خطة ترامب بشأن غزة: كيف يمكننا تجاوز الغموض؟

خطة ترامب بشأن غزة: كيف يمكننا تجاوز الغموض؟

خطة ترامب بشأن غزة: كيف يمكننا تجاوز الغموض؟


08/10/2025

ترجمة: محمد الدخاخني

إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب راغباً حقاً في نيل جائزة نوبل للسلام، فعليه أن يُقدِّم أداءً أفضل من "الخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة" المكوَّنة من عشرين نقطة.

وبينما وصف ترامب، بأسلوبه المعهود في المبالغة، يوم إصدار خطته بأنّه "من بين أعظم أيام تاريخ البشرية"، فإنّ التدقيق في الصحافة العربية والإسرائيلية والأمريكية يكشف أنّ معظم المحللين لا يميلون إلى رؤيتها بهذه الطريقة.

 

بعد قراءة تعليقات الكُتَّاب من جميع المجالات، من اللافت للنظر مدى التباين الكبير في آرائهم تجاه جهود ترامب. فبينما يعرب قلة في المناطق الثلاث عن أملهم في أن تُمثل الخطة طريقاً نحو السلام، هناك مجموعة كبيرة من الإسرائيليين والعرب والأمريكيين الذين يرونها معيبة، وإن كان ذلك لأسباب مختلفة.

 

على سبيل المثال، يشير المتشدِّدون الإسرائيليون إلى أنّه إذا نُفِّذَت خطة ترامب المكوَّنة من عشرين نقطة، فإنّها ستؤدي حتماً إلى إنشاء دولة فلسطينية من شأنها أن تُشكِّل تهديداً قاتلاً لأمن إسرائيل. وفي غضون ذلك يُعرب عدد كبير من العرب عن قلقهم من أن تُؤدي خطة ترامب، في حال تطبيقها، إلى ترسيخ الاحتلال الإسرائيلي، ممّا سيؤدي إلى تفكك القضية الفلسطينية. وفي الواقع، القضايا الوحيدة التي يُجمع عليها الكل هي أنّ الخطة ستُوقف المزيد من الدمار في غزة وتُتيح عودة الرهائن الإسرائيليين وبعض السجناء الفلسطينيين.

 

تتعدَّد أسباب هذا التباين الكبير في التفسيرات: انعدام ثقة العرب المُستحق بكل من ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، واعتقاد الإسرائيليين المتشددين بأنّ نتنياهو سيفعل كل ما يلزم للبقاء رئيساً للوزراء، والغموض المُتعمَّد لمعظم النقاط الرئيسة في الخطة، وهو ما يُثير غضب الفلسطينيين بشكل خاص، حقيقة أنّهم سُلِّموا الخطة كأمر واقع من دون أن يُطلب منهم تقديم أيّ مُدخلات وإنّما قبولها، أو كما قال ترامب: "سيندلع جحيمٌ لم يشهده أحد من قبل ضد حماس".

 

ومن بين كل هذه العوامل، يُعَدُّ الغموض هو المُشكلة المُلحة لجميع الأطراف. على سبيل المثال، يُثار قلق المُتشددين الإسرائيليين عند ذكر الانسحاب الإسرائيلي ووجود قوات حفظ سلام عربية وشرطة فلسطينية وإمكانية عودة السلطة الفلسطينية (التي تعني، في نظرهم، رابطاً بين الضفة الغربية وغزة يُؤدي إلى دولة فلسطينية).

 

أمّا الفلسطينيون، فعند قراءة الوثيقة بتمعُّن، يرون أنّ أيّاً من هذه البنود غير مضمون. وبينما تُشير الخطة إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي، فإنّها تُتيح بقاء القوات الإسرائيلية في محيط أمني داخل غزة. وبالنسبة إلى الفلسطينيين، يعني هذا استمراراً للحصار الإسرائيلي المتواصل منذ عقدين على جميع منافذ الدخول والخروج من غزة. ويرون أنّ هذه الخطة تُركز بشكل مُفرط على أمن إسرائيل، من دون مراعاة تُذكر للعدالة والأمن الفلسطينيين.

 

ومن المشاكل الصارخة الأخرى غياب تعريف مُحدد للمصطلحات وآلية إنفاذ تضمن تطبيق بنود الخطة.

على سبيل المثال، ما تعريف "اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية غير السياسية" المزمع إنشاؤها لإدارة العمليات اليومية في غزة؟ وهل سيخضع أعضاؤها للتدقيق من قِبل مجلس الإدارة الذي سيقوده ترامب؟ وهل سيتمكن الإسرائيليون من نقض قرارات أعضائها؟ وفي ظل غياب أيّ وضوح حول هذه النقاط، هل سيُنظر إلى هذه اللجنة على أنّها تتمتَّع بالشرعية من قِبل الفلسطينيين؟

 

وأخيراً، في ظل غياب آلية مُحَايدة محددة للتنفيذ، هل ستسمح الولايات المتحدة لإسرائيل بالتصرُّف في غزة كما فعلت فيما يتعلق بوقف إطلاق النار في لبنان وسوريا، حيث تتولى دور الحكم الوحيد والمنفذ للاتفاقيات؟ ويبدو أنّ تفسيرهم لوقف إطلاق النار يأخذ شكل "توقفوا أنتم، بينما نواصل نحن إطلاق النار".

 

وتشير الخطة إلى مسار للتنمية الاقتصادية لجذب الاستثمار الأجنبي، ومن المقرر أن يصمم هذه المسار خبراء أسهموا في "ولادة بعض المدن الحديثة المزدهرة في الشرق الأوسط"، ومنطقة اقتصادية خاصة بتعريفات جمركية تفضيلية. ولكن من الصعب للغاية أن نفهم مدى ارتباط كل هذا بمحنة الفلسطينيين واحتياجاتهم المباشرة، التي يجب أن تكون لها الأولوية على مدنٍ فانتازية مستقبلية.

 

هناك بعض التفاصيل المتعلقة بتخلّي أعضاء حماس عن أسلحتهم وتعهدهم بالالتزام بالتعايش السلمي وتشكيل قوة دولية لحفظ الاستقرار في غزة. لكن ليس من الواضح كيف ستتم إدارة ذلك. وبينما تُظهر استطلاعاتنا أنّ الفلسطينيين في غزة قد سئموا من هذه الحرب ومن حماس، فإنّهم يُعربون أيضاً عن رغبتهم في أن يحكمهم ائتلاف وحدة وطنية فلسطيني، ويريدون محاسبة القوات الإسرائيلية على الجرائم التي ارتكبتها.

 

الخلاصة هي أنّ خطة ترامب، بعيداً عن كون يوم الإعلان عنها "من بين أعظم أيام التاريخ البشري"، ليست سوى بداية. قد تُنهي القصف في نهاية المطاف وتُعيد الأسرى، ولكن من أجل تحقيق السلام لا بدّ من إجراء نقاشات موسعة تُعزز الخطة، وسيتطلب ذلك انفتاحاً وثقة من جميع الأطراف. ومع ذلك، فإنّ ما يلي أساسي.

أوّلاً: ينبغي ألّا تكون حماس هي الحَكَم في مستقبل الفلسطينيين. فقد أُزهقت أرواح كثيرة، ودُمِّرت أخرى أكثر، ويجب أن ينتهي القتال.

ثانياً: يجب على الدول العربية وغيرها الإصرار على محاسبة الإسرائيليين على الجرائم التي ارتكبوها، ولا يمكن تجاهل ذلك.

ثالثاً: مع اتفاق جميع الأطراف على وقف إطلاق النار، يجب أن يبدأ التدفق الهائل للمساعدات والدعم الذي سيحتاجه الفلسطينيون.

رابعاً: انطلاقاً من الخطوط العريضة التي قدّمتها خطة ترامب، يجب أن تبدأ المفاوضات، بمشاركة فلسطينية جادة على جميع المستويات لبلورة التفاصيل الكفيلة بحلّ الأسئلة العالقة.

خامساً: إذا أراد الرئيس الأمريكي أن يكسب مكانته في التاريخ، فعليه أن يكون مستعداً لفرض ضغوط على إسرائيل للالتزام بأيّ شروط يتم التوصل إليها.

 

أخيراً، لكي يكون هذا مستحقاً للثناء، يجب تطبيق هذه الضغوط أيضاً على الضفة الغربية والقدس الشرقية، وليس فقط فيما يتعلق بالضم. فمن أجل تحقيق السلام يجب وضع حد للتوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وهدم المنازل والمداهمات وهجمات المستوطنين. لقد أضعفت هذه السلوكيات مصداقية السلطة الفلسطينية وزادت من دعم حماس ومهَّدت الطريق لصراع أكبر.

 

لقد نجحت خطة ترامب، بتركيزها على أمن إسرائيل وضماناتها الغامضة للفلسطينيين، في كسب تأييد نتنياهو وحماس، مع تحفظات كل طرف. لكن إذا أُريد لها أن تؤدي إلى السلام، فما يزال أمامنا عمل شاق.

 

المصدر: جيمس زغبي، ذي ناشيونال، 5 تشرين الأول (أكتوبر) 2025




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية