز بشمال شرق أفغانستان مما أدى إلى مقتل 46 وإصابة أكثر من 140 آخرين، حسب موقع "العين" الإخباري.

الجدير بالذكر أنّ داعش نفذ في أفغانستان، قد أكثر من 120 عملية مسلحة في العمق الأفغاني منذ بداية العام 2021، 80% منها كانت موجهة ضد طالبان، وسبق للتنظيم أن أعلن مسؤوليته عن هجمات مماثلة حسب "دويتشف فيله"، كما ارتكب عملية إرهابية أثارت الرأي العام العالمي في مستشفى تديره جمعية أطباء بلا حدود في كابول العام 2020، ذبح فيها 16 شخصاً بينهم رضيعان حديثاً الولادة، إضافة إلى هجوم مسلح على جامعة كابل في العام نفسه مما أدى إلى مقتل 22 طالباً، وكذلك استهدف مدرسة للبنات في العاصمة الأفغانية بعدة سيارات مفخخة ما أسفر عن سقوط أكثر من 40 قتيلاً.

 إنّ تاريخ الصراع بين الفصيلين الإسلامويين قديم، يعود منذ نشأة فرع داعش في أفغانستان "ولاية خراسان"، حيث تكفر داعش حركة طالبان وتعتبرها في حكم (المرتدين)، هكذا تصفهم صراحة في كافة إصداراتها، بينما ترى طالبان "داعش" فصيلاً معتدياً وتكفيرياً ينازعها قيادة الجهاد العالمي.

اقرأ أيضاً: خطوات جديدة لـ"القاعدة" و"داعش" في أفريقيا

ومنذ البداية وطالبان تتعامل مع "ولاية خراسان" بحزم وعنف، فالمكون الأساسي للمنضمين لداعش هم من المنشقين من طالبان، سواء الأفغانية أو الباكستانية، الذين أعلنوا بيعتهم لأبو بكر البغدادي بقيادة حافظ سعيد خان في العام 2015 ووصل عددهم ما بين 2500 إلى 4000 عنصر، أتى نصفهم من خارج منطقة جنوب آسيا، وقد جذبهم العنف المتطرف إلى المنطقة، ثم تمركزوا في عدد محدود من المناطق على الحدود مع باكستان، ثم مع انتشار التنظيم كونوا جبهة ثانية رئيسية في الأقاليم الشمالية بما في ذلك جاوزجان وفارياب"، وذلك بعد عام واحد من ظهوره في سوريا والعراق، ليبدأ داعش خرسان عملياته ضد الحكومة الأفغانية وحركة طالبان.

اقرأ أيضاً: "طالبان" و"داعش".. تقاسم السّلطة وتقارب الأفكار

ورغم أنّ أعداد عناصر داعش "خراسان" أقل بكثير من عناصر حركة طالبان، إلا أنّ العمليات التي ينفذها التنظيم تعتبر الأكثر عنفاً ودموية، تنوعت ما بين عمليات إعدام بشعة لوجهاء القرى وقتل موظفي الصليب الأحمر وشن هجمات انتحارية وسط الحشود، خاض الطرفان معارك عنيفة ضد بعضهم البعض.

 تعرض "داعش" للتقهقر عندما ألقت طائرة شحن أمريكية قنبلة تزن 20 ألف رطل في نيسان (أبريل) 2017 على مجمع كهوف مرتبط بالتنظيم شرق أفغانستان، وهي القنبلة المعروفة بـ"أم القنابل"، وكانت هذه أضخم قنبلة تقليدية في الترسانة الأمريكية، ثم تمكن التنظيم من لملمة أطرافه وعاود الظهور في العام الماضي، وتشير التقارير إلى أنّ زعيم "داعش خراسان" منذ حزيران (يونيو) 2020 حتى الآن هو شاب يدعى "سناء الله"، ويطلق على نفسه اسم "الشاب المهاجر"، حيث تولى قيادة التنظيم بعد اعتقال الزعيم السابق "أسلم فاروقي" على أيدى القوات الخاصة الأفغانية، وحسب موقع "مبتدأ" الإخباري فإنّ "الشاب المهاجر" كان قيادياً متوسطاً في "شبكة حقاني"، وربما ما يزال على تواصل مع هذه الحركة الإرهابية.

هذا الصراع لم يكن مقبولاً من قبل الإسلاميين أثناء الاحتلال الأمريكي، ولم يصبح مقبولاً أيضاً بعد خروج أمريكا، فكلا الفريقين يزعم أنّه ممثل للتيار الإسلاموي الجهادي، وكلاهما يعلنان سعيهما لتطبيق الشريعة الإسلامية، تحول تنظيم داعش إلى أخطر عقبة أمام طالبان في الوقت الحالي، قد تحول الصراع من السيطرة على مناطق نفوذ أو تأديب المنشقين إلى إجهاض قوى وتخريب واستهداف مدنيين ومساجد.

يستغل داعش حالة الارتباك في الداخل الأفغاني بهدف توسيع نطاق عملياته في محاولة لإثبات النفوذ والسيطرة

هذه العمليات تؤكد أنّ تنظيم داعش موجود وبكثافة ويمتلك أدواته وأسلحته وتمويله، وربما يصعب استئصاله من أفغانستان، كما يدل تغيره استراتيجيته التي كانت تعتمد على التمركز على الأطراف في الولايات الجبلية بعيداً عن المدن والعاصمة، إلى التمركز في المدن الكبرى والحيوية، ربما ينتوي نقل القيادة المركزية من العراق وسوريا إلى فرعه في أفغانستان، نظراً لتزايد الضربات الموجهة لهم هناك، لكن المؤكد أنّ العاصمة كابول ستتحول لمنطقة صراع بين الحركة والتنظيم.

يستغل داعش حالة الارتباك في الداخل الأفغاني بهدف توسيع نطاق العمليات الإرهابية في محاولة لإثبات النفوذ والسيطرة، إضافة إلى وجود أرضية فكرية وعقائدية في كابول وأقاليم ننغرهار، وكنر ونورستان شرق البلاد تساند داعش ضد طالبان، وبالتالي تتمكن داعش من تنفيذ العديد من العمليات التي تنهك قوى طالبان، أو على الأقل تشغلهم عن مهمة الحكم وإدارة البلاد، وقد نشر تنظيم داعش في 12 آب (أغسطس)، إحصاء حول عدد العمليات الإرهابية التي نفذها منذ آب (أغسطس) 2020، والتي وصلت إلى 269 عملية، مما يعني أنّ أرواح المدنيين الأفغان سوف تظل بخطر ما دام الصراع ممتد بين التنظيم والحركة.



الصفحة الرئيسية