
مختار الدبابي
في حال توقفت الحرب دون التوصل إلى اتفاق ملزم يعيد رسم قواعد الاشتباك ويضبط مسارات التصعيد، من المرجح أن تبادر طهران إلى إعلان “النصر” وإغراق المنطقة في الشعارات والمزايدات بحجة القدرة على “هزيمة” العدوان الأميركي – الإسرائيلي عليها. لا نناقش حق إيران في الدفاع عن نفسها ضد عدوان لا يستند إلى أي شرعية دولية، لكن لا يمكن لهذا الحق أن يبرر عدوانا آخر غير قانوني وغير شرعي وغير أخلاقي من إيران على جيرانها الخليجيين واستهداف مؤسسات مدنية واقتصادية لا علاقة لها بالحرب من قريب أو بعيد.
الهزيمة، في معناها السياسي والعسكري، لا تعني بالضرورة الاستسلام الكامل أو الانهيار الشامل. كما أن النصر لا يعني فقط القدرة على الاستمرار في الحرب، إذ يمكن لأي دولة أن تستمر في الصمود، وأن تحافظ على بنيتها السياسية، لكنها في الوقت ذاته تتكبد خسائر نوعية تعيد تشكيل موقعها الإقليمي والدولي.
إن السردية الإيرانية التي تسوق لـ”النصر” في الحرب تقابلها سردية أخرى تظهر إيران في قالب نظام معتد وبلا قيم وتؤسس لعزلتها على المدييْن القريب والبعيد؛ “نصر” ملتبس ومؤقت في الصمود أمام الضربات الأميركية والإسرائيلية تقابله هزيمة أخلاقية واضحة وجلية تؤكد خسارة النظام الإيراني لعمقه الخليجي – الإسلامي وتكشف خطره الإستراتيجي كنظام يقوم على فكرة الاعتداء والتمدد والاستهانة بالمحيط الإقليمي والتآمر عليه.
قد يستعيد النظام الإيراني توازنه في الحرب ويخرج منها دون اتفاقية مذلة، ويستطيع أن يتحدث عن “نصر”، كان هذا ممكنا لو أنه اكتفى بمواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن هجومه على دول الخليج واستهداف أمنها ومنشآتها سيزرعان حالة من الكراهية بين شعوب المنطقة تجاهه بشكل يؤسس لعزلة سياسية واقتصادية وشعبية تجعل من إيران بلدا بلا عمق شعبي، وحتى الذين يتحركون لإنقاذ إيران عبر التوصل إلى اتفاقية لوقف الحرب مثل باكستان فسيشعرون من الآن أن الدور عليهم، وأن النظام الإيراني لا يؤمن بجيرة ولا بقانون دولي، وهو أمر أدركته تركيا بشكل واضح وعكسه مسؤولوها من خلال تصريحات حذرة. النتيجة عزلة شاملة من جهة الخليج وحذر يؤدي إلى بناء جدار، ولو غير معلن، مع باكستان وتركيا وأذربيجان.
يوم الأربعاء الماضي أعلنت ثلاث شركات طيران كبرى في الإمارات منع المواطنين الإيرانيين من دخول البلاد أو السفر عبرها، وهي خطوة ذات دلالة كبيرة، وجرى حديث عن منع تشديد معاملات المصارف الإماراتية مع إيران، في خطوة ستمهد بشكل مباشر لخلق أزمة دولار في إيران. وقد تلجأ الإمارات إلى تجميد أصول إيرانية موجودة على أراضيها يقدرها باحثون بأنها تتراوح بين 20 و50 مليار دولار.
إذا قررت الإمارات، التي كان لها دور تاريخي كبير في التفريج عن الإيرانيين من تأثيرات العقوبات الأميركية، أن تقيد المعاملات الاقتصادية والمالية والغذائية والدوائية مع إيران فهي تخلق لها أزمة حادة، ولا شك أن دول الخليج الأخرى ستنحو، ولو بنسب متفاوتة، نحو هذا التوجه على الأقل من جانب تعزيز الالتزام بالعقوبات.
لكن الإمارات تفصل بين النظام الإيراني وبين الآلاف من منتسبي الجالية الإيرانية في البلاد. وأكدت وزارة الخارجية أن الجالية الإيرانية في الإمارات تحظى بالاحترام وتشكل جزءا من نسيج المجتمع، في دولة تضم أكثر من 200 جنسية. وشددت على أن ما يُتداول بشأن أوضاع إقامتها مزاعم غير دقيقة، مؤكدة التزام الدولة بحماية حقوق جميع المقيمين، وترسيخ بيئة آمنة قائمة على سيادة القانون والتعايش.
إيران تخنق نفسها بنفسها من خلال استهداف الخليجيين. هنا تحديدًا تتجلى المفارقة: فبينما يُقدَّم “النصر” في الخطاب الداخلي كدليل على الصمود والقدرة على المواجهة، يعيش المواطن الإيراني واقعًا اقتصاديّا أكثر صعوبة، في ظل تضخم مستمر، وتراجع في القدرة الشرائية، وضغوط متزايدة على العملة الوطنية.
السيناريو الذي ستحاول إيران الترويج له بشأن “النصر” ليس جديدًا في أدبيات الصراعات، حيث تلجأ الدول إلى إعادة تأطير النتائج بما يخدم تماسكها الداخلي ويحافظ على صورة الردع. غير أن هذا “النصر” المحتمل، في الحالة الإيرانية، يبدو أقرب إلى نصر معنوي أو دعائي، يخفي وراءه كلفة باهظة وتحديات إستراتيجية عميقة. ومن هذه الزاوية، يصعب تجاهل حجم الأضرار التي لحقت بإيران على أكثر من مستوى.
أول هذه المستويات يتعلق بالبرنامجين النووي والصاروخي، اللذين شكّلا لعقود ركيزة أساسية في إستراتيجية الردع الإيرانية. الاستهداف المباشر أو غير المباشر لهذه القدرات، سواء عبر ضربات عسكرية أو عمليات تخريبية أو اغتيالات نوعية، يعني عمليًا إبطاء مسار التطوير، وربما إعادته سنوات إلى الوراء. وهو ما ينعكس ليس فقط على القدرات التقنية، بل أيضًا على صورة القوة التي سعت طهران إلى ترسيخها. أن تستمر إيران في إطلاق الصواريخ والمسيّرات لا يعني هذا نظريا أنها في حالة قوة، وأن خصمها قد انهزم، فكلاهما يستمر في الحرب بنفس الحماس. الفارق أن الحرب على أرض إيران، وهي من تتكبد الخسارة الأكبر في الوقت الراهن عسكريا وعلى المدييْن القريب والبعيد اقتصاديّا وبيئيّا. وللتغطية على العجز عن تسجيل رد متكافئ مع أميركا وإسرائيل لجأت إيران إلى استهداف جيرانها بأكثر من ثلثي الصواريخ والمسيرات في هجمات انتقامية غير مبررة.
ستكون خسارة العمق الخليجي أولى وأهم نتائج “النصر” الإيراني، وهو نصر لا يتعدى الخطاب الدعائي الذي يجد للأسف تفاعلا من الشارع العربي.
أما الخسارة الثانية فهي بشرية ونخبوية بالدرجة الأولى. مقتل قيادات من الصفين الأول والثاني، سواء في المؤسسات العسكرية أو السياسية، يترك فراغًا يصعب تعويضه خاصة أن الاغتيالات استهدفت عصب النظام باغتيال المرشد والقيادات الميدانية النوعية في الحرس الثوري، التي كان أغلبها يتحرك في الظل. القيادات التي تمت تصفيتها بسرعة ويسر لا تمثل فقط مواقع إدارية، بل تحمل خبرات تراكمية وشبكات علاقات معقدة داخل الدولة وخارجها.
ومع أن الأنظمة ذات الطابع المؤسسي قادرة على إعادة إنتاج نخبها، فإن الخسائر في لحظات الحرب تظل ذات أثر مضاعف على كفاءة القرار وسرعة الاستجابة، كما أنها تطرح أسئلة حول استمرارية النهج، وتوازنات مراكز القوة داخل النظام، وربما حتى حول مستقبل الاستقرار السياسي الداخلي.
على المستوى الخارجي، تبدو صورة إيران مرشحة لمزيد من التعقيد. فبدل أن تكرّس نفسها كقوة إقليمية إيجابية، تجد نفسها مصدر تهديد مباشر لأمن الملاحة البحرية وتدفقات الطاقة بتهديد المرور الآمن لسفن النفط في مضيق هرمز، ما قد يدفع قوى دولية وإقليمية إلى تعزيز التنسيق فيما بينها لاحتواء هذا “الخطر”، وهو ما يترجم عادة في شكل ترتيبات أمنية جديدة أو ضغوط اقتصادية إضافية، قد يكون من بينها التدخل العسكري المباشر لمنع سيطرة إيران على المضيق، قد يحصل هذا عبر مجلس الأمن أو ضمن تفاهمات دولية اضطرارية.
في المحصلة، قد تنجح طهران في تسويق نهاية الحرب باعتبارها انتصارًا سياسيّا أو صمودًا إستراتيجيّا. غير أن هذا “النصر” يخفي واقعا أكثر تعقيدًا: خسائر في القدرات، استنزاف في النخب، تراجع في الصورة الدولية، وتزايد في الضغوط الاقتصادية. وهي كلها عناصر تجعل من “النصر” المحتمل أقرب إلى إعادة تعريف للخسارة، لا إلغائها.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_72.jpg.webp?itok=Ke83_r_i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_211_0.jpg.webp?itok=poBpQhm-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Al-Qaeda-and-the-Houthis_1_0.jpg.webp?itok=m3wFK8u4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_7_6_1.jpg.webp?itok=EtF2Zx6c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SNGZDFKJ2_9prgp7ql5B9129WyEmpUs-UKOADbixh_qXbiwowHq7ChMr4jRIS6ihFHxzpIG5kfBpOIdHtWgE9m_iB76kRJO-dkOJS_-G1Iqb3tVRXr2dpiBX0FqgsSuimkVnRsISBSGXXWdzCkaaX6BtrWdxUWEIJ8T5Te3-UXE7d85VNOKRdK7TVnjNv257.jpg.webp?itok=aZkbWm9D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fim97wtVD5pn_fb5l7vSKajmhIQY3sNPQXSyLnnjyFtzNC0BcCsyDUjh0G_-qUUeeAz-r--NqFU9eaZlBxXYNpS0DuLTBJZSBWcm74FN06EQ45ytJKn2UvHaTyHGjq8e07_nH8QvBkvjnmLfD7FRb_tSAEbp6yO4sc6b5ltySrtXnY5oNyZHAduQmXv1rf_G%20%281%29.jpg.webp?itok=GAd-Z-Jv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

