حملات "النهضة" ضد استفتاء الدستور .. ألم تستوعب الحركة الدرس؟

حملات "النهضة" ضد استفتاء الدستور .. ألم تستوعب الحركة الدرس؟


03/08/2022

لم تنتهِ حملات التشكيك والطعن في نتائج الاستفتاء الدستوري في تونس، على الرغم من مرور أسبوع على إجرائه، غير أنّ تلك الحملات التي تقودها حركة النهضة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في تونس، وصلت إلى "مستويات غير مقبولة"، دفعت رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، فاروق بوعسكر، إلى التوعد بمقاضاة كلّ من يتهم هيئة الانتخابات بالتزوير والتشكيك في نزاهة العملية التصويتية.

 ونقلت إذاعة "إي إف أم" التونسية عن بوعسكر قوله: إنّ التشكيك بنزاهة الهيئة "وصل إلى مستويات غير مقبولة، وتحوّل إلى سب وشتم وهتك للأعراض واتهام بالتزوير، وهو ما لن نسمح به، وسنقاضي كلّ من سبّ وشتم وهتك أعراض أعضاء الهيئة".

  قضايا جزائية

مقاضاة متهمي الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بالتزوير أكدها كذلك الناطق باسم الهيئة محمد التليلي المنصري، فقد نقل عنه موقع "مرآة تونس" قوله: إنّ الهيئة قررت "مقاضاة كلّ المشككين في نزاهتها في تنظيم الاستفتاء."

 وأضاف المنصري: "إذا كان هناك نقد موضوعي في كنف الاحترام، فإنّ الهيئة منفتحة على الحوار، ولكن أن يصل الأمر إلى التشكيك دون أيّ اثبات، واتهام الهيئة بالتزوير، فهذه تشكّل جرائم لن تسمح بها الهيئة"، مؤكداً أنّ الهيئة قررت التقدم بقضايا جزائية ضد كلّ من اتهمها بتزوير النتائج .

محمد التليلي المنصري: الهيئة قررت مقاضاة كلّ المشككين في نزاهتها في تنظيم الاستفتاء

 وبخصوص التشكيك في الأرقام التي أعلنتها هيئة الانتخابات بشأن نتائج الاستفتاء، أوضح المنصري أنّ الأمر موكول للمحكمة الإدارية في إطار الطعون، وأنّ الهيئة قامت بواجبها كاملاً، وقدّمت النتائج النهائية .

 وفي هذا الصدد، كشف بوعسكر، في ندوة صحفية أمس، أنّ الطعون مقدّمة من قبل حزب "آفاق تونس" وحزب "الشعب يريد" و"منظمة أنا يقظ"، وتعلّقت بإشكاليات "شكلية" في مسار حملة الاستفتاء، ولا علاقة لها بالمصوتين أو المشاركين، مضيفاً أنّ ذلك يبيّن أنّ نتائج الاستفتاء سليمة ومثبّتة في محاضر.

  زوبعة مضخمة

أمام موجات التشكيك المتعمد والممنهج في نتائج الاستفتاء المعلنة الأسبوع الماضي في تونس، اعتبر بوعسكر أنّها "زوبعة يتم تضخيمها لأسباب سياسية، وتم الركوب عليها من طرف أحزاب سياسية معروفة ومجتمع مدني انخرط في هذه الحملة المشككة في نتائج الاستفتاء".

 

الحملات التي تقودها النهضة وصلت إلى "مستويات غير مقبولة"، دفعت رئيس الهيئة للتوعد بمقاضاة كل من يتهم هيئة الانتخابات بالتزوير

 

 وفي اللحظات الأولى من انطلاق الاستفتاء الدستوري في 25 تموز (يوليو) الماضي، فاضت مواقع التواصل الاجتماعي؛ "فيسبوك" و"تويتر" بمنشورات وتغريدات، منسقة بعناية فائقة وغزيرة للغاية، قادها عناصر جماعة الإخوان المسلمين وذراعها التونسي حركة النهضة للتشكيك في نزاهة العملية التصويتية وتصدير صورة مغلوطة عن سير الاستفتاء.

 وفي مواجهة هذه الحملات الممنهجة، أكد بوعسكر أمس: "نرفض أيّ تشكيك في نتائج الاستفتاء على الدستور، وتونس ليست من الدول التي تزوّر أوراق التصويت، وقد تجاوزنا تلك المرحلة منذ عام 2011 وذلك دون رجعة"، مشيراً إلى أنّ صحة النتائج يثبتها التطابق الكبير بين نتائج شركات سبر الآراء ونتائج الهيئة.

 نسب المشاركة

تركزت حملات التشويه والتشكيك المتعمدة، التي تقودها حركة النهضة الإخوانية في تونس، على نسب المشاركة في محاولة يائسة لإثبات أنّ دعواتها للمقاطعة كان لها صدى في الشارع التونسي، غير أنّ المنصري أكد في تصريحات الأسبوع الماضي أنّ نسبة المقاطعين ثابتة في كلّ المسارات الانتخابية ولم تتغير، حيث تم تسجيل 60% خلال الاستفتاء.

 

تركزت حملات التشكيك التي تقودها النهضة على نسب المشاركة في محاولة يائسة لإثبات أنّ دعواتها للمقاطعة كان لها صدى

 

 تشكيك النهضة المستمر في نسب المشاركة دفع بوعسكر للتأكيد مجدداً أمس على أنّ نسبة الإقبال يوم الاستفتاء كانت 30.5%، ونقلت إذاعة "موزاييك" عن بوعسكر قوله: إنّه "يتحدى كلّ من يقول عكس ذلك"، مضيفاً: "تونس دولة قانون ومؤسسات، ومن يعترض عليه أن يتوجه إلى القضاء، عوض المطالبة بإعادة الفرز في غياب الهيئة."

بوعسكر: نرفض أيّ تشكيك في نتائج الاستفتاء على الدستور، وتونس ليست من الدول التي تزوّر أوراق التصويت

 وفي حين تحرص حركة النهضة على تقزيم نسب المشاركة التي أقرت جهات إعلامية محايدة بأنّها "كبيرة" قياساً بانتخابات 2019، وإبقاء الاستفتاء الدستوري في دائرة الاتهامات بالتزوير، صدمها رئيس هيئة الانتخابات التونسية مجدداً، فقد نقلت عنه "موزاييك" قوله: إنّ عطلة الصيف ووجود التونسيين بالخارج من بين العوامل المؤثرة على نسب المشاركة إلى حدٍّ كبير، فضلاً عن انطلاق أعمال التحضير للاستفتاء في وقت قصير جداً، وسط أوضاع اقتصادية وسياسية صعبة.

 

في اللحظات الأولى من انطلاق الاستفتاء، فاضت مواقع التواصل الاجتماعي بمنشورات وتغريدات لعناصر الإخوان والنهضة للتشكيك في نزاهة العملية التصويتية

 

 والثلاثاء 26 تموز (يوليو) أعلن بوعسكر أنّ نسبة التصويت بـ(نعم) بلغت 94.60%، أي (2) مليون و(607) آلاف و(884) صوتاً، وبلغت نسبة الإجابة بـ (لا) 5.40%، أي (148) ألف و(723) صوتاً، في انتصار جديد للرئيس التونسي قيس سعيّد الذي بدا ثابتاً في مواجهة ألاعيب حركة النهضة منذ قرارات 25 تموز (يوليو) 2021، ومضى قُدماً في إنقاذ تونس من قبضة الإخوان وتصحيح مسار "ثورة الياسمين" قبل أن تبدد الحركة الإخوانية رحيقها بالكامل.

 النتائج، التي أصابت حركة النهضة ومشتقاتها والأحزاب المتناغمة معها بالصدمة، سيتم تأكيدها مجدداً في موعد أقصاه 27 آب (أغسطس) الجاري بعد البت في الطعون المقدمة.

 تخبط إخواني

نجاح الاستفتاء على دستور "الجمهورية الجديدة" في تونس أصاب حركة النهضة وأذرعها، على ما يبدو، بالخلل والتخبط، فقد وجدت الحركة الإخوانية نفسها في موقع المدافع عمّا يُطلق عليه التونسيون "العشرية السوداء"، مع التمسك في الوقت نفسه بمهاجمة سعيّد وكافة آلياته، ومن بينها الدستور الجديد الذي يتصدى للأحزاب ذات المرجعية الدينية، وعلى رأسها حركة النهضة، لوضع حدٍّ لاستغلال الدين ودور العبادة في تحقيق مكاسب دينية.

 ويبدو ذلك جليّاً في محاولة راشد الغنوشي زعيم الحركة التبرؤ من مسؤولية "النهضة" الكاملة عن "العشرية السوداء"، محمّلاً الرئيس التونسي الراحل الباجي قايد السبسي المسؤولية عن نصف هذه المدة، في حلقة جديدة من سلسلة محاولات الغنوشي وحركته تطهير صورة الحركة الإخوانية التي اهتزت بشدة مؤخراً نتيجة الكشف عن تورطها في قضايا فساد مالي وسياسي وقضايا تتعلق بتمويل الإرهاب عبر جمعية خيرية تسيطر عليها، تُدعى "نماء تونس".

وفي حوار مع شبكة "سي إن إن" الإخبارية الأمريكية مطلع الأسبوع الجاري، قال الغنوشي: "نحن لا نبرئ أنفسنا من المسؤولية عن الأعوام الـ10 الماضية، ولكنّنا نرفض أن نكون وحدنا، فنصف المدة كان يقود فيها الرئيس الباجي بحزبه، وكان يتحكم في البرلمان والحكومة وكل السلطات"، وهي تصريحات تحمل في طياتها إقرار الغنوشي بتدهور صورته وصورة "النهضة" في مواجهة غضب شعبي واسع تمثل في رفض دعوات الحركة للتظاهر قبل أيام من انطلاق الاستفتاء ومشاركة لفئة الشباب، التي تستهدفها جماعة الإخوان بشكل أساسي، في التصويت لصالح سعيّد.

 تصريحات الغنوشي عكست، دون قصد، نجاح سعيّد في فضح جرائم "النهضة"، ضمن مواجهات عدة على كافة الجبهات، بدأت منذ قرارات 25 تموز (يوليو) 2021، وكانت صياغة مشروع دستور جديد  أحدث جبهاتها.   

مواضيع ذات صلة:

مستقبل حركة النهضة في تونس..ماذا بعد إحالة الغنوشي إلى قاضي مكافحة الإرهاب؟

مشروع الدستور التونسي يفجر حالة من الجدل... ما موقف حركة النهضة؟

هل يشهد الاقتصاد التونسي انفراجة قريبة؟



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية