
أهداني الصديق الدكتور خلدون النبواني، الأستاذ في جامعة السوربون، بعض ما أنجزه في حقل الفلسفة من الدراسات والحوارات، كما تجلى ذلك في كتابيه:
- الغريب
- نصوص أدبفلسفية
نحن إزاء كتابات تنتمي إلى عالم فكري تشكّل مع نقد المشروع الحداثي، ووضعه موضع الفحص والمساءلة أو التشريح والتفكيك، وعلى نحو يتناول مختلف العناوين المتداولة في الخطاب الفلسفي وفي خطابات المثقفين عامة، كالأنا والهوية أو المنفى والوطن أو الدين والعلمانية أو المثقف والتغيير.
بذلك يحاول النبواني تسليط الضوء على كل واحدة من مفردات الوجود التي يتناولها، بالكشف عمّا تنطوي عليه الخطابات والمؤسسات والسلطات من وجوه الحجب والخداع أو الزيف والتضليل أو الشعوذة والتشبيح.
ولا غرابة أن ينخرط النبواني في مثل هذه التعرية للأبنية الفكرية والمشاريع الثقافية، هو الآتي من بلده، سوريا، حيث ارتكبت كل المساوئ والمفاسد والمظالم، باسم العروبة والوحدة أو باسم العلمانية والاشتراكية.
الوطن والمواطن
هذا ما صنعته الأنظمة الشمولية والاستبدادية في معظم بلدان ما كان يُسمّى العالم الثالث: استخدام عناوين الوطن والأمّة والأمن القومي، كذرائع لقمع الشعوب، والهروب من استحقاقات الحرية والديمقراطية أو الإصلاح والتنمية.
وهكذا يضع النبواني إصبعه على الجرح ويفتح العلبة السوداء، بتشخيصه العلة التي فتكت في أكثر من مجتمع عربي، في سوريا كما في لبنان، وفي العراق كما في اليمن.
لم يستطع أصحاب المشاريع الإيديولوجية، على اختلاف المنطلقات والعناوين، تحويل مجتمعاتهم إلى أوطان بالمعنى الحديث للكلمة، بحيث ينكسر منطق الملّة والطائفة أو القبيلة والعشيرة أو المنطقة والجهة، لصالح مفهوم المواطنة ومؤسسة الدولة، وعلى نحو يتيح بناء سوية وطنية تشكّل مساحة مشتركة، هي وسط للحوار والتواصل أو مجال للتداول والتبادل. يستوي الجميع في هذا الفشل، من علمانيين ومتدينين، قوميين ويساريين.
هذا ما حمل النبواني على العودة إلى المصطلح العربي القديم، حيث الوطن ليس هو فقط منزل الإقامة وأرض الآباء والأجداد، بل هو قبل ذلك محل الإنسان، أي حيث ينتقل المرء في حله وترحاله، كما كان الأعرابي يعيش حياته السيالة، تتقاذفه الرياح وسط الرمال. ربما لهذا السبب آثر النبواني، عندما تحين ساعة الرحيل، ألّا يُدفن في أيّ بلد أو أرض، بل أن يُحرق جثمانه ليتحول إلى رماد.
بعد هذه الشطحة التفكيكية يعود النبواني إلى الواقع، إذ لا تفكيك من دون تركيب، ليعترف بأنّه لا غنى للواحد عن فكرة الوطن، كانتماء سياسي إلى دولة تنظم علاقة الفرد بالسلطة والمجتمع وبسواه من الأفراد.
وحسناً فعل بتفكيكه مفهوم الوطن، لتركيب صيغة جديدة مفادها: المواطن هو الذي يخلق الوطن.
وما حصل مؤخراً في سوريا، بعد سقوط نظام الأسد، ومجيء إدارة جديدة بقيادة أحمد الشرع، من موجات عنف غير مسبوق، مجزرة تلو مجزرة، سواء بين الحكومة والطوائف أو بين الطوائف والعشائر، يكشف أنّ سوريا، التي أريد لها أن تكون علمانية، اشتراكية، تقدمية، لم تشكّل يوماً وطناً أو بلداً أو مجتمعاً، بل شكّلت خزاناً للأحقاد المتراكمة، هو مصنع لإنتاج العنف الأعمى والفاحش.
وما يعانيه لبنان يعزّز هذا التشخيص. لم يصبح اللبناني مواطناً. من هنا فشلت العلمانية وتعثرت الديمقراطية الليبرالية، وفازت في المقابل المحاصصة بين الطوائف في تقاسم السلطات والثروات أو المناصب والمغانم، وهي لعبة يتقنها الساسة وزعماء الطوائف لتجديد الولاء والهيمنة على الناس.
هذا ما يحملني على القول إنّ الديمقراطية ليست هي الحل في لبنان، قبل ولادة المواطن. ففي الوضع الراهن، حيث صعود الأصوليات الإسلامية، وحيث اختلال الميزان الديموغرافي لمصلحة المسلمين، قد يُفضي تطبيق الديمقراطية العددية إلى تراجع المسيحيين، ومن ثم إلى زوال لبنان، كبلد مميز بتنوعه وغناه، بانفتاحه وجماله.
ومسوّغي في ما أقول هو وجود فارق بين المسيحي والمسلم في لبنان. فالأول هو أكثر انفتاحاً على قيم الحداثة والمجتمع المدني. ثمّة فارق آخر من حيث الولاء للوطن: فالمسيحي قد يتحالف مع الشيطان ولكن من أجل بلده، فيما المسلم يُسخّر اسم الله ضد بلده.
ما يعني كسر الولاء المزدوج للطائفة في الداخل أو للمرجعيات في الخارج، بحيث يقدّم الولاء للوطن ممثلاً بالدولة، على ما عداه من الأطر الضيقة والهويات الفرعية. ولا يعني ذلك الوقوع في فخ العنصرية ضد الغير، وإنّما يعني كسر ثنائية المماهاة الخاوية والعداوة البغيضة، للاشتغال بمفردات الحوار والتواصل أو التداول والتبادل، خاصة أنّ البشرية تدخل في عصر كوكبي، تتسع معه قنوات التواصل وشبكات التبادل، بقدر ما تتعولم الهويات والخيرات والثروات.
أفخاخ الهوية
الوجه الآخر لمشكلة الوطن، هو معضلة الهوية. فلا توجد مفردة أسهمت في تلغيم المجتمعات ومنعها من التقدم أكثر من مفردة الهوية، إذ هي تحوّل الناس إلى عبيد لأسمائهم وأصولهم أو لتقاليدهم وماضيهم، بقدر ما تعامل بوصفها ماهية ثابتة أو قوقعة خانقة.
هذا ما حمل النبواني على تفكيك مفردة الهوية، بقلب الآية وفتح المفهوم على الآخر والمغاير والضد...، وكما عبّر في أحد نصوصه: "لا وجود لأصل مطلق، لأنّ المسألة تتعلق بأجزاء واختلافات وشظايا، أو بأنا مجبولة من أصوات الآخرين وأشباحهم، هي أنا حيّة تنتصر وتنكسر وتتغير وتصير."
بهذا عاد النبواني بالهوية إلى أساسها، حيث المُعطى ليس المماهاة، بل التعدد والتنوع أو الاختلاف والتعارض أو التوتر والنزاع، بل التشظي والانكسار والانشقاق.
وإذا كان النبواني قد دافع، في مسألة الوطن، عن حياة الظعن والترحال لدى الأعرابي، فإنّه في مسألة الهوية انحاز إلى حياة الصعلكة، حيث الهوية لا هوية لها. هذا ما يفعله من لا يأخذ بالأشياء كما تقدّم نفسها، بل يقرأ ما لم يُقرأ في المعطى، بالكشف عن منسياته ومحجوباته أو عن طبقاته وأبعاده.
لا يعني ذلك رفض مفاهيم الهوية والوحدة والشراكة، ولكنّ هذه المصطلحات ليست هي ما في الفطرة والطبيعة، وإنّما هي صناعة وتركيب أو ترويض وتطبيع، بمعنى أنّها جهد عقلي هو فعل مؤسِّس بقدر ما هو عمل مشترك تمليه المصلحة العامة، لكي يستقيم أمر الاجتماع ويتوقف التنازع والتقاتل.
من هنا يميز النبواني بين أنا ميتة وأنا حية؛ فالأنا الميتة هي التي يتعامل صاحبها مع هويته بوصفها وراءه عبئاً يحمله أو تقليداً يعيقه. وفي المقابل فإنّ الأنا الحية هي التي يتعامل صاحبها مع هويته بوصفها أمامه، أي قدرته على الخلق والتحول أو التجدد والتطور.
المثقف محامٍ فاشل
من العناوين التي يتناولها النبواني بالمساءلة والمراجعة قضية المثقف والتغيير، وهي المفتاح لتفسير عجز الكثير من المجتمعات، وأخصها بالذكر المجتمعات العربية، عن تحقيق الشعارات التي طرحتها النخب الثقافية منذ عصر النهضة، حول العقلانية والتقدم أو الأنسنة والعولمة أو الحريات الديمقراطية والحقوق المدنية، فضلاً عن محاولات الإصلاح والنهوض.
ما يعني ارتداد المثقف على ذاته وأفكاره، كفاعل ثقافي تصدّى لمهمة تغيير الواقع السياسي والمجتمعي والاقتصادي في البلدان العربية. ها هنا العطب الأصلي، أي مصدر المشكلة ومكمن العلة: فشل أصحاب المشاريع الإيديولوجية التي صاغتها النخب في إحداث التغيير. فما حصل هو أنّ المآلات كانت بائسة والنهايات كارثية، بقدر ما كانت الأفكار طوباوية والبدايات مفخخة.
والنبواني ينخرط في هذه المراجعة، باعترافه بأنّه كمثقف، حلم وسعى إلى تغيير الواقع وقد فشل، وكان مثله بذلك مثل المحامي عن القضايا الخاسرة. هنا يتطرق النبواني إلى الذين خانوا القضايا، ممّن تعاونوا مع سلطات الاستبداد، كما فعل كثر من المثقفين العرب. والمثال على المستوى العالمي قدّمه الفيلسوف الألماني هيدغر الذي تعاون مع النظام النازي. والمسألة هنا ليست مسألة قبول توبة المثقف واعتذاره، مع أنّ هيدغر لم يقدّم اعتذاراً لأحد. على كلٍّ أنا لا أحبذ مفاهيم الاعتذار والغفران بطابعها اللّاهوت، لأنّ المسألة هي استخلاص الدروس والعبر لتجارب تاريخية تراكمت على مدى قرن ونصف.
والوقائع تقول لنا إنّ مشاريع التغيير قد فشلت، كما طرحتها إيديولوجيات التقدم وحركات التحرر، على اختلاف نسخها اليسارية والقومية والدينية.
وليس مردّ الفشل إلى الذين خانوا القضايا لقاء الحصول على مكاسب ومغانم، من جانب السلطات، وإنّما مردّه إلى العدة الفكرية، وبالتحديد إلى تعامل المثقف مع أفكاره بعقل نبوي لاهوتي بوصفها حقائق مطلقة أو أيقونات مقدسة.
والدرس المستخلص هو أنّ مشكلة المثقف، كفاعل فكري، لا تأتي من هذه السلطة أو تلك، وإنّما هي مع أفكاره بالدرجة الأولى. وملخصها أنّ العالم يتشكّل ويعمل ويسير بخلاف تصورات المثقفين وبرامجهم فيما يخص مقاربة الواقع وآليات تغييره.
نهاية النموذج النخبوي
وما يحدث ويفاجئ يكتب نهاية النماذج النضالية التحررية التي انتجت طغاة وجلادين أو أحزاباً فاشية ودوائر للمخابرات إرهابية، وكما تشهد النسخ من ستالين إلى ماو تسي تونغ، ومن تشاوسكو إلى شافيز، ومن الخميني إلى عمر البشير، ومن كاسترو إلى أبو عبيدة.
والشواهد تقدّمها الصين على نهاية النموذج التحرري والمنظومات اليقينية. فبعد رحيل الطاغية ماو تسي تونغ، حيث الاشتراكية ترجمت إلى فقر مدقع، أتى بيساو بينغ، ليكسر المنطق النخبوي الفاشل بأطروحته الشهيرة: لا يهمنا لون القطة، المهم أن تأكل الفئران. أي لا تهمنا النظرية، المهم أن ننهض ونتقدم. وقد اجترح الحلول والمخارج بتركيب صيغته للنمو والتقدم، وكانت الحصيلة أنّ الصين تحتلّ اليوم المركز الثاني في العالم، على المستوى الاقتصادي والتقني.
وهذا ما حصل في ماليزيا، التي حققت قفزة نوعية في مجال التقدم الاقتصادي مع تسلم مهاتير محمد سدة الرئاسة، لأنّ العنوان الذي كان يحركه هو الآتي: لا تنمية بلا ابتكار أفكار، ولهذا قام بدرس نماذج التنمية في أكثر من بلد، الناجح منها لمعرفة سرّ نجاحه، والفاشل لمعرفة سبب فشله. والأهم أنّه ركب صيغته واخترع نموذجه.
ولا غرابة أن يكون الأمر كذلك، فالفكرة الخلّاقة هي التي تمتحن ويجري تعديلها أو تحويلها وإعادة وصوغها، في حقول التجربة وميادين الممارسة حيث المحكّ والرهان.
إنسانيتنا هي المشكلة
بهذا المعنى، كل بلد يجترح معجزته، لا بالمعنى الماورائي والغيبي، بل بالاشتغال على وقائع حياته ومعطيات وجوده، بحيث يشغل طاقته الفكرية ويستثمر موارده الطبيعية والرمزية.
والأهم من ذلك أنّ مفهوم التغير قد تغير. فالمجتمع لا يغيّره حاكم متمركز على ذاته، أو مثقف مستغرق في أوهامه، وإنّما يغير نفسه بنفسه، في مختلف حقوله وقطاعاته، وبكل قواه الحية والخلاقة، بحيث يتحول إلى ورشة دائمة من الفكر الحي والعمل المثمر، وعلى نحوٍ يتيح لكل مواطن منتج ولكل قطاع نامٍ أن يسهم في أعمال البناء.
وإذا كان ثمّة حاجة إلى قيادة، فالقيادة الناجحة هي التي تحسن فتح الآفاق والأبواب والفرص، على نحو يحيل المستحيل إلى ممكن والعجز إلى قدرة والجامد إلى متحرك.
أفة النرجسية
من العناوين التي تناولها النبواني بالفحص مسألة السيرة الذاتية، وحظها من الحياد والموضوعية، سواء كان صاحبها هو كاتبها أم كانوا الآخرين الذين يكتبون عنه. وهو يستعرض بعض النماذج لمشاهير عرب أو غربيين، مثل غوته وشكسبير أو نزار قباني ومحمود درويش. وكم أعجبني نزار قباني في نص له جميل، يقول فيه إنّه يرفض أن يكتب أحد سيرته، إذ هو أولى من يكتب عن حياته بنفسه.
ووجه الإشكال هنا أنّ الواحد عندما يكتب عن الآخر إنّما يكتب في الوقت نفسه عن أحواله، بحيث يتداخل في المسألة السارد والمسرود، أو الذات والموضوع، ممّا يلقي ظلالاً من الشك على المصداقية في كتابة السير لسببين:
- الأول هو أنّ من يكتب عن الآخر، إنّما يكتب أيضاً عن نفسه، لأنّ الكاتب والمكتوب عنه، كلاهما ليس مجرد آلة مبرمجة، كلاهما كائن حيّ تحركه، بوعيه أو لا وعيه، مشاعر الاعجاب والحب أو الكره والبغض.
- وهذه الآفة تبلغ حدّها الأقصى عندما يتخذ الواحد الآخر ذريعة لكي يكتب عن نفسه أو لكي يعرض أفكاره، فيقع في فخ النرجسية بما هي "انتفاخ الذات"، وأنا أتساءل هنا هل أنا أقع في هذه الآفة في محاولتي الكتابة عن خلدون النبواني؟
- أمّا العطب الآخر لكل كتابة، فهو أنّ هناك، في كل ما نفكر فيه ونعرفه أو نتيقن منه، جانباً غير مفكر فيه يخرج عن سلطة العقل وقبضة المنطق. ولهذا فالكاتب في ما يكتبه عن نفسه أو عن سواه، إنّما يستبعد أشياء ويستبقي أخرى، على قول الشاعر قديماً: عرفتَ شيئاً وغابت عنك أشياء.
على أنّ الإشكال يزداد التباساً وتعقيداً، عندما يتعلق الأمر بكاتب يكتب عن آخر تجمعه به علاقة وطيدة كأن يكون تلميذاً له أو مريداً، أو بالعكس عندما يكون خصماً له أو ضداً يضمر له العداء والضغينة.
- والنموذج الأول لمثل هذه العلاقة هي علاقة أفلاطون بأستاذه سقراط، وهي علاقة مركبة ومزدوجة، بمعنى أنّ كليهما يتأثر بالآخر. فأفلاطون تأثر كبير الأثر بسقراط، بقدر ما تماهى معه. ولكن المماهاة خادعة، فالصورة التي قدّمها أفلاطون لسقراط هي صنيعته، لا صنيعة سقراط.
وحسناً فعل النبواني، إذ انتقد أفلاطون كونه قدّم لنا نسخة عن سقراط كنقيض للفكر السوفسطائي. هذا في حين أنّ المدرسة السوفسطائية كان لها الأثر الأكبر في تطور الفكر اليوناني، إذ لولاها لما كان أفلاطون. نحن إزاء شاهد يقول لنا إنّ ما نعتبره منافسنا أو خصمنا، قد يخترقنا ويؤثر في أفكارنا وشخصيتنا من حيث لا نحتسب.
- أمّا النموذج الثاني، فتقدمه لنا كتابة النبواني نفسه عن الفيلسوف صادق جلال العظم.
والعظم هو على العكس من نزار قباني، فهو يرحب بالكتابة عنه، على أن تقتصر على حياته العامة والمهنية، ولا تطال حياته العاطفية وأشياءه الحميمة أو أسراره الدفينة، إذ بذلك يفقد ذاته. بذلك أدرك العظم مقوماً من مقومات الذات، فمن لا يحتفظ بسر يحرص على عدم كشفه يفقد هيبته وربما جاذبيته، تماماً كالسياسي الذي لا يحتفظ بأوراق لا يكشفها لكي يلعب بها، إذ بذلك يتحول من لاعب إلى ملعوب به.
ثمّة ملمح آخر في شخصية العظم، الذي تبنّى الماركسية، كمرجعية له، فكراً وعملاً. فهو لا يزعجه أن يُقال عنه "مفكّر ملحد"، بل كان يطرب لكونه يُعدّ ناقداً شرساً للديانات بشعوذاتها وخرافاتها.
الخالق والباحث
بعد هذا الاستطراد عن العظم، أعود إلى نمط العلاقة التي كانت تجمع النبواني به. إذ كان خلدون من تلامذته في قسم الفلسفة بجامعة دمشق. وكان معجباً بكتبه غاية الإعجاب، وهو ما جعله يتماهى مع أفكاره كالمريد إزاء شيخه.
ثم أتى طور خرج فيه النبواني من العظم وعليه، عندما طلّق الماركسية واستفاق من سباته الحداثي والنضالي، فانفتح على فكر ما بعد الحداثة، وعلى مناهجها في الحفر والتفكيك في طبقات الخطاب وعتمات النصوص وأنظمة المعرفة.
بالطبع لا يقول النبواني إنّه لا يريد أن تكون كتابته ذاتية عن العظم، بل يريد التأكيد على استحالة الكتابة الموضوعية والحيادية.
وهنا نصل إلى لبّ المسألة، في ما يخص الكتابة عامة، وليس فقط كتابة السير. فنحن تجاوزنا ثنائية الذات والموضوع، لأنّ الكتابة تأتي دوماً بالجديد وغير المسبوق، إذ هي تقرأ دوماً في الحدث، أكان نصاً وخطاباً أم ثورة وانقلاباً، ما لم يُقرأ.
قد يكتب الواحد عن الواقع والعالم أو عن نفسه وعن الآخر، بسرد وقائع وتفاصيل حقيقية، من دون أن يضيف شيئاً، كما لو كان الأمر يتعلق بنشرة إعلامية أو بتحقيق قضائي.
وبالعكس قد يكتب الواحد عن الأشياء فيفتح أفقاً للرؤية، أو يجترح منهجاً للتفكير، أو يخلق مجالاً يعاد معه تشكيل الواقع، بقدر ما يتسع الإمكان الوجودي والعقلي.
وحسناً فعل النبواني أن سمّى كاتب السيرة "مؤلفاً". فالسيرة كعمل أدبي أو فلسفي هي "خلق وإبداع". لقد ولّى زمن الباحث لصالح الخالق، اللاعب والفاعل.
ملحق:
أسجل اعتراضي على عنوان الكتاب الثاني: نصوص أدبفلسفية
لأنّه ثقيل على السمع وغير مستساغ. فاللغة العربية ليست لغة تركيبية كاللغة الفرنسية، مثلاً، وإنّما هي لغة اشتقاقية، فالجمع بين كلمتين يشترط الانسجام مع قواعد الصرف، كما اشتق القدامى كلمة فلسفة من كلمتي فيلو وصوفيا، وكما اشتق المحدثون كلمة مجوقلة للحوامة من كلمتي النقل جواً. وأنا كنت أوثر إذا لم نحسن اشتقاق كلمة عربية ملائمة، أن يكون العنوان: نصوص عابرة ما بين الأدب والفلسفة.
خلاصة كلمتي: ما كان القصد أن أتناول النتاج الغزير للدكتور خلدون النبواني، وإنّما هي تحية تقدير له، على ما كتبه وألفه، وبحسب قراءتي لما قرأته من نصوصه. فالرجل قد اجتهد وأضاف وجدّد، بقدر ما نجح في تجاوز مأزق الكتابات عن فلسفة عربية، بكتابة نص فلسفي، باللغة العربية، عابر لحواجز اللغة وأطر الهوية، يستأثر باهتمام العرب وغير العرب.
ملاحظة: كتبت هذه المقالة قبل أحداث السويداء، باستثناء الفقرة التي تتحدث عنها.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9_1_3.jpg.webp?itok=6SxxGstd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%8A_%D8%B3%D9%86%D8%A7%D8%B1-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3.jpg.webp?itok=8CTlRjMJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/724158446_122130177477154944_7628977075908430200_n.jpg.webp?itok=VrIHF1DT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/nhj_4_1_0.jpg.webp?itok=kmavJWBY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_0.jpg.webp?itok=ZtSgI9Dk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_0.jpg.webp?itok=xcb0CJSf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_1.jpg.webp?itok=g6wDAP5i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1%20%D8%A8%D9%86%20%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83_2.jpg.webp?itok=8oiGqW89)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%A8%D8%A7%D9%85%D8%A7_2_0.jpg.webp?itok=YZq101_0)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_2_1.jpg.webp?itok=5pmY_-AE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/144_1.jpg.webp?itok=7-35tSaW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_3_2_3.jpg.webp?itok=wGnFVh_c)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_102_0_1.jpg.webp?itok=0khZilrZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1.jpeg.webp?itok=NWckZXvy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_23.jpg.webp?itok=psAtISEJ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/shutterstock_691088758_0_1.jpg.webp?itok=J3_6oJup)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86_22_12_0.jpg.webp?itok=1Hy2d7Fm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)