توزيع الأدوار داخل الجماعة: استغلال الخلافات فرصة للبقاء!

توزيع الأدوار داخل الجماعة: استغلال الخلافات فرصة للبقاء!

مشاهدة

13/10/2021

المتأمل للانتخابات الأخيرة، التي أقامتها جماعة الإخوان المسلمين لاختيار مكتبها في منطقتين تحظيان بكثافة كبيرة من عناصر الجماعة الفارة في تركيا، دليل آخر على استقتالها للحفاظ على هيكلها التنظيمي، حتى لو كان ذلك الهيكل هشاً للغاية، نبت في الاغتراب، منقطع الصلة بقواعدها في مصر، غير قادر على التأثير في المشهد، يفقد حضوره حتى داخل تركيا نفسها التي تتصالح مع النظام المصري، ومن ثم تقلّص المساحة التي كانت ممنوحة للجماعة من قبل.

كما أنّ ذلك الهيكل عنصر في حسم صراع الأجنحة داخل الجماعة الذي تأرجح من الأكثر عنفاً إلى اللاعنف، وما بينهما من مناورات تمسك بعصا العنف والسياسة، في محاولة للحصول على أكبر مكاسب ممكنة.

وتمخض صراع الأجنحة أخيراً عن إحالة نائب مرشد الجماعة إبراهيم منير 6 من قياداتها، في مقدمتهم الأمين العام السابق محمود حسين إلى التحقيق، وذلك في اتهامات مالية، وكان منير قد قرر إيقاف حسين في نهاية آب (أغسطس) 2018 من منصبه في الجماعة.

اقرأ أيضاً: لماذا لا يحتفل الإخوان بذكرى النصر؟

ويأتي قرار منير الأخير بعد طعون قدمتها جبهة حسين في انتخابات مكتب الإخوان في تركيا الشهر الماضي، واتهامات لمنير بإنفاق مبالغ ضخمة تقدر بنحو 2 مليون دولار من أجل دعم مرشحين موالين له، بحسب ما أورده موقع "العربية".

تمخض صراع الأجنحة أخيراً عن إحالة نائب مرشد الجماعة إبراهيم منير 6 من قياداتها إلى التحقيق باتهامات مالية

ردّت جبهة منير باتهام حسين بالتورط في مخالفات مالية وإدارية في مكتب الجماعة، وتسجيلها لعقارات وممتلكات وأموال خاصة بالجماعة بأسمائهم وأسماء أبنائهم، فضلاً عن وجود اعتراضات كثيرة داخل الإخوان على أداء المجموعة وتوجهاتها، وحصول المقربين منها على امتيازات مالية تمثلت في رواتب شهرية تجاوزت 3500 دولار لكل فرد، والحصول على جنسيات وإقامات دائمة في تركيا.

وفيما يحاول "حواريو" الجماعة ومريدوها التخفيف من وقع الصدامات والصراعات الداخلية والتأكيد على أنها تأتي في سياق من الديمقراطية وإعادة الهيكلة والتصحيح، فإنّ منظوراً آخر يقدم تلك الصراعات على أنها إكسير الحياة للجماعة.

وبحسب ما أوردته جريدة "العرب" اللندنية في تقرير لها أمس، فإنّ مصادر قريبة من الجماعة كشفت أنّ ثمة لعبة لتوزيع الأدوار يلجأ إليها التنظيم أحياناً كوسيلة للقفز على جراحه السياسية، وأنه لا توجد خلافات بالمعنى الدقيق للكلمة تؤدي إلى الانهيار، لأنّ الجماعة تُحكم بصورة صارمة ولا تسمح تركيبتها بالخروج عن طوع قيادتها، ربما يوجد هامش للخلاف في الرؤى لكن لا يؤدي إلى قطيعة تامة أو عراك حقيقي.

اقرأ أيضاً: ليبيا: هل وفّرت جماعة الإخوان ملاذات آمنة للمرتزقة التشاديين؟

وقد شبهت المصادر نفسها ما جرى من مناكفات بين جبهتي منير وحسين بأنه "تمثيلية سياسية غرضها الإيحاء بأنّ الجماعة ديمقراطية وتتشكل من هيراركية تسمح بإعمال القانون، وتقوم بالتحقيق مع عناصرها قبل اتخاذ إجراءات الفصل".

أجواء عامة تسود المنطقة جعلت الجماعة بموقف ضعف سياسي ولا تحظى باهتمام دوائر كانت مغرمة بها سابقاً

وأضافت المصادر ذاتها أنّ هناك أجواءً عامة تسود المنطقة جعلت الجماعة في موقف ضعف سياسي، ولا تحظى باهتمام دوائر كانت مغرمة بها سابقاً، ممّا دفع بعض القيادات إلى تصعيد الخلافات وتصويرها على أنها تمر بمشكلات قد تعصف بهياكله، ويرمي تكريس هذه الحالة إلى استعادة البريق من باب العزف على وتر الأزمات التي تجذب انتباه بعض وسائل الإعلام للجماعة، لذلك سيظل خلاف منير ـ حسين يدور في حلقات متسلسلة، بدأت بالتباين في وجهات النظر وقد تصل إلى الفصل.

اقرأ أيضاً: المصالحة وانتهازيّة الإخوان... لن يفعلها السّيسي

ويشبه الكاتب والباحث في ملف الإسلام السياسي عبد الجليل الشرنوبي ما يحدث داخل أروقة الجماعة بـ"عروض المصارعة الحرة"، يقول في مقال في الأهرام: يوجد ملايين من المفتونين بعروض المُصارعة الحرة التي يُديرها فينس ماكمان رئيس مجلس إدارة مؤسسة المصارعة العالمية الترفيهية، ويوجد أيضاً ملايين المفتونين بعروض الحياة الإخوانية التى يُديرها (الإخوان الكُبّار أو اللي فوق)، كما هو شائع في عالم الإخوان، وعلى رأسهم من يتصدّر مشهد القيادة، سواء أكان الراحل محمد كمال في مرحلة، أو السجين حالياً محمود عزت، أو الهارب حالياً في تركيا محمود حسين، أو اللاجئ العجوز منذ منتصف السبعينيات إلى إنجلترا إبراهيم منير.

ويضيف الشرنوبي: لكنّ فارقاً رئيسياً بين المفتونين بالمصارعة الحرة والإخوان هو أنّ الفريق الأوّل يظل جزء من وعيه يؤمن بأنّ ما يشاهدونه أداء تمثيلي محبوك السيناريو والصناعة يتطور بإشراف ماكمان حتى لا يمل المشاهد من التكرار، أمّا فريق المفتونين بالإخوان، فدرجة افتتانهم تبلغ حد التخدير والإدمان بالخطاب الدعوي الديني، وما ينتجه من سيناريوهات تتقاطع مع الواقع، وتوهِم المخاطَبين بأنّهم شركاء في إدارة (الدعوة) عبر الصبر على أعبائها وتحمُّل (تبعات السمع والطاعة والثقة) في قيادتها رغم كُل سقطاتها أو فشلها، باعتبار المُتصدر (مُجتهداً إن أصاب له أجران، وإن أخطأ أو زل، فله أجر)، وهكذا تتغير مُسميات (الإخوان اللي فوق) لكن تظل السيناريوهات واحدة، ويظل (السمع والطاعة والثقة) سمات أساسية في جمهور تستغفله قيادته بعروض التصارع على بطولة (مكتب الإرشاد) المحلي أو الدولي، أو حتى التصارع على مسؤولية إدارة شعبة ـ أصغر وحدة تنظيمية جغرافية-، أو موقع (المُسَيَّر) عن العنبر ـ المعني بإدارة شؤون المساجين.

مصادر قريبة من الجماعة: يلجأ التنظيم إلى لعبة توزيع الأدوار أحياناً كوسيلة للقفز على جراحه السياسية

ويتابع: إنها عروض البطولة التنظيمية التي تماثل عروض البطولات المختلفة في المصارعة (سماك داون ـ راو)، والتي أحياناً يُصرَّح بالخروج فيها عن قواعد اللعب النظيف، حيث يستخدم المتصارعون الكراسي والعصي والطاولات، فيما يستخدم مُتصارعو حلبات القيادة الإخوانية التسريبات والبيانات والاتهامات والطعن في القرارات، وبينهما تجد المفتونين بالمصارعة يهتفون باسم البطل الكوني أو العالمي أو الأمريكي، تجد المفتونين بالإخوان يهتفون (هي لله هي لله، لا للمنصب أو للجاه)!.

وفيما تتصارع قيادات الجماعة على الكراسي، وتجد في صراعها فرصة لاستمرار تصدر الأخبار والتقارير، تواصل الجهات الأمنية عملها في تقويض خطر الجماعة، ففي نهاية أيلول (سبتمبر) الماضي أعلنت السلطات الأمنية المصرية عن تنفيذ عملية أمنية استهدفت خلالها شقة سكنية تستخدمها مجموعة تابعة لجماعة الإخوان المسلمين بشكل سرّي بهدف تخزين وإخفاء الأموال القادمة للجماعة، لافتةً إلى أنها تمكنت من ضبط مبلغ 8 ملايين و400 ألف دولار، وبعض العملات الأخرى، إلى جانب بعض الأوراق الخاصة بالكيانات الاقتصادية المملوكة للتنظيم.



الصفحة الرئيسية