"حنابلة وعلمانيون": هل نقرأ التاريخ بعين واحدة؟

"حنابلة وعلمانيون": هل نقرأ التاريخ بعين واحدة؟

مشاهدة

27/07/2020

أين تكمن صورة العالم العربي، ومن أين جاءت جذور صوته التي يتزاحم كثيرون للظهور فيها؟ بأفكارهم، ونزعاتهم، ومحاولاتهم تثبيت تقاليد معينة، ونفي أخرى، أياً كانت انتماءاتهم، والأهم، لماذا لم يتم تفكيك هذه الصورة الكبيرة التي نعيش فيها اليوم، إلى جزئيات يمكن تبسيطها وفهمها، وجعل الحياة تمضي على صورةٍ أفضل؟

 

كم من شيخ احترم الموسيقى وكم من عالم دين طالب بترك الناس لاختلافهم وتنوعهم

هذه الأسئلة، مطروحة في كتاب المفكر والباحث العربي عبد الله محمد الرشيد "حنابلة وعلمانيون". وللقارئ أن يتخيل أنه أمام كتاب بحثي موسوعي، إلا أنّ مؤلفه فضل طرح هذه الأسئلة على هيئة مجموعة من المقالات التي تتميز بالجدة والطرافة معاً، وتركز على أحداث تاريخية وفكرية وقصص في حياة شخوص مهمين بدءاً بالإمام أحمد ابن حنبل وليس انتهاء برشيد رضا أو إدوارد سعيد، حيث تتكشف من خلال حياة هؤلاء وغيرهم، اللعبة الكبرى التي يحاول الجميع من خلالها نسج صورة للمجتمعات العربية، وهي كما يقول عنها الباحث اللبناني رضوان السيد في مقدمته للكتاب؛ اختراع التقاليد، العبارة التي تقود إلى أنّ للتقاليد أصولاً متنوعة ومتعددة كانت ربما في لحظة ما من التاريخ، مجرد مستحدثات حولها الإعلام أو السلطة أو الحركات إلى تقاليد.

الحقيقة المضحكة

يمثل كتاب "حنابلة وعلمانيون"، الصادر عن دار "جداول" بداية العام الجاري والواقع في 220 صفحة، علامة مميزة في سلسلة الجدل الطويلة حول الموروث والثقافة في محيطهما العربي والإسلامي، ذلك أنّه اختار مفاصل التوتر الاجتماعي والفكري والديني في يومنا الحالي، حتى يعيد تسليط الضوء عليها من حيث نشأتها ليقدم إلى القارئ دهشة مدفونة في ثنايا التاريخ والأحداث تكشف مدى التبدل والتغير في المجتمع وفي أفكار الحركات الدينية والسياسية عبر التاريخين العربي والإسلامي، القديم منه والذي جاء في فصل تحت عنوان "في التراث والموروث" والثاني، وحمل عنوان "في الثقافة التاريخ".

غلاف الكتاب

وقد آثر المؤلف، أن يوضح اهتمامه بطرح قضايا أساسية محددة، مثل صورة الحنابلة وتوجه حركتهم وتاريخ الإمام أحمد بن حنبل، وكذلك الوعظ، بوصفه وبصورة مدهشة "مهنة كانت محتقرة في التاريخ الإسلامي"، وكذلك معاقبة الفلسفة بعلم الكلام، ولحظات فارقة أخرى في انبثاق الأحداث والأفكار، مثل لحظة حكم البويهيين لبغداد، وما أنتجه ذلك من تراجع وخراب.

 

المؤلف فضّل طرح أسئلته على هيئة مجموعة من المقالات التي تتميز بالجدة والطرافة معاً

ومثلاً، يكشف الرشيد كيف أنّ رؤية الإمام أحمد بن حنبل قامت على العزلة ورفض الصراع مع الدولة من منظور ديني، ذلك أنّه الرجل الذي "فصل الدين عن السياسة، ولم يفصل الدين عن الدولة" بل ووفق المصادر التاريخية، ينخرط ابن حنبل في رؤية خاصة جداً لأمور تعاليم الدين والنهي عن المنكر، إذ يقول إنّ "زماني هذا ليس زمان نهي"؛ أي إنّه بالنسبة إليه، يرفض التحري خلف الناس والتفتيش عنهم، ويكتفي بتبيان ما يراه صحيحاً، أو خطأً، دون أمل في إنتاج مجتمع وفق رؤيته الخاصة، إنه فقط يقوم بعملية توجيه، لا عملية فرض أو تأسيس لرؤية معينة لما يسمى اليوم "بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، حتى إنّ ابن حنبل ينحى "لعدم التدخل بما هو مستتر من أفعال الناس، والتفتيش فيها، بقدر ما يريد مناقشة الظاهر منها فقط"، بحسب المؤلف.

ملك المسلمون حياة متنوعة ومتغيرة، فلماذا يدعي ورثتهم اليوم عكس ذلك؟

أيضاً، يقول الرشيد إنّه "لم يكن لمهنة الوعظ أي احترام في التراث الإسلامي"، بل يؤكد أنّها كانت مرفوضة لأنّها "عدت مصدراً تنفذ منه المفاسد والأفكار المشوهة والأحاديث الموضوعة، يرتاده الجهال عادة"، مستدركاً، أنّ الوعظ بحد ذاته ليس مذموماً في الإسلام، لكن تعميمه هو المذموم، طالما أنه لم يصدر من مؤسسات راسخة المعالم، ومن علماء مختصين وعارفين، وأصبح مهنة لمن هب ودب، بسبب التنوع الكبير للحركات الإسلامية.

 

مهنة الوعظ كانت مرفوضة لأنّها عدت مصدراً تنفذ منه المفاسد والأفكار المشوهة والأحاديث الموضوعة

وإذ يفاجئ الرشيد البعض بهذا الواقع التاريخي، فإنّ العديدين ربما تهتز فكرتهم عن الصورة النمطية لأصول ممارسات وتقاليد يعدونها ذات أهمية وفاعلية اليوم، غير أنّها في جذورها لم تكن سوى ضرب من المحدثاتِ المرفوضة اجتماعياً ودينياً أحياناً. إضافة إلى صور أشخاص تاريخيين، وضعت في غير زمانها ومكانها، فأصبحت بشكلٍ ما صلبة وتوصف بالتقليدية، رغم أنّ أصحابها لو نظروا إليها اليوم، لضحكوا منها؛ لأنها ليست حقيقية، مما يكشف مدى كون الحقيقة مضحكة، إذا وضعت في سياق التاريخ.

التراث ليس لوناً واحداً

ليس للتاريخ لون واحد، هذه جملة يمكن استخلاصها من الكتاب، فضلاً عن مواضيع عديدة شائكة، عن الإصلاح الديني، وعن نظرة المسلمين الحاليين لتراثهم السياسي ولأئمتهم سواء قديماً، أو حديثاً، مثل ابن تيمية وابن حنبل، كما ترد أسماء رشيد رضا وميشيل عفلق وجورج طرابيشي والشيخ الطنطاوي والمفكر فهمي جدعان وغيرهم كثير في هذا الكتاب، وجميع هذه الشخصيات، تتحول في الكتاب إلى إحالات، لأحداث مثل القضية الفلسطينية، أو الثورة السورية، أو مسيرة الصحوات الدينية والوعاظ والحركات الإسلامية في القرن العشرين، وكذلك قضايا العبودية وعلاقتها بالولاية على المرأة، ومسائل الفصل في الغناء، وصورة الوعظ عبر التاريخ الإسلامي، وغيرها، وفي النهاية، أزمة الفكر العربي والإسلامي المتمثلة في الإصرار على جعل صورة التاريخ بلون وفكرة ومكان وزمان خاصين بمن يدعي امتلاك هذه الصورة.

لم يكن للعرب والمسلمين وجه واحد فقط يمكن احتكاره لصالح وعاظ الزمن الحالي

والمعضلة في رأي الرشيد، تكمن في أنّ الأمور عبر تاريخنا الطويل، كانت من الطرافة والبساطة أحياناً، بحيث يصير من المستحيل خلعُ صفة الجدة أو الصرامة عليها. فكم من شيخ احترم الموسيقى، وكم من عالم دين طالب بترك الناس لاختلافهم وتنوعهم، وكم من مصلح ديني كبير عبر التاريخ، ترفّع عن القضايا الفرعية في الوعظ وركّز على مصير ومستقبل الأمم في العلم والثقافة، إضافة إلى أنّ ما يعده البعض "علمانياً" أو "حنبلياً" كصفتين، ليستا إلا وهماً ناتجاً عن إغلاق باب التاريخ. فلا يوجد أشخاص من هؤلاء، وكثير منهم ذكروا في هذا الكتاب، امتلكوا أياً من الصفتين بوضوح وعلى وجه التعيين.

 

بعض ثوابت اليوم لم تكن سوى ضرب من المحدثاتِ المرفوضة اجتماعياً ودينياً أحياناً

وبالعودة إلى مقدم الكتاب، الدكتور رضوان السيد، فإنّه يقول من خلال مثاله على الحنابلة بالذات، أنهم بعد وفاة إمامهم أحمد "خالفوه، وتدخلوا في السياسة، لكن كثيرين منهم قدموا عبر التاريخ مقاربات ليبرالية أو تحررية حتى بخصوص الشأن الديني". مما يعني أنّ الفعل الثقافي والسياسي والديني تميز كونه ابن حاجته ومرحلته، ولم يكن تقليداً بحد ذاته، ولا مساحة لإيجاد صراعات لا تنتهي بشأن ما هو ثابت، وما هو متحول، وهي صراعات أرقت مؤلف هذا الكتاب، مما دفعه لطرح أسئلته، ومشاركتها مع القارئ أياً كان، من أجل الوصول إلى رؤية أكثر لطفاً وتنوعاً، حول تراثنا وتاريخنا الغني والكبير، ودون احتكار تلك الصورة، التي يجب ربما، أن يتواجد فيها الحاضر والمستقبل جنباً إلى جنب


الصفحة الرئيسية