حين هتف النقابيون في تونس: "يا غنوشي يا سفاح"

حين هتف النقابيون في تونس: "يا غنوشي يا سفاح"

مشاهدة

17/06/2020

لم تهدأ الاحتجاجات الغاضبة في تونس، منذ إعلان رئيس حركة النهضة، رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، دعمه لفايز السراج، "رئيس حكومة الوفاق الوطني"، في مواجهة الجيش الوطني الليبي.
وعقد البرلمان التونسي، مطلع الشهر الجاري، جلسة مساءلة للغنوشي، بتهم العمالة لتركيا وقطر، والتسبب في انقسام التونسيين، والتدخل في الأزمة الليبية.

شهدت تونس تسلل مجموعة من المسلحين والإرهابيين الذين تحركوا من ليبيا، في آذار 2016 إلى مدينة بنقردان

وشهدت جلسة المساءلة تلاسناً بين النواب، إثر الشروع في مناقشة تدخل الغنوشي في السياسة الخارجية للبلاد، من خلال الدعم الصريح للتدخل التركي في ليبيا، والاصطفاف إلى جانب حكومة السراج المدعومة من قبل الميليشيات التركية والقطرية والإخوانية في العاصمة طرابلس.
وتجدّدت الاحتجاجات مرة أخرى؛ حيث نظّم الاتحاد العام للشغل مظاهرات ودعوات للإضراب، في مدينة صفاقس، جنوب تونس، وعلى الرغم من كونه حراكاً نقابياً، لكنّ المحتجين، ردّدوا إلى جانب هتافاتهم المطلبية والفئوية، شعارات سياسية ضدّ الغنوشي، على خلفية دوره الإقليمي، وتعاونه "المشبوه" مع تركيا، وما وصفوه بـ "الاستعمار التركي" لليبيا.

 

"الاتحاد" في مواجهة الجبناء
وبثّت الصفحة الرسمية للاتحاد العام للشغل مقطع فيديو، ظهرت خلاله هتافات وشعارات تهاجم الغنوشي، ومن بينها: "يا غنوشي يا سفاح.. يا قتّال الأرواح"، كما وجه الأمن العام المساعد للمنظمة النقابية، سمير الشفي، كلمة للمحتجين، أكّد فيها أنّ المنظمة النقابية تقدم الدروس "للجبناء والمرتدين الذين يشككون ويكفرون تلك التحركات"، مشدّداً على أنّ "الاتحاد لن يركع ولن يستقيل أمام الذين يريدون تحويل تونس إلى ركام".
وأضاف في كلمته: "بئست الأصوات المشينة التي تدافع بكلّ صفاقة عن الاستعمار، لن نقبل بأيّ استعمار تركي في ليبيا، ولن نقبل بتحويل تونس لقاعدة للنظام العثماني الذي خلّف الفقر والجهل وسلم تونس وبلاد الشام وليبيا ومصر إلى الاستعمار".

اقرأ أيضاً: تضييق الخناق على الغنوشي داخل النهضة.. فهل يلتزم بقانونها الداخلي؟

لا تخلو تلك التحركات الاحتجاجية العمالية من رغبة لفضّ النزاع بين ما هو نقابي وعمالي، من جهة، وبين ما هو سياسي، من جهة أخرى، ومن ثم، رفض تسييس قضايا العمال، إثر الخلافات القائمة بينهما؛ حيث جاء الاحتجاج الأخير بعد توقيف نقابيين من قطاع الصحة، في مدينة صفاقس، حيث اتّهما بالاعتداء على نائب ائتلاف الكرامة الإسلامي بالبرلمان، محمد العفاس، كما نفّذ العمال إضراباً في وقت سابق شمل قطاعات حيوية، من بينها: النقل البري والبحري والحديدي والجوي، في المدينة ذاتها، وذلك بسبب ما رأوا أنّه "هجمة شرسة تتعرض لها المنظمة النقابية، وإيقاف نقابيين من قطاع الصحة وتسييس القضية".

 

الغنوشي في هتاف المتظاهرين
وبالتزامن مع انعقاد جلسة برلمانية، مخصصة لمناقشة مقترح خاص لرفض التدخل الخارجي في ليبيا، خاصة التركي، فقد شهد حي باردو، الواقع بالقرب من العاصمة التونسية، الذي انعقد فيه الاجتماع، احتجاجات حاشدة، الأربعاء الماضي، بينما اتهموا الغنوشى بتخطى صلاحياته، وهتف المحتجون: "الغنوشي على رأس المجلس يمثل خطراً على الأمن القومي".

النائب عن كتلة المستقبل، عدنان إبراهيم، وصف لجوء البعض إلى المحور التركي القطري، بأنّه عار على التونسيين

ودان الاقتراح المقدم من الحزب الدستوري الحرّ التدخّل التركي في الشؤون الليبية، وكذا، انحياز النهضة للمحور التركي القطري، والذي يقطع السردية الحيادية التي تتبعها تونس حيال القضية الليبية.
تتفاقم الأوضاع السياسية في تونس على خلفية الصدام القائم بين زعيم حركة النهضة ورئيس البرلمان التونسي، راشد الغنوشي من جهة، والرئيس التونسي، قيس سعيّد، من جهة أخرى؛ حيث يعدّ الملف الليبي في هذا السياق بمثابة لحظة الذروة في مسار الأزمات والتوترات المتراكمة بين الطرفين، خاصة أنّ الرئيس التونسي يتعقب بصورة مستمرة ممارسات النهضة والغنوشي، ويرفض مرجعيتها ونتائجها التي تعمد إلى تقديم المصلحة الأيديولوجية على المصالح الوطنية.

اقرأ أيضاً: تونس: الغنوشي تحت قصف الحلفاء والخصوم.. هل انتهى زعيم النهضة سياسياً؟
إذ إنّ الدور الذي يؤديه الغنوشي في الصراع المحتدم بليبيا، عبر تحالفه الوثيق مع تركيا، ودعم حكومة فائز السراج، وبالتبعية تسهيل نشاط الميلشيات المسلحة، والتنظيمات المتطرفة، إنّما تنجم عنه تهديدات جمّة للوضع الأمني في تونس، خاصة مع سيطرة بعض تلك التنظيمات على مدن الغرب الليبي المحاذية للحدود التونسية، كما أنّه يعيق مساعي الرئيس التونسي لوضع حلّ سياسي، وإنهاء وجود الميليشيات كحالة أمنية وسياسية، بالتالي، استعادة تونس لعمقها الإقليمي والعربي، وفضّ شبكة ارتباطاتها الخارجية المستندة إلى الحلف القطري التركي، برعاية النهضة.

 

دعم الإرهاب.. إخوان تونس
كما أنّ تونس شهدت في ظلّ هذه الأوضاع الصعبة وغير الآمنة، تسلل مجموعة من المسلحين والإرهابيين الذين تحركوا من ليبيا، في آذار (مارس) عام 2016، إلى مدينة بنقردان، الواقعة في أقصى الجنوب الشرقي لتونس والمتاخمة للحدود مع ليبيا، وقد حاولوا السيطرة عليها، الأمر الذي يجعل تونس مرتهنة باستقرار الأوضاع في ليبيا، وعدم دعم الصراع المسلح.

اقرأ أيضاً: مناوشات في جلسة مساءلة الغنوشي.. ونواب: زعيم النهضة خطر على أمن تونس القومي
هذه الكلفة الباهظة على المستوى الأمني والسياسي التي تتعرض لها تونس، تعيق التخلص منها سياسة النهضة ورئيسها على نحو مباشر، وهو الأمر الذي كشف عنه، بوضوح، وزير الدفاع التونسي، عماد الحزقي، في نيسان (أبريل) الماضي؛ حيث قال إنّ تونس اضطرت إلى التنسيق مع الميليشيات المسيطرة على المعابر البرية لاستقبال التونسيين العائدين من ليبيا، والموجودة على حدودها الجنوبية، وهو ما تسبّب في ممارسة ضغوط على وزير الدفاع لاستخدامه وصف "الميليشيات"، وخروج بيان رسمي من رئاسة الجمهورية لتقديم اعتذار وتوضيح.

اقرأ أيضاً: الغنوشي يهرب من الإعلام التونسي إلى الأناضول والجزيرة
وفي السياق ذاته؛ قام النائب في البرلمان التونسي، مبروك كورشيد، بإعلان رفضه لتلك الضغوط التي حصلت ضدّ وزير الدفاع، ومن ثم، التحذير من تلك السياسة التي تنتهجها النهضة؛ حيث شدّد على أنّ "الرئيس التركي يريد أن يجعل من تونس حديقة خلفية لقواته، وجسراً للإرهابيين والميليشيات، للدخول إلى ليبيا والسيطرة عليها سعياً إلى بسط نفوذه على شمال أفريقيا".
وفي لقاء تلفزيوني، الثلاثاء الماضي، أعلن الغنوشي، أنّ ثمّة مصالح كبرى بين تونس وليبيا، وعدّ دورها أولوية لا يمكن التراجع عنه، مشدداً على أنّ "تونس يجب أن يكون لها نصيب الأسد في حلّ القضية".

 

نوّاب ضدّ الغنوشي
تأتي تلك التصريحات بعد مبادرة القاهرة لوضع تصور نحو الحلّ السلمي في ليبيا، بينما تبرز تصريحات الغنوشي موقفاً آخر؛ يقف به في الجهة المقابلة التي تصرّ على استئناف العمل المسلح والنشاط العسكري؛ إذ صرّح، في حواره مع قناة "نسمة" المحلية، والأخيرة تحوم حولها قضايا فساد، بأنّ العلاقة بين البلدين هي علاقة حيوية على المستوى الأمني والاقتصادي، ولدى تونس مصالح كبرى في ليبيا، فالجميع يتطلع إليها كسوق مستقبلية، يستفيد منها الفلاح والعامل والمقاول ورجل الأعمال، وعلى تونس أن تساهم في إعمار البلاد.

اقرأ أيضاً: راشد الغنوشي والشعوبية الأردوغانية!
بيد أنّ تصريحه حول الرئيس التونسي الراحل، الباجي قائد السبسي، بأنّه قدّم دعماً غير محدود لليبيا، وزوّد الثورة الليبية بالسلاح، عام 2011، وضعه في حالة صراعية جديدة أمام الرئيس التونسي الحالي، فضلاً عن قوى المعارضة بالبرلمان؛ حيث اتّهمه ثامر سعد، النائب عن الحزب الدستوري الحر، بمحاولة إذلال تونس وجعلها ولاية تابعة للخلافة العثمانية، حسبما أفاد موقع "العربية".
ومن جانبه، هاجم النائب البرلماني، عماد ولاد جبريل، تصريحات الغنوشي، وأبرز تجاوزاته المتكررة في التحركات الخارجية، والتي تتمّ بمعزل تماماً عن البرلمان، من بينها، مقابلة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بشأن الملف الليبي.

 

 

كما أنّ النائب عن كتلة المستقبل، عدنان إبراهيم، وصف لجوء البعض إلى المحور التركي القطري، بأنّه عار على التونسيين ويشقّ وحدة الصفّ الوطني، وهو ما واجهه الغنوشي في البرلمان بغلق الصوت عن الميكرفون لقطع كلمة المتحدثين.
ويرى الكاتب الصحفي التونسي، باسل ترجمان؛ أنّ الاحتجاجات النقابية في تونس هي جزء من حالة الحراك الشعبي الغاضب، والذي يتصاعد في تلك الفترة ضدّ محاولات توريط تونس في الملف الليبي، وجرّها لتكون ضمن التحالف التركي والقطري؛ حيث تخشى قطاعات عديدة من انعكاسات هذا الموقف السلبي، وغياب الحياد عن الموقف التونسي فيما يخص الوضع الليبي المتأزم، في حدوث مشكلات سياسية وأمنية على بلدهم، بصورة مجانية، وذلك نتيجة الحدود المشتركة وقرب المسافات بينهما، مما سيقود إلى خلافات بين تونسيين وأطراف في ليبيا تتصارع على الحكم.

 

 

اقرأ أيضاً: تصدع في صفوف حركة النهضة.. هل أطاح الغنوشي بعبد الفتاح مورو؟
ويضيف لـ "حفريات": "كلما اقتربنا من منطقة الجنوب في تونس زادت نسبة الحذر والخوف من التورط في الملف الليبي، الأمر الذي يعبّر عنه خروج النقابيين والسياسيين، وحتى الفئات الشعبية، ضدّ أيّة محاولة للسقوط في هذا الفخّ، في مدينة صفاقس، وهو في كلّ الأحوال موقف داعم لرئيس الجمهورية، بشكل قوي، كما أنّه موقف يتقاسمه كثيرون في تونس ضدّ الغنوشي وحركة النهضة، المرتبطَين بالتحالف التركي القطري، والمساهم في دعم حكومة فائز السراج، فضلاً عن الميليشيات المتحالفة معها، خاصة أنّ جزءاً كبيراً من تلك الميليشيات متطرفة ومصنفة كتنظيمات إرهابية في العالم".


الصفحة الرئيسية