تونسية تتحدث إلى رئيس الجمهورية الفرنسية: وضعنا الذي نعيش... هذا من فضلكم

تونسية تتحدث إلى رئيس الجمهورية الفرنسية: وضعنا الذي نعيش... هذا من فضلكم

مشاهدة

11/10/2020

أسئلة غمرتني وأنا أتابع خطاب رئيس جمهورية فرنسا عن موقفه من الإسلام المتطرّف والإسلام السياسي، وحيرة انتابتني وأنا أستمع إلى تحليله الشيق عن وضع الإسلاميين بفرنسا، ودورهم السلبي في بلاده، وغضب هيمن على فكري وأنا أتابع ملاحظته التي استشهد فيها بتونس؛ باعتبارها بلداً نموذجاً لفشل الإسلام المعتدل، وأنّ الإخوان إذا تمكّنوا بمجتمع، فإنهم يحوّلونه إلى معبد أزرق. أدركت في تلك اللحظة أنّ تونس كانت حقل تجارب بالنسبة إلى الغرب، وأدركت أنّ نتيجة التجربة أفصحت عن أنّ الإخوان داء، إذا تمكّن من جسد أكلته الحمّى، ولن تتركه إلّا جثّة بدون حراك، وفهمت أنّنا كنّا حقل تجارب أو فأراً أدخلوه المشرحة، ليحقنوه بلقاح الإسلام الوسطي أو المعتدل، إسلام زيّن معالمه الإخوان في مقابلاتهم معهم، إسلام سيكون قادراً لا محالة على حمايتهم من الإرهاب والقتل والأزمات.

 

ليعلم السيد ماكرون أنّنا نعيش مع إخوان تونس بفضل اختيارات الغرب وأمريكا، ألم تفرضوا الإخوان علينا قدراً فاستقووا علينا؟

 

كثير من شهادات الإخوان الخارجين عن التنظيم تحدّثوا فيها عن مقابلات حثيثة بين ممثلين لدول أوروبية وأمريكيين، وهي مقابلات حرص من خلالها الإخوان على أن يظهروا بمظهر رسل سلام، ولا نجاة للغرب من دونهم، إذا ما تمكّنوا من السلطة والحكم، وكثير من الشهادات تحدّثت عمّا سمّي بـ"الربيع العربي"؛ ربيع قدّمت فيه مجتمعاتنا كبش فداء إلى الإخوان، حتى يصوغ المجتمع الذي يرون فيه الأصلح والأقوم، واليوم يأتي السيد ماكرون ليبيّن أنّ تونس أصدق مثال على تدهور مجتمع إذا تمكّن الإخوان من رقابه.

اقرأ أيضاً: المعارضة التونسية عبير موسي تصاب بكورونا... وهذه رسالتها.. فيديو

شعور غريب ينتاب المرء عندما يسمع أنّ بلده تحوّل إلى نموذج يُنهى عن الاحتذاء به، إن لم نقل الابتعاد عنه، شعور امتزج فيه الحزن بالغضب؛ هو حزن لأنّها الحقيقة التي طالما صرخنا ونبّهنا المجتمعات الدولية إلى العدول عنها، الأمر الذي غيّر مسار بلادنا، وغضب لأنّ هذه الدول، ومن بينها فرنسا، لم تصغِ إلى صراخنا، بل صمّت الآذان واجتنبتنا، لتحتضن الوحش الذي نشب مخالبه في أجسادنا.

دور الغرب في تمكين الإخوان

هي شهادة أقدّمها، فكم تحدثت عن تمكين الإخوان بتونس في مجالس رسمية بفرنسا، ولعلّ آخرها في تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2017 بمقرّ الاتحاد الأوروبي بمدينة سترازبور، وأذكر أنّ حديثي يومها لم يرُق للمسؤولين، إن لم أقل أحرجتهم، عندما نبّهت إلى خطر مراكز اتحاد العلماء المسلمين على أوروبا عموماً وفرنسا على وجه الخصوص، ذكّرتهم يومها بأياديهم البيضاء على إخوان تونس، الذين أصبحوا يجولون في مؤسساتنا طولاً وعرضاً، وحذّرتهم من أنّنا، وإن كنّا السابقين، فإنّهم لا محالة اللاحقون، خاصّة بعد أن أصبح في كلّ مدينة ممثّل إخوانيّ، وآخرهم مركز العلماء المسلمين بسترازبور، واستشهدت بإنجازاتهم التي ستؤتي ثمارها إن آجلاً أو عاجلاً.

 

الجمعيات والمنظّمات المموّلة من بنوك إخوانية تشعّ في جلّ المدن الأوروبية

 

 شريط من الجلسات بمقرّ الاتحاد الأوروبي مرّ أمام ذاكرتي، وأنا أستمع إلى رئيس فرنسا، ومرارة أحسست بها، لأنّه احتمى بمثال تونس لينسج طاقية إخفاء تجنّبه مواجهة الواقع المتدهور الذي بدأ المجتمع الفرنسي ينحدر إليه. وأدركت أنّ ما نسج لنا من استراتيجيات واختيارات ستتسع حتماً لتشمل الجميع، فنهم الإخوان فاقة كبرى، لا يدركها سوى من عاشها.

أموال الإخوان تكشف المساومة التاريخية

تحدّث السيد الرئيس عن كلّ شيء إلّا عن المسائل التي يجب أن يقف عندها، لقد اتصف بمهارة فائقة في اجتنابها؛ وقد أغفل سيادة الرئيس، وأقول عن قصد، فهو فطن ويمتلك سيولة في الإقناع، أن يضع إصبعه عند داء، في ظاهره مغر وجذّاب لكنّه يخفي سمّاً فتّاكاً، إنّه المالية الإخوانية التي أغدقت على فرنسا، وأنقذتها من عدّة أزمات اقتصادية.

اقرأ أيضاً: معركة لي ذراع داخل النهضة التونسية تستبق مؤتمر الحركة

تغافل سيادة الرئيس عن إثارة مسائل ذات علاقة لصيقة بمسألة الإسلام السياسي بفرنسا وبقية الدول الأوروبية، وأعني تلك الجمعيات والمنظّمات المموّلة من بنوك إخوانية، تشعّ في جلّ المدن الأوروبية، ولا ننسى أنّ قصّة الحكومات الفرنسية مع منظمات الاتحاد الإسلامي بفرنسا طويلة ومعقّدة، فكيف سيواجه هذا الأخطبوط بعد أن كبر واشتدّ؟ وما هي استراتيجية السيد ماكرون في الحدّ من التمدّد الإسلاموي ببلاده؟ وهل التوقف عن تدريب أئمّة خارج فرنسا، والإشراف عليهم من داخل البلاد الفرنسية، كفيل وحده بضمان إسلام معتدل؟ أو حسب ما يروّج له الآن "بالإسلام الفرنسي"؟ أليس المدرّب هو ذاك الذي تغذّى من أصول إخوانية؟ وهل من طريق للمصالحة مع مبادئ الجمهورية القائمة على العلمانية، واحترام كلّ فرد غيره في المجتمع، دون سعي إلى فرض معتقد أو ملّة؟ وهذه الجمعيات، ما هو مصيرها؟ وهي تنشط منذ عقود على أرض فرنسا وتستقطب الشباب المهمّش والمسلم، الخائف على دينه، بالمال وفتح دور العبادة للتدريب وغسل الأدمغة لا للصلاة، ونذكر على سبيل المثال جمعية "قطر الخيرية"مصير فرنسا اليوم مقلق، ويكاد المرء يقف يائساً أمام ما سيواجه الإرادة السياسية الفرنسية.

10 سنوات مرّت على التونسيين وقد استقلّوا مركباً بدون ربّان أو قلْ كانوا ربابنة من ورق

إنّ وضعنا بتونس معقّد كثيراً؛ لأنّنا نعيش يومياً بين نار جهنّم الإخوان، وتسلّق الانتهازية السياسية، وموات الطموح. وفي اختصار شديد تلك هي حال تونس منذ ما يزيد عن السنة، رياح إيديولوجية تتقاذفها، والتونسي بينها مثل ريشة أنهكها الجفاف، وأرهقها القلق؛ فصار إلى الاستسلام أقرب منه إلى المقاومة.

10 سنوات مرّت على التونسيين، وقد استقلّوا مركباً بدون ربّان، أو قلْ كانوا ربابنة من ورق، سرعان ما ابتلّوا بأمواج الصعوبات المتلاطمة، فانحنوا وانزووا صامتين في انتظار موعد نهايتهم.

لكن، ليعلم السيد ماكرون أنّنا نعيش مع إخوان تونس بفضل اختيارات الغرب وأمريكا، ألم تفرضوا الإخوان علينا قدراً فاستقووا علينا؟ ألم تستقبلوهم في مكاتب رئاسة الحكومة الفرنسية في كلّ موعد انتخابي؟ ألم تنفخوا في صورهم كلّما وفقنا في محاصرتهم؟ ألم تعتبروهم رسل الوسطية والاعتدال؟ وقد طمأنكم الغنوشي في كلّ مرّة بأنّهم على العهد.

اقرأ أيضاً: منير الشرفي: أردوغان خطط لنشر قوات تركية في الجنوب التونسي

كم تباهت صحف الإخوان ببلدنا بالترحاب الذي لقيه الغنوشي في باريس العام 2014، وكم نوهت بعض قنواتكم بـ"الواقعية السياسية" التي يتحلّى بها الغنوشي وبـ"أفكاره المعتدلة"؟ والحقيقة أنّ ما جرى في الكواليس، أكثر ممّا تمّ التلميح أو التصريح به، فقد غيّر الفرنسيون رأيهم (بصورة قاربت الـ 180 درجة)، ولم يعد الغنوشي كما كان يُتصوّر، حيث استطاع إقناع محاوريه ومضيفيه الفرنسيين بأنّه معتدل وقادر على إبرام تحالفات استراتيجية مع أحزاب علمانية، بل مع بلدان غربية وفي مقدمتها فرنسا بالأساس. وبالفعل فقد "جاهد" الرجل في تكرار سيناريو زيارته إلى أمريكا، قبل انتخابات تشرين الأول (أكتوبر) 2011، حيث قدّم نفسه يومها في واشنطن  (واليوم في باريس) على أنّه "صديق للغرب"، وأنه يقود حركة إسلامية معتدلة، تؤمن بأنّه "ليس هناك تعارض بين الإسلام والديمقراطية".

اقرأ أيضاً: حزب جديد في تونس هذه أهدافه .. ما علاقة "النهضة"؟

عذراً سيدي إن قلت لك: صحيح أنّ تونس صارت مثالاً حيّاً لفشل التجربة الإخوانية في الحكم، وفشلهم في نشر إسلام وسطي، صحيح أنّ الإخوان وفقوا في سياسة التمكين ببلدي، صحيح أنّنا شعب محطّم نفسياً، لكن، لكن عليك أن تضيف عبارة مهمّة: "هذا من فضل فرنسا والقوى العظمى"، وأعدك بأنّ الحياة نابضة في عروقنا، لأنّنا آمنّا بحقيقة الإخوان منذ كانون الأول (يناير) العام 2011، ولأنّنا حمّلنا همومنا أبناءنا.

الصفحة الرئيسية