حزب الوسط المصري إذ يدور في فلك جماعات الإسلام السياسي

الأحزاب العربية

حزب الوسط المصري إذ يدور في فلك جماعات الإسلام السياسي

مشاهدة

26/05/2019

في ظل رفض النظام السياسي المصري تحقيق انتقال ديمقراطي بعد نكسة 67 ونجاحه النسبي في التعاطي مع الأزمة السياسية الناتجة عنها وهيمنة جيل الستينيات على مقاليد السلطة وتنظيمات المعارضة، ظهرت أزمة جيل السبعينيات الذي تحدى هذه الهيمنة بالاحتجاج المستمر على سياسات النظام من جهة، وخروجه على تقاليد الطاعة الحزبية وتأسيس تنظيماته الخاصة من جهة أخرى.

في 1996 تقدم أبو العلا ماضي بطلب للجنة الأحزاب بمجلس الشورى المصري لتأسيس حزب يحمل اسم "الوسط"

بدأت مسيرة التمرد هذه منذ بداية السبعينيات، أولاً مع حزب العمال الشيوعي المتمرد على اليسار التقليدي في الستينيات، وثانياً مع أندية الفكر الناصري الخارجة عن سيطرة رجال الدولة في عهد عبدالناصر الذين أطاح بهم السادات، فانتقلوا إلى موقع المعارضة على أرضية ناصرية، وثالثاً مع الحركة الإسلامية الجهادية الخارجة على الإخوان المسلمين.
استقرت تلك التمردات في منتصف السبعينيات، وشقت التنظيمات الوليدة (الشيوعية والجهادية) طريقها في دروب السياسة والعمل الحركي، وظلت المنظمات الأم على حالها، وبدا أنّ "لوثة" الانشقاقات فقدت فاعليتها إلى أن قاد حمدين صباحي، الذي عمل في إطار الحزب الناصري منذ السبعينيات، تمرداً تنظيمياً على حزبه ليؤسس حزباً جديداً سمّاه "الكرامة" في وقتٍ فاجأ فيه أبو العلا ماضي، أحد أبناء جيل السبعينيات، الأوساط السياسية المصرية بانشقاق مدوٍّ عن جماعة الإخوان، بعد عقدين من محاولات إصلاح الجماعة من الداخل، دون جدوى.
أبو العلا ماضي

الوسط في سياقه
تتمثل الخبرة التاريخية التي يحملها جيل السبعينيات في دعم القضية الوطنية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية في الخارج، والنضال من أجل الديمقراطية في الداخل، و"رفض المفاهيم والأفكار والممارسات التقليدية والدعوة إلى المراجعة والنقد الذاتي والانفتاح على الآخر المختلف" (أحمد التهامي عبد الحي 2009[1]).

خلال المرحلة الانتقالية 2011-2012 حاول الحزب أن يلعب دور "مهندس التوافق" بين القوى السياسية

كان لهذه الخبرة أثر لا يمحى في وعي وتكوين وممارسة هذا الجيل تجلى في استراتيجية "السياسة البطيئة" (التعبير لإدوارد سعيد في سياق القضية الفلسطينية[2]) التي تسمح بإقامة التحالفات والائتلافات، أو العمل الجبهوي بشكل عام، وهي سياسة تتطلب وتستوجب خطاباً سياسياً عقلانياً ومنفتحاً وشبه توافقي وخالياً من بلاغة القتل السياسي (التكفير/التخوين) مضافاً إليه قدر من المهارة السياسية والإدراك الحاد للتغيرات الجارية، وروح مبادرة تتيح الاتصال بالجماهير.
ويتناقض هذا النوع من الممارسة السياسية مع واقع ممارسات جيل الستينيات الذي انقسم إلى شقين غير متوازنين: أولهما ارتبط بمؤسسات الدولة الإدارية والأيديولوجية والسياسية (الاتحاد الاشتراكي، منظمة الشباب، تنظيم الطليعة) ومن ثّم تخلى عن فاعليته السياسية كلياً ومضى في مسيرة "الزحف المقدس" للزعيم المُلْهَم (شريف يونس 2012[3])، أما ثانيهما فقد ارتبط بالهيكل التنظيمي الضيق لتياره السياسي، كما في الحركات الشيوعية السرية في العهد الناصري، أو "الحرس القديم" في الإخوان المسلمين الذين قضوا الفترة الذهبية من أعمارهم في غياهب السجون، وخرجوا مع انقلاب القصر الساداتي على الناصرية، عاجزين عن استيعاب حقائق الواقع السياسي الجديد الذي تشكل في غيابهم عنه.

اقرأ أيضاً: كيف حفّز حزب النور سلفيي الدول العربية على العمل الحزبي؟
بعجزه عن استغلال الهوامش المتاحة للحرية، لعب "الحرس القديم" دور العائق التنظيمي أمام التطور السياسي لجيل السبعينيات في الجماعة، والذي رَاكم خبرات متنوعة في المجتمع المدني، وطوّر رؤيته السياسية بفضل "السياسة البطيئة" والحوارات البينية طويلة المدى مع التيارات السياسية المتباينة معه.
في خضم هذا، ظهر شعور طاغٍ بين بعض الكوادر الإخوانية بأزمة خطاب الجماعة السياسي وعجزه عن التفاعل مع العصر ومتغيراته، وعجز أطرها التنظيمية عن التفاعل المثمر مع البيئة السياسية المصرية، وانقسمت ردود فعلها على مسارين: البقاء داخل جدران الجماعة على أمل تدشين عملية إصلاحية تدريجية (عبدالمنعم أبو الفتوح، عصام العريان، محمد البلتاجي)، والثاني المبادرة لتأسيس حزب سياسي جديد (أبو العلا ماضي، عصام سلطان).

أقرّت الجماعة بدايةً بأنّ المؤسسين مجموعة من شبابها لكن بمجرد اعتقالهم أعلنت أنّهم خارجون عنها

تأسيس محفوف بالعداء

في 9 كانون الثاني (يناير) 1996 تقدم أبو العلا ماضي بطلب إلى لجنة الأحزاب بمجلس الشورى المصري لتأسيس حزب يحمل اسم "الوسط" وعقدت اللجنة اجتماعاً لمناقشة البت في طلب التخصيص، ونشر رئيس المجلس أسماء المؤسسين في جريدتي الأخبار والجمهورية، وفقاً لقانون إنشاء الأحزاب، غير أنّ السلطات المصرية سرعان ما ألقت القبض على أبو العلا ماضي واثنين من المؤسسين: مجدي الفاروقي وعصام حشيش، بتهمة التحايل على الدولة وإنشاء حزب شرعي كواجهة لجماعة الإخوان المسلمين.

في التسعينيات وقفت الجماعة إلى جانب الحكومة بمطالبة أعضائها المشاركين في تأسيس الحزب بالانسحاب

أقرت جماعة الإخوان (ممثلةً بالمرشد العام مصطفى مشهور، والمتحدث الرسمي مأمون الهضيبي) في البداية بأنّ المؤسسين هم "مجموعة من شبابنا أذِنّا لهم بإنشاء حزب سياسي"، ونفت أن يكون الحزب مجرد واجهة للإخوان، إلا أنّه بمجرد اعتقال "شبابها" أعلنت أنّهم خارجون عنها، ولم يحصلوا على إذن بتأسيس الحزب، فانفجر صراع بين مؤسسي الحزب وقيادة الجماعة التي تنصلت من موقفها السابق تاركةً شبابها رهن الاعتقال والمحاكمة العسكرية (طلعت رميح 1996[4]).
اعترض المرشد العام مصطفى مشهور، بأثر رجعي، على محاولات تأسيس حزب سياسي، على اعتبار أنّ الدولة لن تسمح له بالعمل، فيما شنّ مؤسسو الوسط حملة مضادة اتهمت الإخوان بالتراجع أمام الدولة والتضييق عليهم، وردت الجماعة بوثيقة "فوائد من الشدائد[5]" 1996.
حسمت الوثيقة موقف الجماعة من فكرة تأسيس حزب سياسي، وذكرت أن: "من أصول عقيدة الإخوان أنّ الإسلام دين شامل لكل جوانب الحياة ومظاهرها، وتمثل العقيدة والعبادة والأخلاق الأصل فيه (الإسلام) وتمثل باقي الجوانب والأنشطة الفروع -ومنها السياسة- وبدهي أنّ الفرع لا يمكن أن يكون مقام الأصل أو يغني عنه، ومن ثَمّ لا يجوز اختزال الدعوة إلى حزب سياسي يحكمه قانون الأحزاب، الذي يحظر قيام حزب على أساس ديني".

اقرأ أيضاً: حزب التحرير: الخلافة الإسلامية والأسطورة المهدوية
وبهذه اللغة التي تنتمي خطابياً إلى "علم الكلام" بتقسيمها "عقيدة الإخوان" إلى أصل/ فرع، جرى نقل الصراع التنظيمي من أرض الواقع السياسي لمصر التسعينيات إلى أرض العقيدة السامية التي يدنّسها الخضوع للقانون الدنيوي، كما يحاول أبو العلا ماضي الذي يمرّغ هذا السموّ في طينة الإجراءات البيروقراطية لتأسيس الأحزاب في مصر.

 استجاب 63 من الـ70 المؤسِّسين وهو ما دفع محمد سليم العوا لمهاجمة الجماعة واتهامها بمناوءة الحريات

وبعد هذا التقديم اللاهوتي انطلقت الوثيقة في الهجوم الصريح على مؤسسي "الوسط" واتهمتهم بتهم لا تقل لاهوتية، منها: "الكِبر"، "الهوى"، "عدم السمع والطاعة" وموضعت مساعيهم السياسية في إطار "أهل الدنيا" الذين يرون في العمل السياسي "وسيلة للاستعلاء على الناس، وتسنُّم المناصب، وتحقيق المنافع، واجتذاب الأضواء والهتاف والتصفيق" ومسلكهم [أهل الدنيا، وضمنهم مؤسسو الوسط] لتحقيق ذلك يعتمد على المناورة والكذب والخداع والتلون والتملق.
وبعد هذه الرؤية الطهرانية للعمل السياسي اختتمت الوثيقة بضرورة "احترام الكبار" باعتباره "من لوازم الإيمان" وحثت المؤسسين على "الشعور بالامتنان والفضل تجاههم [أي قادة الجماعة]" فيما طالبت أعضاء الجماعة بعدم التدخل في الأزمة الجارية وترك حلها للقيادة.
على النقيض، كان أبو العلا ماضي حريصاً طوال محطات الأزمة على إدارة الصراع مع الجماعة بحذر شديد، على اعتبار أنّ جمهور الحزب هو نفسه جمهور الجماعة، وأنّ بعض قيادات الإخوان، أصحاب التأثير على مجموعة "الوسط" دعّمت الحزب باعتباره تطويراً لنشاط الإخوان وليس هدماً للجماعة (رميح 1996).

اقرأ أيضاً: الأحزاب الكردية: صراعات وأحلام تنتظر التغيرات الدولية
لكن بعد صدور الوثيقة وفشل وساطات التهدئة انطلقت موجة من الصراع بين الطرفين، وقفت على إثره الإخوان إلى جانب الحكومة بمطالبتها أعضاءها المشاركين في تأسيس الحزب بالانسحاب، واستجاب بالفعل 63 من الـ70 المؤسِّسين، وهو ما دفع محمد سليم العوا لمهاجمة الجماعة واتهامها بمناوءة الحريات، في وقت أعطى فيه المرشد العام مصطفى مشهور، بدهاء شديد، الحكومة، كل مبررات رفض ترخيص الحزب بتصريحه بأنّ مجموعة الوسط أعضاء في الإخوان المسلمين، وهو ما كان النظام يحاول إثباته بكل الطرق.
محمد سليم العوا

أبعاد "الإسلام الحضاري"
تركّز مدرسة الإسلام الحضاري، التي صاغ حزب الوسط من رؤاها مشروعه السياسي، كما يعبّر عنها رموزها (طارق البشري، فهمي هويدي، سليم العوا، عبد الوهاب المسيري، محمد عمارة، سيف الدين عبد الفتاح، نادية مصطفى، هبة رؤوف عزت) على مسألة الاحتكاك بين الحضارتين العربية/ الإسلامية والغربية، وتعتبر أنّ هذا الاحتكاك تطلب شكلاً منظماً للدفاع عن الموروث الحضاري للأمة الذي تشكل عبر تاريخها الطويل تحت ظلال الحكم الإسلامي، ولأنّ أول تجربة تنظيمية لمواجهة "الاختراق الحضاري"، والرد العقيدي والسياسي على التأثيرات الغربية على المجتمع المسلم والدفاع عن "الهوية الإسلامية" تمثلت في الإخوان المسلمين؛ فإنّ الجماعة كانت بمثابة ثابت من الثوابت التي يجب الدفاع عنها بالنسبة إلى تلك المدرسة في مرحلة من المراحل.

تركّز مدرسة الإسلام الحضاري لحزب الوسط على الاحتكاك بين الحضارتين العربية/ الإسلامية والغربية

فالمسألة الجوهرية بالنسبة إلى هذا التيار/ المدرسة إذن هي "الاستقلال الحضاري" التي خانها حزب الوطنية المصرية (الوفد) في صراعه السياسي والقانوني مع الاستعمار بتبنيه الفكر الدستوري الليبرالي الغربي، والحركة الشيوعية المصرية طعنت هذا الاستقلال في الظهر باهتمامها بالصراع الطبقي والقضية الاجتماعية من منظور غربي أساساً، والأزهر تجمّد فكرياً ولم يعد قادراً على الوفاء بمتطلبات المرحلة الصراعية؛ وبالتالي كانت هناك حاجة لتيار إسلامي منظم يسحب بساط الشعبية من تحت أقدام "الوفد" (شريف يونس 20141[6]) والشرعية من تحت أقدام الدولة، و"يسرق" ولاء العمال من الشيوعيين (جويل بنين 2000[7]) ويواجه النمط الغربي في الفكر والسلوك، (سيجيب هذا على سؤال: لماذا تصطف "النخبة المثقفة المضادة" دائماً مع الإخوان المسلمين في كل اللحظات المفصلية من تاريخ الجماعة على الرغم تلك النخبة حصلت على تعليم عصري عال وتبنت يوماً إيديولوجيات تقدمية؟).

اقرأ أيضاً: الأحزاب العربية: خيبات الفرص الضائعة
آمنت النخبة المضادة بما تضمنه الخطاب الرسمي في الخمسينيات والستينيات حول التنمية والعدالة والكفاءة واكتشفت لاحقاً، مع تحولات النظام الحاكم في السبعينيات، أنّ خطاب الدولة مجرد سراب، فراهنت على الثقافة الإسلامية كسبيل وحيد لإظهار عيوب الدولة وصياغة شيء جديد عبر تعبئة الجماهير المحرومة ضد الهيمنة الغربية في الخارج والاستبداد السياسي في الخارج (جيل كيبل 2000[8])، ولأنّها في نهاية الأمر مجرد جزء من الإنتلجينسيا العاجزة عن التأثير المباشر في المجتمع؛ فقد وجهّت دعمها بشكل أو بآخر إلى الذين استطاعوا تكوين قاعدة جماهيرية من خلال العمل الاجتماعي: الإخوان المسلمين.

مع صعود الإخوان إلى السلطة في 2012 تظاهر الحزب بمعارضته للجماعة رغم مشاركته في حكومة محمد مرسي

في التسعينيات أحكم شيوخ الجماعة قبضتهم على التنظيم لصالح رموزه التاريخية فقط، وعلى حساب جيل السبعينيات بالذات (ظهرت سلسلة من الفضائح الإدارية تتعلق بالمحسوبية والوساطة لصالح بعض الرموز التاريخية في النقابات التي نجح الإخوان في الفور بقيادتها، (يُراجع طلعت رميح: محطات سياسية وتنظيمية داخل الإخوان، في "الوسط والإخوان").
ووصلت الجماعة إلى طريق مسدود مع الدولة، في وقتٍ أخفقت فيه في إدارة أي تحالف سياسي مع التيارات والقوى السياسية الموجودة على الساحة، وعجزت عن القيام بأي مراجعة أو تجديد أيديولوجي، وهنا كان أن تعلقت أنظار مفكري "الإسلام الحضاري" بحزب الوسط الذي حاول وضع أفكارهم في إطار مشروع سياسي؛ وكانت هذه هي المرة الأولى التي يحمل فيها تنظيم سياسي فكرة "المرجعية الحضارية" ويحاول نشرها في المجتمع ويختبر أطروحاتها خلال الممارسة السياسية.
ارتكز الحزب الوليد إذاً على فكرة المرجعية الحضارية للإسلام التي تجمع بين المسلمين والمسيحيين الذين عاشوا في ظلال الحضارة العربية الإسلامية "وهم فيها صُنّاع أصلاء" وبالتالي شركاء في صُنع المرجعية تاريخياً (كما ينص برنامج الحزب)؛ وعلى هذا الأساس بنى الحزب رؤيته لقضية الوحدة الوطنية القائمة على الانتماء الديني للمسلمين والحضاري للمسيحيين.
فقد حاولت مدرسة "الإسلام الحضاري" إعادة اختراع الهوية المتخيلة للأمة لتكون أكثر انفتاحاً من مشاريع الهوية السائدة؛ وعبّرت عن محاولتها تلك بلغة شبه فلسفية ترمي لتحييد طاقة العنف الكامنة في فكرة الهوية نفسها (التكفير/التخوين) وتنويع مصادر الهوية لتصبح: (فرعونية، قبطية، عربية، إسلامية) وقد ضم الوسط بالفعل عدداً من الأعضاء المؤسسين المسيحيين.

اقرأ أيضاً: الأحزاب الدينية المصرية بعد ثورة يناير: متى تتجاوز مربع الشعارات؟
كمنت المفارقة في أنّه بنزع طاقة الكراهية والصدام، كعنصرين جوهريين بالنسبة إلى أي مشروع هوياتي، فقد افتقر المشروع إلى الجاذبية الأيديولوجية داخل المجال العام للتيار الإسلاموي؛ وهي جاذبية مرهونة حصراً بـ"الحرب المقدسة" على أعداء الأمة في الخارج والداخل، ومضمونة سلفاً للأعلى صوتاً والأكثر مفاصلةً.
ويعود ذلك بشكل أساسي إلى طبيعة المشروع نفسها؛ إذ تشكّل على هامش الصراعات الدامية بين الدولة وجماعات العنف في الثمانينيات والصراعات الثقافية الصاخبة بين العلمانيين والإسلاميين في التسعينيات، كمشروع توافقي بالأساس يحاول "تفعيل الإطار الحضاري الإسلامي، ويتطلب ذلك توضيحاً للمقاصد والمبادئ الإسلامية العامة، كما يتطلب تحديد معالم المشترك بين الموقف الإسلامي المعتدل ومواقف التيارات الأخرى وتدعيمه [المشترك]؛ فالبحث عن أرضية مشتركة عندهم [مفكرو الإسلام الحضاري] لا بد وأن يبدأ من ثراء التاريخ والثقافة المشتركة التي هي ملك لكل المصريين" (ريموند بيكر 2008[9]).
كان "الوسط" أول حزب يحصل على ترخيص بعد ثورة يناير ما جعله يروّج لنفسه كـ"حزب الثورة"

"الإسلام الحضاري" سياسياً
كانت مجموعة "الوسط" سبّاقة إلى فكرة تأسيس حزب "مدني بمرجعية إسلامية" وهي الفكرة التي استعارتها جماعة الإخوان بعد ثورة 2011 لتؤسس حزب "الحرية والعدالة"، لكن هذا لم يكن موضع ريادة "الوسط" الوحيد، بل كان الحزب، الذي يرفع شعار "الإسلام الحضاري"، يطالب بـ "تطبيق الشريعة من خلال الوسائل الديمقراطية" وهو الخطاب الذي لجأت إليه، مضطرةً، الجماعة لحظة الانفتاح السياسي بعد الثورة.

اختار الحزب الوقوف في خندق الجماعة وانساق في رهان خاسر على بقائها في الحكم

كما كان كلٌّ من الحزب والجماعة يعتبران المادة الثانية من الدستور المصري (تنص على أن الإسلام دين الدولة، والشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع) بمثابة حجر الزاوية في برنامجهما السياسي في إطار الدولة القائمة، إلا أنّ ما يلغي الحدود الأيديولوجية بين "الإسلام الحضاري" و"الإسلام السياسي" فعلياً هو رؤية كل منهما لمعنى الحكم بالشريعة: رفض أول برنامج سياسي لحزب الوسط الاكتفاء بالاسترشاد بالمبادئ الكلية للشريعة في عملية التشريع، وهو ما كانت ترفضه الجماعة آنذاك.
ورفض الحزب كذلك صوغ الأحكام الشرعية في قوالب قانونية عصرية، وهو ما قبلت به الإخوان، ولو صورياً منذ أواخر السبعينيات مع وعود الرئيس الراحل محمد أنور السادات بـ"تقنين الشريعة"، واقترح برنامج الحزب تطبيق الشريعة عن طريق "الاجتهاد [(الفتوى)، وهو ما يتطلب تأسيس هيئة كبار علماء للاضطلاع بالمهمة] الذي لا يصيب حركة المجتمع بالشلل ولا تطوره بالجمود".

اقرأ أيضاً: أحزاب تونسية تكشف بالوثائق تورّط "النّهضة" في الاغتيالات السياسيّة
وعلى المستوى العملي فقد سار الوسط على خطى الإخوان بوضعه مشاريع "هندسة اجتماعية" تتطلب الضغط على النظام السياسي من أجل تنفيذها بعض أوجهها أو الوصول إلى السلطة من أجل فرضها من أعلى أو بتعبير ريموند بيكر "روح الوسط تستلهم نموذج الإخوان المسلمين التقليدي، الذين يعتمدون على أدوات بيروقراطية وإدارية تحتاج في النهاية إلى موافقة الأجهزة الحاكمة من أجل تحقيق أهدافهما"، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى عجز الإنتلجينسيا الإسلامية عن صياغة تصور ما للدولة كجهاز سياسي يعبر عن طبقة اجتماعية ما، واقتصار فهمها لهذا الجهاز كأداة تمثل الأمة بشكل مجرد.

وعلى الرغم من جرأة الحزب فيما يخص قضية الانتماء السياسي حيث يقر برنامجه أن "المشروع الحضاري يذهب إلى ما هو أبعد من الدين وكل التقسيمات المصطنعة" في مخالفة صريحة لقواعد الانتماء عند التيار الإسلامي ككل، إلا أنّه على المستوى الاجتماعي اتخذ موقفاً محافظاً تمثل في أنّ "مكان المرأة هو البيت" وهو ما رأى فيه ريموند بيكر (المعجب بتجربة الحزب) فشلاً في البناء على الرؤى الأكثر تقدمية في فكر الإسلاميين الجدد.

في المحصلة دار حزب الوسط في نفس الفلك الهوياتي التي تدور فيه جماعات الإسلام السياسي، إلا أنّه تميز بـ"مصريّته" أو بمحليّته، عبر رفضه للهوية المتجاوزة للوطن، لكن ذلك لا يجعل منه ملتزماً بالقومية المصرية الحديثة، بل رؤية هوياتية متقيدة بالأطر العامة للواقع المصري حاولت تلطيف، وإعادة صياغة، تراث التمييز الديني (بين المسلمين والأقباط) لصالح انتماءٍ قادر نظرياً على دمج "عنصري الأمة".

اقرأ أيضاً: الأحزاب الدينية الإسلاموية.. إلى متى؟

ومع ذلك عكست فكرة الانتماء الحضاري تمحوراً ثقافوياً حول الذاتية الإسلامية في مواجهة الذاتية الغربية، ووفقاً لهذا المنحى الهوياتي استبعد الحزب تعبير "الشعب" وفضّل عليه تعبير "الأمة" التي هي كيان ثقافي متناغم، أو كما جاء في برنامجه "جماعة تسير على طريق ونهج واحد"؛ لذا كان دفاع أبو العلا ماضي عن تعددية الأحزاب اعتذارياً وتبريراً بامتياز على اعتبار أنّ "الهموم لا قِبل لأحد وحده بها"؛ أي إنّها مفيدة للأمة، وأنّ "النهضة الوطنية لا تحدث بتيار واحد" (نقلاً عن أحمد التهامي عبد الحي).
وليس غريباً أن تكون فكرة "الخصوصية" (العنصر المشترك بين الناصرية والإسلام السياسي) بمثابة حجر الزاوية في هذا الطرح الهوياتي؛ إذ لم يكف أبو العلا ماضي عن نقد الاتجاهات التي ترى أن الديمقراطية لا يمكن أن تنمو أو تزدهر إلا في إطار علماني، على اعتبار أنّ الفصل ما بين التدين والديمقراطية يؤكد على عدم تفهم قضية الخصوصية في الواقع المصري، وبالنسبة إليه فإنّ هناك خصوصية معينة في النموذج المصري للديمقراطية، والخصوصية المطلوبة والمحمودة هي تلك التي تراعي القيم وثوابت وثقافة هذه الأمة.

اقرأ أيضاً: "الأحزاب الإسلامية".. كيف نقرأها؟
والأمة، التي هي المفهوم المركزي ضمن هذه الديباجة الهوياتية، في تعريف أحد منظري التيار الإسلامي غير المسلمين في مصر، رفيق حبيب، هي "كيان فاعل ومُنظم له مؤسساته وأدواره، يوكّل بعض سلطاته إلى الدولة؛ وبالتالي تصبح مرجعية الحضارة الإسلامية عمادها الأمة وليس الدولة على عكس الحضارة الغربية التي عمادها الدولة، بل إنّ الدولة هي التي تنتج هويتها" (نقلاً عن طلعت رميح في "الوسط والإخوان").
على أنّ كل محاولات "تمصير" مفهوم "الأمة" هذه يظهر اهتزازها أمام العلاقات الوطيدة التي جمعت بعض مؤسسي حزب الوسط، لا سيما أبو العلا ماضي، بشخصيات سياسية بارزة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحزب الله اللبناني تظهرها الدعوات المتواصلة التي كانت توجه إلى الحزب لحضور مناسبات واحتفالات لا صلة لها بالوقائع المحلية المصرية التي يدّعي الحزب أنه محصور بها.

اقرأ أيضاً: 9 دول ينشط فيها اليمين المتطرف والأحزاب الشعبوية
وسيراً على خطى التمايز الحضاري المتخيل عن الغرب طرح برنامج الحزب فكرة "حقوق الناس" بدلاً من حقوق الإنسان؛ على اعتبار أنّ حقوق الناس تشير إلى المجموع الكلي للمواطنين، أما الإنسان فمفهوم يتعلق بالفردية الغربية التي تُعلي من شأن الفرد على حساب المجموع.
ويتسق هذا مع طبيعة الطرح الهوياتي بشكل عام؛ إذ يرى نفسه أعلى من الشعب؛ فهو من يعيد تشكيل الجماعة السياسية/ الأمة وفق محدداته، وأكبر من الدولة؛ فهو ليس مشروعاً لإدارتها، بل مشروع لإخضاعها وتحويلها إلى مجرد أداة في خدمة الهوية.
إلا أنّ طابع الحزب الهوياتي لم يلغ إمكانية مشاركته مع بقية القوى السياسية في مصر في تأسيس حركة كفاية العام 2004 في بيت مؤسس الوسط أبو العلا ماضي وكان منسقها الدكتور عبد الوهاب المسيري، أحد مؤسسي الحزب، وكتب بيانها الأول عصام سلطان، نائب رئيس الحزب.
كما كان عصام سلطان، القيادي المشارك في الحزب، من أوائل المشاركين في الاحتجاجات الجماهيرية يوم 25 كانون الأول (يناير) 2011، وشارك الحزب بصفة رسمية فيما عرف بـ"جمعة الغضب" بتاريخ 28 من ذلك الشهر، وكان أول حزب يحصل على ترخيص بعد الثورة (في 19 شباط (فبراير) 2011، الأمر الذي جعله يروّج لنفسه كـ"حزب الثورة".

اقرأ أيضاً: الأحزاب الإسلاموية في أوروبا: ما هي وماذا تريد؟
وخلال المرحلة الانتقالية 2011-2012 حاول الحزب أن يلعب دور "مهندس التوافق" بين القوى السياسية على أمل أن يلعب دوراً أكبر في المشهد السياسي، إلا أنّ حداثة نشأته حالت دون ذلك (يامن نوح 2019) ومع صعود الإخوان المسلمين إلى السلطة في 2012 تظاهر الحزب بمعارضته للجماعة رغم مشاركته في حكومة الرئيس الإخواني الأسبق محمد مرسي بوزير للشؤون القانونية والمجالس النيابية، هو محمد محسوب.
وفي المشهد الأخير للإخوان في السلطة 30 حزيران (يونيو) 2013 اختار الحزب الوقوف في خندق الجماعة، وانساق في رهان خاسر على بقائها في الحكم، لكنه مايزال يحاول ألا يتحوّل إلى مجرد ذكرى لافتة في تاريخ الحياة الحزبية المصرية.


الهوامش:

1- أحمد التهامي عبد الحي، الأجيال في السياسة المصرية: دراسة حالة لجيل السبعينيات، ط الهيئة المصرية العامة للكتاب 2009
2- إدوارد سعيد، السلطة والسياسة والثقافة، ط الآداب 2008
3- شريف يونس، نداء الشعب: تاريخ نقدي للأيديولوجيا الناصرية، ط الشروق 2012
4- طلعت رميح، الوسط والإخوان: القصة الكاملة لأخطر صراع سياسي في التسعينيات 1996
5- وثيقة فوائد من الشدائد، مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين من أرشيف الباحث طلعت رميح
6- شريف يونس، البحث عن خلاص: أزمة الدولة والإسلام والحداثة في مصر، المكتبة السياسية، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2014
7- جويل بنين، الإسلام والماركسية وعمّال النسيج في شبرا الخيمة: الإخوان المسلمون والشيوعيون في الحركة النقابية المصرية، من كتاب الإسلام والسياسة والحركات الاجتماعية تحرير إدموند بيرك وايرا لابيدوس، ط مدبولي 2000
8- جيل كيبل، نحو تحليل اجتماعي للحركات الإسلامية من كتاب الإسلام السياسي وآفاق الديموقراطية في العالم الإسلامي، نزيه الأيوبي وآخرون، ط مركز طارق بن زياد 2000
9- ريموند ويليام بيكر، إسلام بلا خوف: مصر والإسلاميون الجدد، ط المركز العلمي للدراسات السياسية 2008
10- برنامج حزب الوسط، الموقع الرسمي للحزب، شبكة المعلومات الدولية، دون تاريخ.
11- يامن نوح، مؤسس سابق بحزب الوسط، مقابلة مع الكاتب بتاريخ 21 مايو 2019.

الصفحة الرئيسية