جنوب السودان.. الموت بين يدي ساحري القبعة والعصا

2230
عدد القراءات

2018-07-10

رغم عودة النائب الأول للرئيس السوداني الجنوبي السابق، وزعيم المتمردين، رياك مشار، إلى موقعه للمرة الثانية، عبر اتفاق بشأن تقاسم السلطة أبرمه السبت 7 تموز (يوليو) الجاري، في أوغندا، مع خصمه اللدود الرئيس سلفا كير، برعاية سودانية أوغندية، إلا أنّه من التسرع التفاؤل بأنّ الحرب الأهلية في جنوب السودان انصرمت وحُسمت لصالح السلام، بالتوقيع على اتفاق كمبالا؛ إذ كان اتفاق مماثل قد وقّع بين الطرفين ذاتهما في العام 2015، لكنه سرعان ما انهار، قبل أن يجف مداده، العام 2016.

النائب الأول للرئيس السوداني الجنوبي السابق، وزعيم المتمردين، رياك مشار

وكان مشار، الذي ينتمي إلى إثنية (النوير)، ثاني أكبر مجموعة عرقية في جنوب السودان، بعد (الدينكا) التي ينتمي إليها الرئيس سلفاكير، سُمّي النائب الأول للأخير، عقب إعلان دولة جنوب السودان العام 2011، الأمر الذي بدا دليلاً واضحاً على نفوذه الكبير المطرد في أوساط حركة تحرير السودان، لكنه لم يلبث في منصبه طويلاً، حتى أقاله الرئيس، في تموز (يوليو) العام 2013، واتهمه بتدبير انقلاب ضده، الأمر الذي نفاه مشار.

 الرئيس سلفا كير

استقلال بلون الدم

منذ أن أصبحت جنوب السودان دولة مستقلة، في 9 تموز (يوليو) العام 2011، بعد أن كانت جزءاً من جمهورية السودان، دبّت الخلافات بين قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي أسسها وترأسها الزعيم الجنوبي التاريخي جون قرنق، الذي لقي حتفه  في 30  تموز (يوليو) العام2005 ، عندما تحطمت مروحية رئاسية أوغندية كان على متنها في رحلة عودته من العاصمة كمبالا إلى جنوب السودان.

 الزعيم الجنوبي التاريخي جون قرنق

وشهدت الدولة الوليدة خلافات حادة ذات خلفيات إثنية في الغالب بين الثوار السابقين من أجل السلطة والنفوذ، انتهت بحرب عبثية طاحنة راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين والعسكريين، ونزح بسببها 4 ملايين مواطن، وهو ما لم يحدث طوال أعوام الحرب التي خاضها الثوار الجنوبيون ضد وطنهم الأم السودان، والتي استمرت على مرحلتين؛ من 1955 - 1972، ومن 1983- 2005.

من التسرع التفاؤل بأنّ الحرب الأهلية في جنوب السودان انصرمت وحُسمت لصالح السلام بالتوقيع على اتفاق كمبالا

الخبير الإستراتيجي السوداني، حامد فضل الله، وصف الحرب الأهلية في جنوب السودان بالأسوأ في العالم، بعد الحرب العالمية الثانية، وقال في حديثه لـ "حفريات": إنها حرب منسية لم يسلط عليها الضوء بعد، وإن فظائع لا نظير لها ارتكبت خلالها؛ حيث قُتل المدنيون العُزَّل على الهوية القبلية، وجُنِّد الأطفال القُصّر، واغتصبت النساء والفتيات دونما وجل أو هوادة، ودُمّر كل شيء بشكلٍ لا يُصدق.

اصطفت قبيلة النوير مع ريك مشار

وأوضح أنّ "الحرب بدأت في جنوب السودان في كانون الأول (ديسمبر) العام 2013، عندما اتهم الرئيس سيلفا كير، نائبه الأول السابق مشار، بالتخطيط لانقلاب ضده، فاصطفت قبيلة الدينكا التي يمثلها الرئيس إلى جانبه، فيما اصطفت قبيلة النوير مع ريك مشار.

حرب مجنونة

من جهتها، كشفت منظمات حقوقية، على رأسها "هيومن رايتس ووتش"، أنه منذ اندلاع الحرب الأهلية في الجنوب السوداني، حتى العام 2017، نزح حوالي 4 ملايين شخص، داخلياً وخارجياً، أكثر من 230 ألفاً منهم ما يزالون يحتمون في 6 قواعد تابعة للأمم المتحدة داخل جنوب السودان، وأنّ المجاعة أزهقت أرواحاً كثيرة يصعب إحصاؤها بدقة.

اقرأ أيضاً: إطلاق سراح 311 من الجنود الأطفال في جنوب السودان

وأشارت "هيومن رايتس ووتش"، إلى أنّ الطرفين ارتكبا انتهاكات تصل إلى جرائم الحرب، علاوة على أعمال النهب والهجمات العشوائية على المدنيين، وتدمير الممتلكات المدنية، والاعتقال التعسّفي، والاحتجاز، والضرب، والتعذيب، والاختفاء القسري، والاغتصاب، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي، والإعدام خارج نطاق القضاء.

بمجرد إعلان استقلال جنوب السودان العام 2011 دبّت الخلافات بين قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان

ووصفت الأمم المتحدة جنوب السودان، بأنّه "أحد أخطر الأماكن في العالم للعاملين في مجال المساعدات"؛ حيث قتل ما لا يقل عن 83 موظفاً و6 عمال إغاثة، وسائق تابع للجنة الدولية للصليب الأحمر، ما دفع المنظمة إلى تعليق عملياتها هناك، وأضافت الأمم المتحدة أنّ كلا الجانبين عرقلا مراراً عمليات إيصال المساعدات، وهاجما تكراراً قوافل الإمدادات الإنسانية في عشرات المواقع، لنهبها من أجل تمويل الحرب، وأنّ طرفي الحرب متورطان في العنف الجنسي ضد المدنيين لا سيما من قبل رجال يرتدون الزيّ الرسميّ للجيش.

"دونغ صموئيل لواك" أحد المحامين البارزين الناشطين في مجال حقوق الإنسان

ووثقت "هيومن رايتس ووتش"، أنماطاً واضحة للاحتجاز التعسفي، وسوء المعاملة، والتعذيب على أيدي القوات الحكومية؛ إذ اختُطف واحتُجز "دونغ صموئيل لواك" أحد المحامين البارزين الناشطين في مجال حقوق الإنسان الذي كان قد مُنح وضع لاجئ في كينيا، وزعيم المجتمع المدني ومسؤول الشؤون الإنسانية في جناح ريك مشار أغري إيزيبون، واختطف الرجلان من كينيا ورحّلا إلى جنوب السودان، إلى جانب جيمس قاديت، وهو متحدث سابق باسم جماعة مشار المتمردة، الذي تم ترحيله قسراً من كينيا، في أواخر العام 2016 ليتم احتجازه في جوبا عاصمة جنوب السودان.

كان اتفاق مماثل وقّع بين الطرفين ذاتهما في 2015 لكنه سرعان ما انهار خلال عام

وتفرض حكومة سلفا كير قيوداً كبيرة على الصحافيين؛ حيث ضايقت واحتجزت واستجوبت العديد منهم، واعتقلت مدير التلفزيون الحكومي مبررة ذلك برفضه بثّ خطاب رئاسي، ومنعت السلطات 5 مواقع، على الأقل، من نشر معلومات وصفتها بـ"التخريبية".

وكان نيال بول، رئيس تحرير صحيفة "المواطن"، أول صحيفة مستقلة في جنوب السودان، قد اعتزل العمل الصحافي في وقت سابق، وصرّح حينها لوسائل الإعلام بأنّه نجا بأعجوبة من هجوم شنّه جنديان حكوميان قاما بمداهمة منزله في جوبا بنيّة قتله، كما قُتل صحافي أمريكي كان ملازماً للمتمردين في مدينة (كايا)، المتاخمة لأوغندا، في مهمة صحافية؛ حيث اتهمته الحكومة بالقتال معهم.

الرئيس ونائبه.. صراع الأساطير

لم يحظَ الرئيس سلفا كير، بتعليم عالٍ، فقد كان جندياً عادياً في استخبارات الجيش السودان، إلى أن التحق بالتمرد الأول ثم عاد إلى الجيش مجدداً بعد التوقيع على اتفاقية "أديس أبابا"، مع نظام الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري، العام 1972 ضابطاً في المخابرات حتى العام 1983، ليعود مجدداً إلى التمرد بقيادة جون قرنق؛ حيث اكتسب المزيد من الخبرات والمهارات في العمل الاستخباراتي، ما جعله نائباً لقائد الحركة الراحل، ثم لاحقاً رئيساً لدولة جنوب السودان المستقلة.

 الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري

كان سلفا كير، يعيش دائماً في ظلّ زعيمه قرنق، وهو رجل مسيحي شديد التدين، حتى أنّ البعض يصفه بأنّه "يسوع الكتاب المقدس الذي أخذ عباءة القيادة من موسى"، يجيد كير التحدث بـ(عربية جوبا)، وهي لغة عربية محلية مستخدمة في جنوب السودان، أكثر من الإنجليزية، لكنه يتقن المناورة بطريقة المخابرات أكثر من أي عمل آخر.

شهدت الدولة الوليدة خلافات حادة ذات خلفيات إثنية غالباً بين الثوّار السابقين من أجل السلطة والنفوذ

من جانب آخر، يؤمن الرئيس سلفا كير بأنّ القبعة السوداء التي لا تغادر رأسه أغلب الوقت، تحميه من الشرور التي يضمرها له صاحب العصا السحرية خصمة اللدود سلفا كير، وأنّه لولا روح ما مترقرقة بين تضاعيف القبعة لكان نائبه خلفاً له، قبل أن يلبث بكرسي الرئاسي لحظة أو هنيهة.

تقول أساطير قبيلة النوير، التي ينتسب إليها ريك مشار: إن زعيماً روحياً نويرياً اسمه (نيقدينق) تنبأ بأنّ رئيس جنوب السودان سيكون مفرق الأسنان، وهكذا يبدو مشار، وتقول الأساطير ذاتها: إنّ العصا السحرية للقبيلة، التي ترمز للسلطة والقوة والزعامة، والتي صادرها منهم المستعمرون البريطانيون، وجدت مرة أخرى، وأنّها سلّمت إلى مشار، الأمر الذي جعل الرئيس يهابه ويخشاه.

خبير إستراتيجي سوداني: الحرب الأهلية في جنوب السودان الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية

تلك الأمور الروحانية، يستخدمها معظم القادة الأفارقة سياسياً، وربما يؤمنون بها؛ فمشار، رغم سيرته الذاتية الباذخة أكاديمياً وسياسياً، كونه حائزاً على بكالوريوس الهندسة من جامعة الخرطوم، وماجيستير الهندسة الميكانيكية، ودكتوراه التخطيط الإستراتيجي من جامعة برادفورد البريطانيّة، لكنه كان أول من احتفى بعودة العصا السحرية الضائعة فظل يستدعيها حين المصيبة والعسر، ويتخلّى عنها (حين ميسرة)، هكذا نشأ النائب الأول، الأسبق والسابق والحالي، لرئيس جنوب السودان.

انتظار حذر

لا يوجد جديد، في رأي الخبير الإستراتيجي حامد فضل الله، فالاتفاق الأخير الذي أُعيد بموجبه ريك مشار، إلى منصبه مجدداً، لن ينهي الحرب في جنوب السودان، ما لم تتغّير العقليات التي تدير العمل السياسي والعسكري في الدولة الوليدة، واستطرد فضل الله، قائلاً: "لن يصمد اتفاق سياسي قائم على محاصصات قبلية، وهذا واضح جداً؛ فتعيين 4 نواب للرئيس، بمن فيهم مشار، يشير بوضوح إلى هذه المحاصصات، التي أفضت إلى كل المآسي السابقة"، بحسب فضل الله.

اقرأ أيضاً: الديمقراطية في إفريقيا.. في انتظار حفلة "التيس" القادمة

إلى ذلك، يُشار إلى أنّ اتفاق (كير، مشار)، تضمن ترتيبات أمنية تشمل إخلاء المراكز الحضرية من الوجود العسكري، وإطاراً زمنياً لدمج القوات المتمردة مع الجيش الرسمي، وتشكيل لجنة أمنية مشتركة لذلك.

المتحدث باسم حكومة جنوب السودان، مايكل ماكوي لويث

وقال المتحدث باسم حكومة جنوب السودان، مايكل ماكوي لويث، في تصريح صحفي قبل أيام: "بعد مناقشات مطولة، تم التوصل إلى اتفاق تاريخي ستضع الحرب بموجبه أوزارها مرة وإلى الأبد"، فيما قال الناطق الرسمي باسم المعارضة المسلحة، مناوا بيتر: إنّ "فرقاء دولة جنوب السودان توافقوا على أكثر من 80% حول ملف الترتيبات الأمنية".

لكن، في المقابل، ما يزال شعب جنوب السودان، ينظر إلى ما يجري بتوجس وحذر شديدين؛ فالتجارب السابقة بين الرجلين لا تبشر بخير، لكن ليس من بد سوى الانتظار.

اقرأ المزيد...

الوسوم: