حرب الـ 20 عاماً.. 5 مراحل لتطور ظاهرة الإرهاب

حرب الـ 20 عاماً.. 5 مراحل لتطور ظاهرة الإرهاب


25/07/2022

يُعد كتاب "حرب العشرين عاماً: الجهادية ومحاربة الإرهاب في القرن الحادي والعشرين"، من أهم الكتب التي تتناول ظاهرة الإرهاب خلال العقدين الماضيين، نظراً لقيمته التوثيقية المهمة وتحليلاته الرصينة ولما يقدمه من وثائق ويقترحه من توصيات.

والكتاب الصادر عام 2021، عن دار النشر الباريسية "روبارت لافون"، من تأليف خبيرين إستراتيجيين من المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (IFRI) في باريس هما؛ مارك هيكر، مدير البحوث في المعهد المذكور، رئيس تحرير المجلة المتخصصة "السياسة الدولية" الصادرة عن المعهد، وهو يحمل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية. والثاني إيلي توننبوم، المسؤول عن مختبر البحث المتخصص في شؤون الدفاع في المعهد.

ويعرض الدكتور محمد الحداد المُختص في قضايا الأديان بجامعة قرطاج، ميزات الكتاب التي تجعله فريداً من نوعه في أنه، أولاً، مؤلف شامل يرصد الأحداث الرئيسية للإرهاب كلها منذ تفجير مركز التجارة العالمي في 2001 إلى اتفاق الدوحة بين الولايات المتحدة الأمريكية وحركه طالبان في 2020، الذي أنهى مواجهة تواصلت 20 عاماً.

وثانياً، في أنه لا ينظر إلى موضوعه من زاوية الإرهاب فحسب؛ بل يتضمن توثيقاً دقيقاً أيضاً، يكاد يكون غير مسبوق، لمختلف الإستراتيجيات التي وضعتها الدول، وأساساً الولايات المتحدة الأمريكية، لمحاربة الإرهاب، إذ نجد عرضاً دقيقاً للوثائق الإستراتيجية الأمريكية.

غلاف الكتاب

 أما الميزة الثالثة، وفق الباحث محمد الحداد الذي نشر عرض الكتاب في مركز "تريندز للبحوث والاستشارات"، فهي الطابع الأكاديمي الميسّر للكتاب، فهو يلتزم من جهة بالقواعد الأساسية للعمل الأكاديمي، مثل: الدقة والتوثيق لكل المعلومات المعروضة والتزام الحياد، ويتفادى من جهة أخرى التعقيدات والاستطرادات ويعرض المضمون بطريقة سلسة في متناول الجميع.

وأخيراً يمتاز في احتوائه مجموعة من الدروس الإستراتيجية التي تم التوصل إليها بعد دراسة دقيقة لوقائع الإرهاب على مدى 20 عاماً، كما يتضمن الكتاب تقديرات للكلفة البشرية والمالية لهذه الحرب ضد الإرهاب، فهي نحو 800 ألف قتيل، منهم 150 ألفاً ضحايا العمليات الإرهابية، والباقي ضحايا الحرب ضد الإرهاب! ولا يحتسب هذا العدد ضحايا حروب أخرى مرتبطة بالإرهاب حصلت في نيجيريا (نحو 30 ألف قتيل) والصومال (نحو 45 ألف قتيل) وسوريا (نحو نصف مليون قتيل) واليمن (نحو 250 ألف قتيل).

ويقسم المؤلفان كتابهما الممتد على (440) صفحة إلى 5 أقسام أساسية تعبّر برأيهما عن المراحل المتتابعة التي تطورت خلالها الظاهرة الإرهابية.

المرحلة الأولى (2001 إلى 2006) 

ويرى المؤلفان أنّ هذه المرحلة تمثلت في انتقال الإرهاب من ظاهرة معروفة إلى ظاهرة "فائقة (Hyperterrorisme) أصبحت تهيكل السياسة الدولية. 

وابتدأت هذه المرحلة بتأسيس تنظيم القاعدة على يد أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وانتهت بتحول العراق إلى ساحة رئيسية للمواجهة بين "القاعدة" والولايات المتحدة الأمريكية. وقد توفي (2979) شخصاً كانوا في مركز التجارة العالمي، إضافة إلى 25 ألف جريح وخسائر مالية قدرت بـ (10) مليارات دولار.

 ومع أنّ أمريكا قد شهدت قبل هذا الحدث عدداً من العمليات الإرهابية ضد مصالحها فإنها عجزت على التوقي من هذا الهجوم لأنه كان يبدو مستحيل الإنجاز.

يمتاز الكتاب في أنه لا ينظر إلى موضوعه من زاوية الإرهاب فحسب؛ بل يتضمن توثيقاً دقيقاً أيضاً يكاد يكون غير مسبوق لمختلف الإستراتيجيات التي وضعتها الدول، وأساساً الولايات المتحدة الأمريكية، لمحاربة الإرهاب

وقامت الإدارة الأمريكية بالضغط على باكستان للسماح باستعمال أراضيها في الهجوم على أفغانستان بعد أن رفض قادة طالبان تسليم زعيم القاعدة. واقتُرح على حامد كرزاي الرئاسة المؤقتة للبلاد باعتباره من قبيلة الباشتون وكان قد شارك مشاركة صغيرة في الجهاد ضد السوفييت.وبدا الأفغان سعداء بالتخلص من حكم طالبان، لكن النظام المؤقت انهمك في الفساد.

 وقد عرض عدد من قيادات طالبان على الولايات المتحدة اتفاق سلام مقابل السماح لهم بالمشاركة في الحكم الجديد فكان الرد الأمريكي الرفض المطلق.

وفي هذه المرحلة وضعت الولايات المتحدة برنامجاً عسكرياً يعتمد استعمال الطائرات المسيّـرة للقضاء على الإرهابيين في أي مكان في العالم ودون مراعاة سيادة أي دولة، كما أطلقت برنامجاً عُرف إعلامياً بحرب الأفكار أيضاً، وأنشأت أجهزة إعلامية عدة على غرار القناة التلفزيونية "الحرة" عام 2004.

وقد تبين من خلال سبر آراء ضخم قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط أن كل هذه المبادرات لم تنجح نجاحاً تاماً وظلت صورة القاعدة وزعيمها إيجابية لدى قسم مهم من المسلمين، والسبب الأكبر في ذلك حرب احتلال العراق الذي ربطته الولايات المتحدة بطريقة متعسفة بحربها ضد الإرهاب، فضلاً على أنّ هذا الاحتلال أسهم مساهمة ضخمة في عولمة الإرهاب وانتشاره في كل العالم. 

راهنت أمريكا على ما سمي بـ "الربيع العربي" لتشجيع حركات إسلامية غير معادية لها وتقليص الشعور بالمعاداة تجاهها في الشرق الأوسط

أدرك الأوروبيون أنّ الولايات المتحدة لم تعد وحدها المستهدفة وبدؤوا يتخذون إجراءات صارمة للتوقّي، بعضها مقتبس من أمريكا وكان محل انتقادهم، وظلوا يُحمّلون الولايات المتحدة مسؤولية انتشار الإرهاب في العالم بسبب احتلال العراق دون القدرة على السيطرة عليه.

 المرحلة الثانية (2006 إلى 2011) 

في هذه المرحلة، أوشك العراق، وفق الباحث، أن يقسّم بين الشيعة الموالين لإيران وتنظيم القاعدة الإرهابي، لولا التغيير الحاسم الذي قامت به الولايات المتحدة الأمريكية والمتمثل في إعادة الاعتبار للمكون السُّني في البلاد. وفي هذه المرحلة كانت حرب العراق عاملاً أساسياً لتوسيع رقعه الإرهاب. عدا التكلفة الباهظة التي تحملتها أمريكا في العراق.

مع وصول باراك أوباما إلى الرئاسة عام 2009، بدا هذا الخط وكأنه يتدعم أكثر، لكن الحقيقة أن أوباما لم تكن لديه نية حقيقية لمعالجة الأمور وكانت رغبته قوية في سحب القوات الأمريكية في أسرع وقت من أفغانستان والعراق، وذهب إلى القاهرة في 2009 ليقترح بداية جديدة بين أمريكا والإسلام، وأمر بالتخلي عن استعمال عبارة "التطرف الإسلامي" واستبدالها بعبارة "التطرف العنيف".

تزامنت المرحلة الثالثة مع انطلاق ما سُمي بـ "الربيع العربي" الذي بدا في أول وهلة منعرجاً تاريخياً سيفتح مجال الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في المنطقة

ويعتبر المحللون الإستراتيجيون أنه ارتكب أخطاء عديدة، منها: تحديد سقف زمني للانسحاب بما يغري الحركات الجهادية بالاستعداد لتحل محل القوات الأمريكية، والظهور بمظهر الضعف بما سمح لنوري المالكي من تشديد سياسته المناهضة للسُّنة بعد النجاح الذي تمثل في حركات الصحوة. وفي نهاية هذه الفترة، لم يستطع أوباما تحقيق رغبته في الانسحاب الكامل، ولا في إغلاق معتقل غوانتنامو. وحاول فتح قنوات تواصل سرية مع طالبان أفسدتها المخابرات الباكستانية باغتيال الملا بارادار في 2010. 

لكن يحسب لأوباما أنه قام بتجميل صورة أمريكا في البلدان الإسلامية.

 المرحلة الثالثة (2011 إلى 2014) 

تزامنت مع انطلاق ما سُمي آنذاك بـ "الربيع العربي" الذي بدا في أول وهلة منعرجاً تاريخياً سيفتح مجال الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في المنطقة. لكن ما حصل على أرض الواقع هو العكس تماماً وانتقل الوضع بسرعة من ربيع عربي إلى خريف إرهابي بتمدد الإرهاب.

ومع ذلك، حققت الحرب ضد الإرهاب انتصاراً ضخماً عندما تمكنت فرقة خاصة أمريكية من اغتيال أسامة بن لادن في مايو 2011.

 وشهدت هذه الفترة تغيراً آخر في الإستراتيجية الأمريكية من هندسة نائب الرئيس، آنذاك، جو بايدن، الذي دافع عن إستراتيجية تتضمن التقليص من الحضور العسكري مقابل الاستعمال المكثف للطائرات المسيّـرة والعمليات الخاصة.

أفريقيا شهدت عمليات شنيعة على غرار احتجاز منظمة "بوكو حرام" 276 طالبة عام 2014 وتحويلهن إلى جوارٍ

كما راهنت أمريكا على ما سمي بـ "الربيع العربي" لتشجيع حركات إسلامية غير معادية لها وتقليص الشعور بالمعاداة تجاهها في الشرق الأوسط. 

وطرحت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في تلك الفترة مفهوم الهيمنة الذكية والتي أدت إلى أنّ الحركات الجهادية ذاتها شهدت بوادر انقسامات بين مَنْ يدعو إلى مواصلة الجهاد ومَنْ يدعو إلى الاستفادة من الظرفية الجديدة للعمل الجماهيري. وحصلت "مراجعات" عدة مختلف حولها بين القيادات الإرهابية. لكن انهيار التجارب الديمقراطية كلها سرعان ما أعاد الجميع إلى مربع الجهاد واستعمال العنف. وأضيفت سوريا بؤرة ثالثة عالمية للإرهاب بعد أفغانستان والعراق، وظهر تنظيم داعش ممثلة الجيل الجديد من الإرهابيين وأصبحت تسعى إلى إقامة دولة.

ولعل السمة الأبرز في هذه المرحلة تتمثل في فتح جبهة إرهابية جديدة في المغرب العربي وأفريقيا جنوب الصحراء. وهي الجبهة التي يرى مؤلفا الكتاب أنها ما فتئت تتعاظم وقد تكون الأكثر خطراً في المستقبل. وقد سيطر تنظيم القاعدة على التنظيمات في هذه الأقاليم قبل أن يخلفه "داعش" لاحقاً. وبرزت قيادات إرهابية ذات صيت كبير على غرار (مختار بالمختار وعبد المالك دروكدال). وأصبح تنظيم "أنصار الشريعة" من التنظيمات التي يحسب له ألف حساب، ومن مؤسسيه التونسي سيف الله بن حسين الملقب بأبي عياض. وكان لتسريح المساجين بعد "الربيع العربي"دور مهم في تشكل هذه التنظيمات الإرهابية.

 نتج عن تطور هذه الجبهة الجديدة اقتراب أكبر للإرهاب من أوروبا.

المرحلة الرابعة من 2014 إلى 2017 

شهدت أوروبا وفرنسا خاصة عمليات ارهابية أدت إلى سقوط 241 قتيل و900 جريح؛ ما دفعها إلى اعتماد مفهوم الحرب ضد الإرهاب بعد أن أصرت على عدم استعماله منذ عام 2001، وأن تقتبس الوسائل التي استعملتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن كانت حريصة على انتقادها. 

وكان للعائدين من بؤر التوتر، وخاصة من سوريا، الدور الأكبر في تنفيذ هذه العمليات، ومنهم أوروبيون سافروا للمساهمة في الجهاد. ومن الأسماء البارزة في هذا المجال (مهدي نموش، ومحمد أشملان، والأخوان فابريس وجون ميشال كلين، وتوماس برنوين، وعمر ديابي،… إلخ). 

أما أفريقيا فقد شهدت عمليات شنيعة على غرار احتجاز منظمة "بوكو حرام" 276 طالبة عام 2014 وتحويلهن إلى جوارٍ. 

أعلن ترامب أكثر من مرة عن نهاية الحرب ضد الإرهاب وأعلم مواطنيه أن هذه الحرب أرهقت بلاده اقتصادياً وسمحت للصين بأن تستغلها لتصبح قوة عالمية تتحدى أمريكا

وبالنظر إلى المخاطر العالية التي مثلها الإرهاب في هذه المرحلة، تنامت فكرة تشكيل تحالف عالمي ضد الإرهاب قرّب بين واشنطن وباريس وبلدان الخليج وبقية بلدان العالم التي أصبحت جميعها قلقة من مواجهة ذات طابع إستراتيجي ووجودي ضد الإرهاب.

أقام تنظيم داعش دولته بعد أن سيطر على الموصل في حزيران (يونيو) 2014 نتيجة الفرار المفاجئ لوالي المدينة بالانسحاب مع أنّ جيشه كان بأضعاف مقاتلي "داعش". وأعلن التنظيم الخلافة في شخص أبي بكر البغدادي وهو عضو سابق في تنظيم الإخوان المسلمين، ودانت له بالولاء منظمات عديدة في أفريقيا وآسيا.

 وبدت العمليات التي نفذها "داعش" في أماكن عدة من العالم أكثر عنفاً وجرأة من عمليات القاعدة سابقاً، مثل: عمليات المتحف الوطني وسوسة والحرس الرئاسي في تونس وعمليات قاعة العرض الباتكلان وملعب كرة القدم في باريس وعملية المطار في إسطنبول.

المرحلة الخامسة (من 2018 إلى 2021)

وبدأت بإعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عن مقتل أبي بكر البغدادي على يد فرقة خاصة أمريكية. وكانت الإدارة الأمريكية قد أصدرت قبل ذلك وثيقة إستراتيجية عنوانها "إستراتيجية الدفاع القومي" أكدت فيها أنّ الحرب على الإرهاب لم تعد الاهتمام الأول للأمن القومي. وقد قرر ترامب التخفيض إلى النصف في عدد الجنود الأمريكيين العاملين في العراق وأفغانستان، وخفض الموازنات المالية المخصصة لذلك. وقرر أنّ كل بلد يطلب مساعدة عسكرية أمريكية عليه أن يتكفل بمصاريفها. ولأول مرة، أذن ترامب بتطبيق خطة القتل عن بُعد المستعملة عادة ضد الإرهاب لاغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني.

قرر الرئيس الأمريكي ترامب التخفيض إلى النصف في عدد الجنود الأمريكيين العاملين في العراق وأفغانستان

وحث الأوروبيين وكل بلدان العالم على استرجاع أسراهم الموجودين في "غوانتنامو" وفي السجون العراقية بتهم الإرهاب. وفتح مفاوضات مباشرة مع طالبان في العاصمة القطرية الدوحة تمهيداً لعقد اتفاق سلام.

وقد أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أكثر من مرة عن نهاية الحرب ضد الإرهاب، وأعلم مواطنيه أنّ هذه الحرب أرهقت بلاده اقتصادياً وسمحت للصين بأن تستغلها لتصبح قوة عالمية تتحدى أمريكا.

لكن الإرهاب لم ينته بهذه الإعلانات وإنما اتجه، حسب الباحثين، إلى مناطق أخرى في العالم وخاصة أفريقيا. لذلك لا يستبعد الكاتبان انبعاث موجة جديدة من الإرهاب ولكن في أشكال أخرى، بعد فترة تطول أو تقصر، ويحذران من أنّ نهاية حرب الـ 20 عاماً ضد الإرهاب لا تعني نهاية الإرهاب ذاته. ويقدران أن أكثر من 30 ألف إرهابي موجودون حالياً بين العراق وسوريا، فضلاً عن المئات الموزعين حالياً في بقاع العالم كلها.

ويعرض الكاتبان، من هذا المنطلق، مجموعة من التوصيات الإستراتيجية المقتبسة من تحليل 20 عاماً من الحرب ضد الإرهاب لتفادي الوقوع في الأخطاء الماضية نفسها، منها بعث وتشجيع مراكز دراسات تعمل في البلدان المعنية مباشرة بالإرهاب.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية