
في وقت تواصل فيه مصر جهودها لمعالجة تبعات الحرب على الإرهاب واستعادة تماسك مجتمعها بعد سنوات من الاضطراب، أثارت التصريحات الأخيرة التي أدلى بها القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، محمد إلهامي، جدلًا واسعًا. فقد اعتُبرت تلك التصريحات من قِبل عدد من المتابعين مثيرة للقلق لما تضمنته من إشارات تمس مفاهيم تتعلق بالأمن القومي المصري. وامتد النقاش حولها إلى خارج الحدود المصرية، ليشمل دوائر عربية مختلفة، بالنظر إلى ما عكسته من توجهات فكرية ما تزال حاضرة لدى بعض أطراف الجماعة.
خيانة معلنة
في مقطع فيديو متداول، ظهر إلهامي وهو يُجري مقارنة خبيثة بين تعامل "حماس" مع الدولة المصرية، وتعامل "حزب الله" مع النظام السوري، معتبراً أنّ الأولى كان يجب أن تسلك درب الثانية في "حماية" ما سمّاه بـ "حكم الإخوان". لم يكن الأمر زلة لسان، ولا تحليلاً سياسياً تقليدياً، بل هو تحريض صريح على الانخراط في عمل عسكري ضدّ الجيش المصري، بما يوحي، أو يقرّ صراحة، بأنّ "الشرعية" في نظره تبرر استباحة الوطن.
"لم يكن الأمر زلة لسان، ولا تحليلاً سياسياً تقليدياً، بل هو تحريض صريح على الانخراط في عمل عسكري ضدّ الجيش المصري."
لكنّ التصريح الأخطر الذي انفجر كقنبلة إعلامية هو قول إلهامي: إنّ "علامة نجاح الثورة وجود الاحتلال"، وإنّه حين يسقط الوكيل يأتي الأصيل، وإنّ "القراءة الطبيعية إذا سقط نظام السيسي فإسرائيل سوف تحتل سيناء"، مؤكداً أنّ ذلك أمر جيد على المدى البعيد. وعليه، لم يعد المشهد يحتمل تأويلاً، ولا أيّ مجال للشك في أنّ من يتحدث هو شخص يضع رؤيته الإرهابية فوق وحدة الأرض والشعب، في تصريح لا يستفز فقط المصريين، بل يستهدف الوطن، ويهدد أقدس رموز السيادة.
"إنّ القراءة الطبيعية إذا سقط نظام السيسي فإسرائيل سوف تحتل سيناء"، مؤكداً أنّ ذلك أمر جيد على المدى البعيد.
ينتمي محمد إلهامي إلى جيل ما بعد 2013 من القيادات الفكرية في جماعة الإخوان المسلمين، وهو يقدم نفسه كباحث في التاريخ الإسلامي، غير أنّ نشاطه الإعلامي ظل مرتبطاً بالتيار السياسي الإخواني، خصوصاً في أعقاب سقوط حكم الجماعة في مصر. وقد رُصد اسمه في عدد من المحافل الإعلامية التي تتبنّى خطاباً عدائياً ضد الدولة المصرية، وتُروّج لرؤية إخوانية صِرفة لا تخلو من التحريض على العنف.
"لا أيّ مجال للشك في أنّ من يتحدث هو شخص يضع رؤيته الإرهابية فوق وحدة الأرض والشعب، في تصريح لا يستفز فقط المصريين."
ووفق مصادر أمنية وتقارير صحفية متقاطعة، فإنّ اسم إلهامي ارتبط كذلك بحركة "حسم" المسلحة، إحدى الأذرع النوعية التابعة للإخوان التي تبنّت عدداً من العمليات الإرهابية في القاهرة ومدن أخرى. وبالرغم من أنّ إلهامي لم يُقدَّم حتى الآن إلى المحاكمة بتهمة الانتماء المباشر لتلك الحركة، إلا أنّ ظهوره المتكرر في مواقع ومنصات مقربة من قيادات "حسم"، يضعه في دائرة الشبهات الخطيرة.
بين الخطاب السياسي والرؤية العقائدية
ما يُميّز تصريحات محمد إلهامي الأخيرة أنّها لا تنتمي إلى خانة "الرأي الشخصي" أو "التحليل السياسي"، بل تنبع من رؤية إخوانية ترى أنّ الدولة الوطنية عقبة أمام "المشروع الإخواني"، وأنّ سقوط الأنظمة يجب أن يتم عبر أدوات تتجاوز السياسة لتبلغ مستوى التعاون مع العدو، إن اقتضى الأمر. حين يقول إلهامي إنّ إسرائيل ينبغي أن تحتل سيناء من أجل "نجاح الثورة"، فهو لا يكتفي بتشويه المفهوم نفسه، بل يدعو إلى تحويل الصراع الإقليمي إلى ورقة ضغط على الداخل المصري، حتى ولو كان الثمن هو الاستعانة بمن احتلّ الأرض في 1967، وتلقى هزيمتهم التاريخية في 1973.
"ارتبط اسم إلهامي بحركة 'حسم' المسلحة، إحدى الأذرع النوعية التابعة للإخوان التي تبنّت عدداً من العمليات الإرهابية في القاهرة ومدن أخرى."
هذا النمط من التفكير لم يعد مجرد خطر إيديولوجي، بل تحول إلى استراتيجية فعلية في فكر الجماعة، لا سيّما في أجنحتها المقيمة بالخارج، حيث تسود مفاهيم "تفكيك الدولة" و"التحالف مع الشيطان" لتحقيق ما يصفونه بـ "التمكين".
استدعاء سيناء في معادلة الإخوان
ليست هذه المرة الأولى التي تتحوّل فيها سيناء إلى ورقة على طاولة المشروع الإخواني. فقد سبق لقيادات سابقة في الجماعة أن ألمحت إلى ضرورة "تحييد" شبه الجزيرة من أجل ضمان استمرار الحكم الإخواني، حتى لو تطلب ذلك فتح الحدود أو التفاوض مع قوى خارجية. ومع تصاعد العمليات الإرهابية في شمال سيناء بعد 2013، تكشّف الكثير من خيوط العلاقة بين جماعات العنف المسلحة التي كانت تُنفّذ هجماتها ضد الجيش المصري، وبين خلايا تتبع "حسم" و"لواء الثورة"، وغيرها من التشكيلات ذات المرجعية الإخوانية.
"ما يُميّز تصريحات محمد إلهامي الأخيرة أنّها لا تنتمي إلى خانة الرأي الشخصي، بل تنبع من رؤية إخوانية ترى أنّ الدولة الوطنية عقبة."
أمّا اللافت اليوم، فهو أنّ هذه التصريحات تأتي في توقيت تُعيد فيه الجماعة بناء خطابها الإعلامي، وتُطلق مبادرات تزعم فيها القبول بـ "الدولة المدنية"، في محاولة للعودة إلى المشهد السياسي من باب المصالحة. غير أنّ تصريحات إلهامي تكشف الوجه الآخر لهذا الخطاب، وتؤكد أنّ عقل الجماعة ما يزال أسيراً للفكرة الانقلابية، حيث الدولة مجرد وسيلة، وإن لم تَخدم المشروع تُصبح عدواً يجوز استدعاء أيّ قوة خارجية لإسقاطه.
ردود فعل غاضبة واتهامات بالخيانة
ما أن انتشرت تصريحات إلهامي حتى تعالت أصوات الشجب والاستنكار من مختلف التيارات، حتى بعض الشخصيات المحسوبة سابقاً على الإسلام السياسي. وقد وصفها كثيرون بأنّها لا تندرج تحت حرية التعبير، بل ترقى إلى مستوى التحريض المباشر على الخيانة الوطنية. ذلك أنّ هذه التصريحات تعكس وجهاً قبيحاً لمشروع جماعة الإخوان، وتُثبت أنّ من يتحدثون عن المصالحة لا يؤمنون أصلاً بفكرة الوطن، بل يرونه حدوداً مؤقتة أمام فكرة الخلافة.
ازدواجية الخطاب الإخواني
تكشف هذه التصريحات مرة أخرى عن طبيعة الازدواج الخطابي لدى الجماعة، فمن جهة تُصدِّر للعالم نُخباً تتحدث عن الديمقراطية والحريات، ومن جهة أخرى تُنتج خطابات تعبوية تُبرّر التآمر مع العدو ضد الوطن. وفي هذا السياق، فإنّ تصريحات إلهامي ليست سوى انعكاس لصراع داخلي داخل الإخوان أنفسهم، بين جناح يحاول إعادة التموضع سياسياً، وآخر يتمسك بالفكر العقائدي الميليشياوي، الذي يُؤمن بأنّ التغيير لا يأتي إلا بالقوة.
"حين يقول إلهامي إنّ إسرائيل ينبغي أن تحتل سيناء من أجل نجاح الثورة، فهو لا يكتفي بتشويه المفهوم نفسه، بل يدعو إلى تحويل الصراع."
وفي ظل ما تشهده المنطقة من تحولات جذرية، يصبح من الواجب تسليط الضوء على كل خطاب يحمل في طياته بذور التحريض والعمالة المقنّعة. فتصريحات محمد إلهامي، بقدر ما هي صادمة، تُذكّرنا بأنّ مشروع جماعة الإخوان لم يتغيّر، وأنّها ما زالت ترى في سقوط الدول فرصة، وفي خراب الأوطان سُلّماً نحو الخلافة. وبينما تمضي مصر في معركتها لبناء المستقبل، ما يزال البعض يُريد استحضار أشباح الماضي على حساب الأرض والكرامة.
وما بين سيناء التي روتها دماء الجنود، وتاريخ الإخوان الملوث بالمؤامرات، تظل الحقيقة ساطعة: لا مكان لمن يدعو إلى احتلال الوطن.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)