حبيب جرجس: نظير محمد عبده في المسيحية المصرية

1682
عدد القراءات

2018-03-06

بوابة القرن العشرين.. مطرقة الإصلاح تدقّ الفكر الإسلامي

بحلول القرن العشرين، كان سؤال الحداثة الذي جلبه الاستعمار، يعصف بالمشهد الفكري في العالم الإسلامي، ومن ثمّ كان هناك العديد ممّن سمّوا، فيما بعد، "آباء تيار الإصلاح الديني في العالم الإسلامي"، وقد تقدمتهم أسماء مثل: محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، ورشيد رضا. وكان التيار الإصلاحي في الفكر الإسلامي قد جعل من النصّ والتراث، وإعادة تأويلهما، وتنقيتهما، مجال حقله، فقد عكف هذا التيار على تقديم نسخة متجددة من الإسلام، لا تتعارض مع مشروع الحداثة العربية في ثوبه الغربي، بمحاولة إيجاد روابط عميقة بين الدين والحداثة، ومحاولة محاربة أشكال التدين التقليدية حينها، التي تعرقل مشروع التحديث، ومن هنا لمعت الأسماء سابقة الذكر، باعتبارها أسماء لمصلحين مجددين حملوا راية التنوير في العالم الإسلامي على عاتقهم، وتصدّوا لمهمة معقدة تشتمل على الاشتباك مع النص، ومحاولة فهمه وتأويله، في إطار القرن الجديد.

 

وتدقّ الفكر المسيحي الأرثوذكسي أيضاً.. بشكل مختلف

في بداية القرن العشرين، يرصد المؤرخون المسيحيون أنّ رجل الدين المسيحي كان قد تحوّل، بحلول هذا الوقت، إلى رجل دين بالوراثة، في ظلّ انهيار التعليم المسيحي الجاد، حتّى لرجال الدين أنفسهم، ولم يكن لرجل الدين المسيحي حينها راتب أو دخل ثابت، بقدر عيشه على ما يقدّمه له "شعب الكنيسة"، ويصف المفكّر والمؤرخ ميلاد حنا الحالة في ذلك الوقت؛ بأنّ الكنيسة كانت تتكون من قساوسة "طيبين"، ومطارنة أغنياء غير متدينين.

وكان الهمّ الأساسي لحركة الإصلاح الديني المسيحية في مصر؛ إعادة تأسيس وإصلاح رجال الدين، وبالتبعية بدأت حركة "مدارس الأحد" في الانبثاق، من أجل صناعة جيل جديد من القساوسة.

رغم انفجار حركة الإصلاح المسيحي في مصر، في الوقت نفسه الذي توهجت فيه حركة الإصلاح الإسلامي إلّا أنّهما لم يلتقيا

في الواقع، ورغم انفجار حركة الإصلاح المسيحي في مصر، في الوقت نفسه الذي توهجت فيه حركة الإصلاح الديني الإسلامي، إلّا أنّ كليهما لم يلتقيا، وسارت كلّ حركة في خطّها على استقامته، دون النظر لحركة أبناء الوطن من العقيدة الأخرى، لذلك لم تطرح الحركتان معاً أسئلة ونقاشات إصلاحية، تصبّ في المصلحة الوطنية الجامعة، إنّما سارتا في طريقين مفترقين منذ البداية، واحد يحاول إصلاح المؤسسة الدينية الإسلامية بجوار مقارباتها لتأويل جديد للنصوص، والأخرى وضعت نصب أعينها إصلاح رجال الكنيسة، وإعداد أجيال مختلفة من القساوسة، أكثر تديناً وعلماً وحرصاً على شعب الكنيسة.

على جانب آخر، وبينما كان التيار الإصلاحي الإسلامي، يحاول الاشتباك مع التراث والنص، ويحاول فهمه وتجديده في إطار ما يطرحه القرن الجديد من أسئلة، لم تشهد المسيحية المصرية الأرثوذكسية المحاولات نفسها على مستوى تأويل النص بالشكل الواضح، واكتفى تيار الإصلاح بمسألة الإصلاح الكنسي، والتعليم الديني، كغاية عظمى من الإصلاح؛ فبينما كان يحاول الإصلاح الإسلامي الخروج من المؤسسة أو تقليل وطأتها، حاول المصلحون المسيحيون خلق مؤسسة أكثر قوة.

يعدّ العديد من المؤرخين حبيب بك جرجس الأب المؤسس للتيار الإصلاحي في المسيحية الأرثوذكسية المصرية

في ظلّ هذا السياق الإصلاحي؛ برز اسم مهمّ في التاريخ المصري، ربّما لا يعرفه كثيرون؛ إنّه حبيب بك جرجس، الذي يعدّه العديد من المؤرخين، الأب المؤسس للتيار الإصلاحي في المسيحية الأرثوذكسية المصرية، فهو صاحب فكرة وجود تعليم للأطفال والشباب المسيحيين في الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، مؤسس مدارس الأحد، التي ستخرج أجيالاً مختلفة من القساوسة المتدينين والمتعلمين، لن تشبه، بأية حال، أجيال القساوسة والمطارنة في بدايات القرن العشرين.

حبيب بك جرجس... مؤسس التيار الإصلاحي في المسيحية الأرثوذكسية المصرية

"إنّ التعليم ثاني حاجة للشعوب بعد الخبز" *حبيب جرجس

حبيب جرجس، الذي يحمل رتبة كنسية بمستوى أرشيدياكون (شماس)، ولد في القاهرة عام 1876، وتوفي في أغسطس (آب) 1951، كان هدفه الإصلاحي يتمثل، قبل كلّ شيء، في إخراج الكنيسة الأرثوذكسية، ممّا لم يزل عالقاً بها حينها من ميراث العصور الوسطى، وإدخالها العصر الجديد، ومحاولة إعادة ترميمها بعد ما أصابها من وهن جراء رياح البروتستانتية والكاثوليكية القادمة مع الاستعمار، وإصلاح رجال الدين فيها، وكان يرى أنّ الوسيلة الأولى لصناعة كلّ ذلك تبدأ من التعليم، لذلك كان صاحب فكرة إنشاء مدارس الأحد، لتعليم أطفال وشباب شعب الكنيسة، وإعادة تقديم التاريخ الكنسي لهم بصورة تتلاءم مع روح العصر الحديث، فبدلاً من الطرق المُملّة القديمة في التعليم، حلّت القصص المرتبطة بمشاعر الواقع، والطريقة التي تعتمد على الحكي، لتختفي تدريجياً لغة التلقين الأصمّ، الخالي من المشاعر، ومن أيّ ارتباط بين قصص تاريخ الكنيسة ولغة الواقع.

هو صاحب فكرة وجود تعليم للأطفال والشباب المسيحيين في الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، مؤسس مدارس الأحد

ومن ثمّ تولّى حبيب جرجس رئاسة المدرسة الإكليريكية، منذ عام 1918، وظلّ في هذا المنصب طوال 33 عاماً، وقد قدّم في هذه المدرسة نموذجاً جديداً للتعليم المسيحي، فبدل مناهج وطريقة التدريس القروسطية، أحلّ حبيب نظاماً تعليمياً حديثاً، فوضع مناهج حديثة وشيّقة تناسب العصر، فيها أكثر من 18 مادة، لا تقتصر على الدين فقط، إنّما تشمل أيضاً الفلسفة واللغات، والعلوم والأدب، وحاول اختيار الأساتذة الذين يدرّسون تلك المناهج بدقة كبيرة.

جدير بالذكر هنا؛ أنّ البابا شنودة الثالث، صاحب الكرسي البابوي في الكنيسة الأرثوذكسية المصرية لأكثر من ربع قرن حاسمة في التاريخ المصري، كان من أوائل خريجي القسم الجامعي للإكليريكية، ولعلّ ذلك يمثل شاهداً كبيراً على الدور الكبير الذي لعبه حبيب جرجس بحركته الإصلاحية التعليمية في تاريخ الكنيسة المصرية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: