جلبير الأشقر: الجماهير العربية تبحث عن بطل ديمقراطي

4255
عدد القراءات

2018-06-24

أجرى الحوار: كريم شفيق

يصف المفكر اللبناني، الدكتور جلبير الأشقر، أستاذ دراسات التنمية والعلاقات الدولية، في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) في جامعة لندن، "الربيع العربي"، بأنه عبارة عن محطة عكست الواقعين؛ الاجتماعي والاقتصادي المأزومين، نتيجة الإخفاق في مشاريع التنمية، ومعدلات نمو منخفضة، لا تتناسب والزيادة السكانية، بالإضافة إلى تزايد واقع البطالة، لا سيما بين الشباب، معرباً عن اعتقاده بأنّ الجماهير العربية تبحث عن بطل ديمقراطي، لا عن قائد مستبد.

لذا، فهذه الانتفاضات الشبابية، التي اندلعت مطلع العام 2011، في عدة بلدان عربية، هي انفجار اجتماعي، بالأساس، ولم تقتصر مطالبها و"شعاراتها" على الديمقراطية والحرية.

دعمت دمشق حلفاءها اللبنانيين في حركة أمل الطائفية في حربهم ضد المخيمات الفلسطينية في الثمانينيات

ثمة مآلات عديدة لهذا الربيع، من بينها تجربة الإخوان المسلمين في القاهرة، وفشلهم في الحكم، والعود الديني، والحرب الأهلية السورية، التي يقودها النظام في دمشق، ضد المدنيين، عبر حلفائه الإقليميين والدوليين، ودخول المنطقة في دوائر العنف والعنف المضاد، واستثمار الحالة الجهادية على عدة مستويات، تبعث بحالة من اللا استقرار.

وصدر للأشقر كتابان حول الانتفاضة العربية: "الشعب يريد: بحث جذري في الانتفاضة العربية" (2013)، و"انتكاسة الانتفاضة العربية: أعراض مَرَضية" (2016). "حفريات" التقت المفكر اللبناني، فكان هذا الحوار:

المزاج الجماهيري

غلاف كتاب "الشعب يريد: بحث جذري في الانتفاضة العربية" لجلبير الأشقر

حدثت تحولات كبيرة في المنطقة العربية منذ الربيع العربي: تصدع في بنية السلطة، وتغير في مزاج الجماهير التي خرجت تطالب بالعدالة الاجتماعية والحرية. بيد أنّ التصدّع والتغيير يبدوان سريعين وطفيفين، وغير متجذرين بالقدر الذي يخلق اصطفافاً قوياً نحو مشروع محدد.. كيف ترى ذلك الأمر؟

ليس التبدل في المزاج الجماهيري وحسب بالطبع، بل يتناسب مع تبدل في طبيعة المرحلة التي دشنها "الربيع العربي". فالانتصارات الأولى التي حققتها الموجة الثورية العارمة التي عمّت المنطقة العربية في بداية عام 2011، رافقتها نشوة كبيرة لدى الملايين. كان التصور السائد أن المنطقة بدأت تلتحق بالحداثة بعد طول انتظار، وأنها سوف تشهد تحولاً ديمقراطياً شاملاً يكنس كافة الأنظمة الاستبدادية، على خلفية صعود مدهش للحركة الجماهيرية، بلغ مستوى الانتفاضة في ستة بلدان خلال أقل من ثلاثة شهور. لكن المد الثوري لم يستمر سوى حوالي سنتين، وأخذ يتلاشى بعد أشهر من بدئه إلى أن ارتد جزراً في عام 2013.

وتبقى النقطة المركزية، التي لا بدّ من الإشارة إليها في هذا الصدد، أن الجذور العميقة للانتفاضات التي شهدتها المنطقة هي اجتماعية واقتصادية قبل أن تكون سياسية. وقد كان الربيع العربي انفجاراً اجتماعياً بالأساس، حتى لو تحول إلى ثورة سياسية. فلم تكن شعاراته سياسية وحسب، ولم تقتصر على الديمقراطية والحرية، بل شملت مطالب اجتماعية بامتياز عبرت عن أزمة بنيوية اجتماعية اقتصادية عميقة للغاية. لذا عرّفت الانتفاضة الإقليمية في كتابي "الشعب يريد" بأنها بداية لما أسميته "سيرورة ثورية طويلة الأمد"؛ أي عملية تاريخية جزمت في أنّ فصلها الأخير والختامي لن يكتب بعد أشهر، وإنما بعد سنوات وعقود.

غلاف كتاب "انتكاسة الانتفاضة العربية: أعراض مَرَضية" لجلبير الأشقر

هل يعني ذلك دخول المنطقة في حالة مديدة من اللااستقرار حتى ظهور بديل قوي قادر على تجميع الشتات؟

دشنت الانتفاضة العربية مرحلة تاريخية طويلة، ستشهد خلالها المنطقة أطواراً عدة متباينة ضمن حالة شاملة من انعدام الاستقرار، مع تغيرات عديدة في مسارات الثورة صعوداً وهبوطاً، وتناوب فورات ثورية وانتكاسات مضادة للثورة، يرافقها للأسف الكثير من العنف.

كان المنعطف الرئيسي حتى الآن ذلك الذي بدأ في ربيع 2013 مع تدخل إيران لإنقاذ النظام السوري، مما سمح لهذا النظام بأن ينتقل إلى الهجوم المضاد بعد أن كان يخسر موقعاً تلو الآخر. وقد شكّل التحوّل في الظرف السوري مدخلاً إلى تحول في الظرف الإقليمي العام، الذي انتقل من طور المد الثوري إلى طور الانحسار والجزر. فدخلت المنطقة مذاك في مرحلة مضادة للثورة، شملت حروباً أهلية، ومعها تحولت نشوة الجماهير بصورة عامة إلى كآبة وتشاؤم.

الهمجية القصوى التي أفرزها النظام السوري في حربه على شعبه ساهمت في إفراز همجية مضادة جسدتها داعش

لكن ما بدأ في عام 2011 وسمي "الربيع العربي"، لم يكن سوى موسم تحتم أن تليه مواسم أخرى. هذا لأن السيرورة الثورية الطويلة الأمد ناجمة عن أزمة اجتماعية اقتصادية عميقة للغاية في منطقة تشهد منذ عقود معدلات منخفضة جداً من النمو الاقتصادي لا تتناسب والنمو السكاني، بالإضافة إلى أرقام قياسية في البطالة، ولاسيما بطالة الشباب. ومثل هذه الأزمة البنيوية، لا يمكن أن يكون حلها سهلاً وسريعاً إذ يحتاج إلى تغيير شامل وجذري. وسوف يستمر الغليان الاجتماعي لا محال، وقد عبرت عنه فورات شعبية عديدة منذ بداية هذا العام في كل من تونس والسودان والمغرب وصولاً إلى "الربيع الأردني" قبل أيام.

التحرر من الاستبداد والشمولية

كيف تفسر أنّ الواقع العربي، الذي دخل في خضم الحراك السياسي منذ العام 2011 وهو يبحث عن مشاريع إنسانية للتحرر من الاستبداد والشمولية، انتهى إلى أن هيمنت عليه أيدولوجيات دينية وارتد مآله إلى دوائر العنف الديني؟

التغيير المنشود في الواقع العربي لم يتحقق إلى الآن بسبب الضعف الفعلي للقوى التي بمقدورها سياسياً أن تمثل منحاه. وإزاء هذا التقصير خيم على الساحة صراع بين النظام القديم ومعارضة قديمة تستخدم الأيديولوجيا الدينية، وأبرز فصائلها جماعة الإخوان المسلمين، بعد أن جرى تهميش المعارضات العلمانية.

والحال أنّ المعارضة الدينية شكلت بالأصل سلاحاً في يد النظام القديم عينه. فلو نظرنا إلى دور الإخوان التاريخي في فترة السبعينيات من القرن الماضي، التي شهدت انتقال المنطقة العربية من العصر الناصري إلى العصر السعودي، لرأينا أن كافة الأنظمة العربية استخدمت الحركات الدينية في سعيها لإضعاف اليسار. وأشهر مثال هو بالطبع نظام السادات الذي أخرج الإخوان من السجون وسمح لهم بممارسة النشاط السياسي بغية استخدامهم سلاحاً مضاداً لبقايا الناصريين واليسار القديم وقوى اليسار الجديد الطلابي.

وقد تكرر مثل هذا الاستخدام في معظم بلدان المنطقة حتى وجدت بعض الأنظمة نفسها في وضع الساحر الذي انقلب عليه السحر، إذ ما لبث أن ارتد ضدها التيار الديني الذي حفزته. فشهدت الأوضاع تصعيداً في العنف، بلغ ذروته في الحرب الأهلية التي عرفتها الجزائر في التسعينيات. وكانت النتيجة بالنسبة لجماعة الإخوان أنّ حالاتها تباينت من بلد لآخر، فتعرضت للسحق في بلد كتونس، بينما أبقاها النظام الملكي طليقة تحت الرقابة في بلد كالأردن، أو تعرضت إلى تناوب هبات القمع والتسامح في بلد كمصر.

عندما بدأت الانتفاضات تعم المنطقة عام 2011، انتهزت جماعة الإخوان هذه الفرصة التاريخية على الصعيد الإقليمي برمته

وعندما بدأت الانتفاضات تعم المنطقة في عام 2011، انتهزت جماعة الإخوان هذه الفرصة التاريخية على الصعيد الإقليمي برمته. وبالرغم من أنها لم تبادر إلى تنظيم الاحتجاجات في أي مكان، ركبت الموجة وحاولت الإمساك بزمام الأمور، بحيث تمكّنت من الوصول إلى السلطة في تونس ومصر وليبيا واليمن. لكن النظام القديم استعاد أنفاسه وانتقل إلى الهجوم المضاد، مستهدفاً الإخوان بصورة رئيسية بعد أن أخفقت القوى التقدمية اليسارية والليبرالية في شق طريق ثالث. وبتنا بالتالي نواجه حالتين في المنطقة: حالة تعاون بين الإخوان المسلمين والنظام القديم من خلال حكومات ائتلافية، كما في المغرب وتونس، وحالة صدام بين الطرفين كما في مصر، وصولاً إلى الحرب الأهلية كما في سوريا وليبيا، وحتى اليمن بشكلٍ ما.

لقد أثبتت جماعة الإخوان وحركة النهضة، عند وصولهما إلى السلطة في مصر وتونس، أنهما صنف آخر من الثورة المضادة قائم على احتواء الزخم الثوري وتجييره في اتجاه رجعي. وقد اقتنعت واشنطن في عهد باراك أوباما بصلاحية شبكة الإخوان الإقليمية، بدعم من قطر وتركيا الوصيتين عليها، في تشكيل بديل يتيح استمرار سياسات النظام القديم الاجتماعية والاقتصادية بما لا يختلف عنها سوى في إضفاء المزيد من "الأسلمة" على مؤسسات الدولة.

وتيرة العنف الجهادي

كيف ترى تصاعد وتيرة العنف الجهادي في سياق مآل الربيع العربي؟

الجماعات الإسلامية المتطرفة والمتوحشة تعبير عن الأزمة، لكن بصورة مشوهة. والحال أنّ قسماً مهماً من المنتمين إليها أناس يرون الظروف التعيسة التي خبروها في معيشتهم من منظار أيدولوجيا دينية تبسيطية، ويتصوّرون أنه بالإمكان إعادة إنتاج أمجاد العصر الاسلامي الأول؛ أي إعادة التاريخ إلى الوراء. وهذا خيال صرف بالطبع؛ إذ إن حل المشاكل المعاصرة لا يمكن أن يقوم على تقليد صيغة حكم قامت لمدة محدودة قبل أربعة عشر قرناً، في ظروف تاريخية لا تمت بصلة إلى ظروفنا الراهنة. هذا وناهيك من أن الجماعات المذكورة تعتمد تصوراً مشوهاً جداً لما كانت عليه الحال في عصر الإسلام الأول.

والنموذج الأقصى في هذا المجال إنما هو تنظيم داعش بالتأكيد. وقد ذهب إلى نهاية المنطق المذكور بشروعه في تأسيس ما ادّعى أنه إحياء لنظام "الخلافة". فلم يفلح سوى في إنجاز مسخ قبيح، شوه صورة الإسلام بحيث حفز التيارات المعادية للإسلام والمسلمين في العالم، وتسبب في منطقتنا بجملة من المآسي وبتوحش فاق التصور.

إلى أي حد ساهم نظام الأسد في تدشين "صدام الهمجيات" في سوريا، حيث وقعت البلاد بين همجية الأسد وهمجية داعش؟

لقد قمت بصياغة فكرة "صدام الهمجيات" إثر اعتداءات سبتمبر 2001، وكان الحديث الطاغي وقتها عن "صدام الحضارات"، وفق مقولة المفكّر الأمريكي اليميني صامويل هنتنجتون. وقد أكدت على أنّ الحضارات لا تتصادم، إذا قصدنا الحضارة بالمعنى العميق للكلمة، وأن ما يتصادم بالفعل هي الهمجيات التي تفرزها كل حضارة على نقيض سيرورة الحضارة العامة.

وتشكل حالات مثل تنظيم "القاعدة" همجية مضادة صغرى أثارتها الهمجية الكبرى التي أفرزتها الولايات المتحدة في منطقتنا، والتي بلغت ذروة في العراق مع التسبب في موت ما يفوق المليون من الناس، غالبيتهم من الأطفال، من خلال الحظر الذي تم فرضه على البلاد طيلة اثنتي عشرة سنة حتى جرى احتلالها عام 2003. وقد تضافرت همجية الولايات المتحدة مع الهمجية المزمنة التي تمارسها باستمرار حليفتها الصهيونية ضد الفلسطينيين، والتي مارستها في لبنان كلما اجتاحته. ومن هذا المنظور، فإن الهمجية القصوى التي أفرزها النظام السوري في حربه على شعبه ساهمت في إفراز همجية مضادة، تتناسب معها، بلغت حالتها القصوى مع داعش.

ثمة إشارة إلى قيام نظام الأسد بإطلاق سراح الجهاديين من سجونه لتغيير طبيعة الثورة وتصويرها بصورة "مؤامرة جهادية تكفيرية"، فضلاً عن أنه من المعلوم أنّ جماعات بعثية عراقية التحقت بما أطلق على نفسه اسم "الدولة الإسلامية في العراق" التي تحوّلت لاحقاً إلى "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، أي داعش. كيف ترى هذه المفارقة التي أدّت إلى تطوّر شديد الإيجابية بالنسبة لنظام الأسد، الذي استغلّ الأمر لإغراء الغرب والقوى اليمينية فيه بأنه يحارب الإرهاب وداعش؟

تشكّل الثورة الديمقراطية الخطر الأكبر على نظام آل الأسد، ولذلك بذل مساعي حثيثة لتعزيز العنصر الأصولي الإسلامي والجهادي الطائفي في المعارضة السورية على حساب العنصر الديمقراطي العلماني. لكن همجية نظام الأسد في قمع الانتفاضة هي العامل الرئيسي في خلق أرضية سمحت لتنظيمي القاعدة وداعش بالتطور في سوريا.

ولا سبيل إلى التخلص من داعش والقاعدة وما شابههما سوى باجتثاث الأسباب التي تدفع ببعض الشباب إلى الالتحاق بمثل هذه الجماعات الهمجية. في سوريا، لا بد من التخلص من الظروف المولدة للحقد الطائفي السني بغية إنهاء جاذبية جماعات كالنصرة وداعش، وهذا لن يتحقق سوى بتنحية آل الأسد من الحكم وإحلال نظام ديمقراطي تقدمي محلهم.

المثقفون ليسوا فئة متجانسة

إشكالية المثقف العربي والتعريف بدوره الوظيفي وموقعه من السلطة أمور معقدة، سواء على المستوى النظري أو من حيث التعيينات العملية. هل ترى أن المثقف في المجتمع العربي قادر على أن يرتقي إلى مستوى مواجهة تحديات الواقع السياسية والاجتماعية؟

لا أعتقد أنّ المسألة مسألة مثقفين بوجه عام؛ لأن المثقفين ليسوا فئة متجانسة، لا اجتماعياً ولا حتى سياسياً. فيوجد مثقفون في كافة التيارات السياسية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. دعني إذاً أتكلم بصورة محددة عن القوى التقدمية الليبرالية واليسارية، هذا القوس القزح من الأطراف السياسية التي لعبت دوراً رائداً في كافة البلدان تقريباً عند بداية موجة "الربيع العربي"، ورأيناها تدخل في تحالفات مع التيار الديني، سواء كان ذلك موضوعياً وعملياً على الارض، كما رأينا في ميدان التحرير في القاهرة على سبيل المثال، أو ذاتياً وسياسياً في أنماط شتى من الائتلاف.

اقرأ أيضاً: رنا عيسى: المثقفون هم المشكلة الأساسية وليس الشارع

في البلدان حيث وصلت جماعة الاخوان إلى الحكم وكشفت عن غايتها في الاستئثار بالسلطة، أدى سلوكها إلى إثارة الاشمئزاز والخوف لدى القوى التقدمية التي لجأ قسمها الأعظم إلى عقد تحالف معاكس مع مؤسسات النظام القديم ضد التيار الديني. وجاء ذلك تعبيراً عن ضعف سياسي وتنظيمي ومادي لدى تلك القوى، التي عجزت عن تشكيل بديل يقف على مسافة واحدة من النظام القديم والقوى الدينية.

وقد بلغ هذا الفشل في تشكيل البديل ذروة مأساوية في الساحة السورية، حيث دخل الطرف الأكبر من اليسار السوري والقسم الأكبر من مثقفيه في تحالف مع إخوان سوريا وتحت هيمنتهم التي عززتاها قطر وتركيا، الأمر الذي ساهم إسهاماً عظيماً في إضاعة الهوية التقدمية الأصلية للانتفاضة السورية وفسح المجال أمام طغيان شتى القوى الدينية الطائفية على المعارضة المسلحة.

هذا ويبقى السؤال قائماً في المطلق عن إمكانية تشكيل بديل ثوري تقدمي عن الانظمة الاستبدادية والقوى الدينية على حد سواء. هذا هو السؤال الكبير الذي يرتهن به واقع المنطقة العربية، إذ أن السيرورة الثورية الطويلة الأمد لن تؤول إلى مخرج تقدمي بلا بروز قوى تقدمية قادرة على قيادتها في هذا الاتجاه. وبغياب ذلك سوف تشهد منطقتنا مزيداً من المآسي والانحطاط، لا محال.

وكيف تصنف موقف المثقفين الذين يؤيدون أنظمة دينية وطائفية باسم ما يسمونه "الممانعة"؟

إزاء ما حصل في سوريا، تورط جزء من اليسار القديم في تأييد نظام الأسد ودور إيران إلى جانبه. هذا لأن هؤلاء يرون الأمور كلها من زاوية معاداة دولة إسرائيل والولايات المتحدة لا غير، ويحددون مواقفهم بناء على منطق "عدو عدوي صديقي". وهو منطق بائس أدى بهم إلى الوقوف مع النظام السوري ومع إيران، وهي مواقف لا تمت لليسار بصلة.

اقرأ أيضاً: المثقف وجهاً لوجه أمام التحولات الكبرى

فكيف بمن يدعي الانتماء إلى اليسار، حامل راية الحرية السياسية والمساواة الاجتماعية، أن يؤيد نظاماً استبدادياً ورأسمالياً فاحشاً كالنظام السوري؟ وكيف بمن يدعي تأييد العلمانية في وجه التكفيريين أن ينصر نظام الملالي الطائفي الإيراني؟ والحقيقة أنّ "الممانعة" ذاتها نفاق، لأن نظام آل الاسد في سوريا هو الذي أنقذ اليمين اللبناني وقمع المقاومة الفلسطينية واليسار اللبناني في عام 1976، ثم أكمل ما فعلته إسرائيل بإخراجها منظمة التحرير الفلسطينية من نصف لبنان الجنوبي ومن بيروت في عام 1982، فأخرجها النظام السوري من النصف الشمالي في العام التالي. ثم دعمت دمشق حلفاءها اللبنانيين في حركة أمل الطائفية في حربهم ضد المخيمات الفلسطينية في السنوات التالية من الثمانينات. وفي العام 1990، التحق حافظ الأسد بالتحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة في الاعتداء على العراق. أما بشار الأسد فقد كان يتفاوض مع الإسرائيليين بوساطة أردوغان التركي قبل انفجار البركان العربي، وكان يراهن على الرساميل الخليجية لترميم اقتصاد بلاده. والحال أن إسرائيل أبدت بكل وضوح أنها تفضل بقاء نظام آل الأسد على سقوطه، إذ تخشى ما قد يحل محله. لذا لم تعترض تدخل إيران طالما كان النظام السوري مهدداً، ولم تمنع تدخل "حزب الله" اللبناني بالرغم من أنه كان بمقدورها تماماً أن ترسم "خطاً أحمر" في هذا المجال. ولم تبدأ بالضغط من أجل خروج إيران وأتباعها الإقليميين من سوريا إلا بعد أن تأكّدت من هزيمة المعارضة وبقاء النظام.

حزب الله

كيف ترى نجاح "حزب الله" في الانتخابات الأخيرة في لبنان بعد توقعات بانحسار حاضنته الشعبية التي شهدت أبناءها يموتون في سوريا؟

في الحقيقة، لم يحقق "حزب الله" ذاته نجاحاً كبيراً، بل إن التحالف الذي يشكل الحزب أهم قوة فيه، ويضم العديد من القوى المرتبطة بالنظام السوري، هو الذي حقق تقدماً وحصل على أغلبية المقاعد النيابية. هذا وقد أشارت الأرقام إلى هبوط نسبة المقترعين إلى ما دون النصف، بمعنى أنّ أكثر من نصف الناخبين المسجلين لم يشاركوا في الاقتراع، إلا أن ثمة جدلاً حول هذه الأرقام. ومهما تكن حقيقة الحالة اللبنانية، لا جدال في أن الممتنعين عن التصويت شكّلوا الأغلبية في الانتخابات التي جرت مؤخراً في كل من تونس والعراق، وكان واضحاً للغاية قبل ذلك أن نسبة المقترعين كانت منخفضة تماماً في الانتخابات الرئاسية التي جرت في مصر.

اقرأ أيضاً: تفكيك شيفرة حزب الله: مشروعه وهويته المحلية ودوره الإقليمي

أرى في هذا الامتناع المتزايد عن التصويت تعبيراً بالغ الأهمية عن وجود طاقة شعبية كبيرة، في صفوف الشباب بالأخص، ترفض ما تراه من عرض سياسي قائم لا يتناسب مع أمانيها. في الانتخابات ما قبل الأخيرة في تونس، تبين أن أكثر من ثلثي الشباب ما دون الثلاثين من العمر لم يصوتوا. ويشير ذلك إلى أن ثمة مساحة سياسية كبيرة تنتظر من يستطيع ملء فراغها. فلو استعرنا عبارة جمال عبد الناصر في كتاب "فلسفة الثورة"، لقلنا إننا نقف في الساحة العربية اليوم أمام "دور يبحث عن بطل". غير أن هذا "البطل" لا يمكن أن يكون في عصرنا زعيماً أوحداً يرأس نظاماً دكتاتورياً، بل ينبغي أن يكون بطلاً جماعياً ديمقراطياً تحررياً.

اقرأ المزيد...

الوسوم: