جون بوبيرو: اللائكية الفرنسية ليست إلحاد دولة

جون بوبيرو: اللائكية الفرنسية ليست إلحاد دولة

مشاهدة

01/11/2020

ترجمة: يوسف اسحيردة

إذا كان مرسوم التسامح الذي أصدره لويس السادس عشر قد مَثَّلَ الخطوة الأولى نحو التعددية الدينية، فالحق في الإلحاد أو غير المبالاة بالدين، قد انْتُزِعَ بعد كفاح كبير في فرنسا. كان يجب انتظار عام 1905 وقانون فصل الكنيسة عن الدولة.

جون بوبيرو: الإيمان أصبح شيئاً فشيئاً يكتسي طابعاً فردياً مع ما يسميه علماء الاجتماع بـ "البريكولاج الديني"

في هذا الحوار مع المؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي جون بوبيرو، صاحب كتابي: "تاريخ اللائكية في فرنسا" (2013, PUF) و"اللائكيات الفرنسية السبعة " (Maison des sciences de l’homme, 2015). يؤكد هذا الأستاذ الفخري في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا أنّ "قانون 1905 ليس بأي حال من الأحوال إلحاد دولة".

وهنا نص الحوار الذي أجرته كاثرين جوليو لصالح مجلة لوبوان الصادرة بتاريخ كانون الأول (ديسمبر) 2017- كانون الثاني (يناير) 2018، كان موضوع العدد هو "العيش بدون إله".

 لويس السادس عشر

لوبوان: حرية عدم الإيمان بالإله لم تصبح رسمية في فرنسا إلا عام 1905. ما سبب هذا التأخر في نظركم؟

جون بوبيرو: لأن الدولة الفرنسية ظلت لزمن طويل دولة طائفية؛ حيث إنّ الدين والسياسة يمتزجان دون أن يختلطا. مراسيم تتويج الملك، كانت بمثابة شرعنة مزدوجة للسياسي من طرف الديني وللديني من طرف السياسي. في دولة هذا حالها، ليس هناك وجود لحرية الضمير، مصدقاً للمثل القائل: "دين واحد، قانون واحد، ملك واحد". أما بخصوص أن يكون المرء ملحداً، فنحن نعرف ما الذي حدث عام 1766 للفارس دولابار المذنب بالامتناع عن تحية موكب ديني. حتى فولتير الذي دافع عنه كان يقول بأنّ أسوأ الخرافات هي أفضل من الإلحاد. خلافاً لما نعتقد غالباً، الأنوار لم تكن ملحدة في غالبيتها.  

لوبوان: عام 1787، اعترف مرسوم التسامح الذي أصدره لويس السادس عشر، لغير الكاثوليكيين بحق الزواج خارج الكنيسة الرومانية. هل كانت تلك أول خطوة نحو التعددية الدينية؟

جون بوبيرو: نعم، لكن وَجَبَ مع ذلك انتظار الثورة الفرنسية حتى يظهر ما أسميه بالعتبة الأولى لعملية التأليك (La Laïcisation) مع إعلان حقوق الإنسان عام 1789، ودستور عام 1791، وبعدها السياسة الدينية الغامضة لنابليون. في عام 1804، ظلت مدونة الأحوال الشخصية صامتة في ما يخص الدين، ما سيجعل الأب لاموني يقول غاضباً: "الدولة ملحدة". في الواقع، بقيت الكاثوليكية هي ديانة "الأغلبية الساحقة من الفرنسيين"، لكن وَجَبَ عليها القبول بالديانات الأخرى المعترف بها، البروتستنتية واليهودية. ذلك لا يعني، الأمر جد مستبعد، أن المرء يمكن أن يكون ملحداً بكل حرية. في عام 1825 تم التصويت على قانون حول التدنيس، أُلغي عام 1830؛ أما الطلاق، فبعد أن كان مسموحاً به عام 1792، فقد تم منعه عام 1816 قبل العودة إليه عام 1884...لاسيما وأن القانون الذي يزعم أنه لا ديني، يعتزم فرض أخلاق هي دينية.

لوبوان: هل هذا معناه أن الدين يظل حصنا أخلاقيا أمام الفتنة؟

جون بوبيرو: بالنسبة للسلطة، فهو الذي يُوَحِّد، عكس الإلحاد الذي من المُفترض أنه يُقوض الرابطة الاجتماعية ويدفع إلى "الرذيلة". وهكذا، فإنّ درس الأخلاق بقي إلزامياً في المدرسة العمومية حتى عام 1882.

لوبوان: رغم ذلك، فَقَدَ الرهبان الكثير من سلطتهم في مواجهة المدرسين أو الأطباء..

جون بوبيرو: هذا صحيح. نُلاحظ خلال القرن التاسع عشر ازدهار الممارسات الطبية، بيد أنّها كانت تَصُد عن بعض تعاليم الدين الكاثوليكي. بدأ  إيمان الناس بالعالم الأخروي يضعف، في مقابل إيمان بالتقدم يزداد قوة. بعد ثورة 1848، نَظَّمَ المفكرون الأحرار صفوفهم. من هنا غضب البابا بيوس التاسع، الذي أعلن، عام 1864،  من خلال رسالته، "السيلابوس" (المنهج)، "رفضه المساومة مع التقدم والحضارة الحديثة". كان لزاماً الانتظار حتى نهاية  عام 1870 حتى تَفْرِضَ بعض الحساسيات نفسها بشكل فعلي، كاللاأدرية والإلحاد والروحانية، وهذه الأخيرة كانت هي الأكثر تأثيراً بفارق كبير. جيل فيري الذي كان لاأدرياً، كان متمسكاً بأن يتمكن من لا يُؤمنون من العيش جنباً إلى جنباً رفقة من يُؤمنون.  وقد ارتكز في ذلك على الفيلسوف الروحاني فرديناند بويسون من أجل فرض أخلاق لائكية على المدرسة، يتم تحديدها من طرف المدرسين وليس الكُهَّان.

لوبوان: من هنا إلزامية تدريس "الوجبات اتجاه الإله" داخل المدرسة العمومية؟  

جون بوبيرو: عام 1882، تم استبدال درس الأخلاق الدينية بـ "التربية الأخلاقية والمدنية". وبالتالي فهذا الإقحام لم يكن موجوداً في القانون، لكنه كان جزءاً من البرامج الرسمية مع ذلك. ورغم ذلك فقد كان الأمر يتعلق بإلهٍ منفصل عن الديانات، وقد تم التخلي عن هذا التعليم قبل سحبه عام 1923، لأنه كان يضع المدرسين في وضع غير مريح. أولاً، من الصعب، في هذه الحالة، فصل الإله عن تصور الكنيسة الكاثوليكية التي تظل هي المهيمنة. فضلاً على أنّ الأخلاق اللائكية تستدعي حقوقاً وواجبات. في حين أنّ الإله ليس صانعاً للحقوق، وبالتالي فتدريس أن الإنسان لا يملك نحوه سوى واجبات...هذه الحيادية التصاعدية ستتأكد، عام 1905، من خلال قانون فصل الكنيسة عن الدولة.

لوبوان: ولكن بشكل عملي، كيف يمكن للمرء أن يعيش بدون إله في نهاية القرن التاسع عشر؟

جون بوبيرو: من الناحية المجتمعية الأمر صعب. كان يجب الانتظار حتى عام 1881 لكي يتم التصويت على قانون يسمح لكل واحد، مهما كان اعتقاده، بأن يُدفن في نفس المقبرة. في السابق، الشخص الذي لا يتلقى الشعائر الأخيرة لما قبل الموت، كان يُدفن في الجزء غير المُبارك من المقبرة، بجانب المنتحرين والنساء اللواتي يُطلق عليهن لقب "ذوي الحياة السيئة".

جون بوبيرو:  الدولة الفرنسية ظلت لزمن طويل دولة طائفية؛ حيث إنّ الدين والسياسة يمتزجان دون أن يختلطا‎

لوبوان: من سيقوم بدعم حركة  التحرر الديني؟

جون بوبيرو: المفكرون الأحرار طبعاً، لكن أيضاً الماسونيون (البناءون الأحرار). في عام 1878، تخلى محفل الشرق الأعظم الماسوني عن الانتساب لفرضية "المهندس الأعظم للكون"، كما أن أعضاءه قد لعبوا دوراً نشطاً في حركة التأليك (la laïcisation). البروتنستنيون هم أيضاً كانوا حاضرين، من خلال التأكيد، بالأخص، على الحق في الكفر. الطرفان معاً سيلعبان دور الوساطة بخصوص مشاكل ملموسة، خاصة أثناء التصويت على قانون 1905.

لوبوان: كيف يمكن تعريف اللائكية كما يتصورها هذا القانون؟

جون بوبيرو: هي السماح للناس بالعيش بحرية سواء كانوا يملكون إلهاً أو لا يملكونه. يُمكن للأديان أن تُعبر عن نفسها على نحو علني. وهكذا أصبحت الكنيسة منذ ذلك الوقت تتمتع بالشخصية القانونية. فقد بات بإمكانها رفع قضايا ضد أشخاص وضد الدولة، والتعبير بالطريقة التي تراها مناسبة، كما أصبحت مهمة تعيين الأساقفة موكولة بالكامل إلى البابا بعد أن كانت تشاركه الدولة في ذلك في السابق. أفضل من ذلك، المواكب الدينية على الطرق العامة، والتي كانت ممنوعة في المدن التي تعرف تواجد أضرحة بروتستنتية أو كوانس يهودية، أصبح مرخصاً لها عام 1905. القاعدة كانت هي أنه على كل واحد أن يتحمل، ويقبل بدين أو لا دين الآخر. وبالتالي فالأمر لا يتعلق، بأي حال من الأحوال، بإعلان إلحاد دولة.

لوبوان: ما يعني نظرياً أنّ هذا القانون يسمح بأداء الصلاة في الشارع أو ارتداء الحجاب في الأماكن العامة؟

جون بوبيرو: نعم، شريطة عدم تهديد الأمن العام. لائكية ذلك الوقت لم تكن تعني اختزال التدين في الفضاء الخاص، وإنما حرية الجميع. النقاش الحالي تلوث بسبب النقاش حول الهوية. إدراكاً منهم للتهديد الذي يشكله الإسلام، أخذ البعض يستعرضون "الجذور اليهودية-المسيحية لفرنسا"، ولكن هذه "الجذور" الشهيرة هي، في الواقع، جذور كاثوليكية. علماً أن أي دولة تتشكل عبر قرون والتركيز على "الجذور" يبقى فعلاً ماضوياً. التفكير الحر يُحارب بحق هذه الفكرة. هو ليس معادياً للإسلام: كل ما هنالك أنه فَهِمَ أن حرية الضمير كُلٌّ لا يتجزأ ويُطالب بأن يُطبق قانون 1905 على الجميع، على المؤمنين كما على غير المؤمنين.

لوبوان: ما هي الطريقة المُثلى من أجل تهدئة الأجواء؟

جون بوبيرو: العودة إلى النقاش حول الإيمان وعدم الإيمان. صحيح أنّ المُجتمع أصبح مُعلمنا، لكن فقدان الثقة في التقدم جعل النظرة إلى الإيمان تختلف: الإيمان أصبح شيئاً فشيئاً يكتسي طابعاً فردياً مع ما يسميه علماء الاجتماع بـ "البريكولاج الديني". نحن الآن ننتمي إلى ثقافة ما بعد أنوارية، حيث لا يكفي استحضار العقل من أجل اكتساب الشرعية. قانون 1905 قام بانتزاع السلطة من المؤسسات الدينية، لكن انعدام الثقة في التقدم يُضعف كل المؤسسات. في مواجهة هذا المُعطى الجديد، لِنتحلى بنفس إبداع الأنوار. 

المصدر: مجلة لوبوان

الصفحة الرئيسية