تقرير الحريات الدينية الأمريكي: إيران الأسوأ عالمياً

تقرير الحريات الدينية الأمريكي: إيران الأسوأ عالمياً

مشاهدة

15/07/2020

لا يعدو أن يكون التقرير السنوي للحريات الدينية، الصادر عن الخارجية الأمريكية، أخيراً، سوى نسخة لا تختلف عن مثيلاتها في أعوام سابقة، فيما يتصل بواقع الحالة الدينية في إيران، خاصة أنّها تحتل، منذ العام 1999، قائمة الدول التي تثير "قلقاً خاصاً" لدى واشنطن، إثر القمع الشديد الذي تمارسه تجاه الحريات الدينية وحقوق الأقليات؛ إذ كشف التقرير في الجزء المخصص بإيران، المكوَّن من 30 صفحة، الممارسات التعسفية ذاتها، والانتهاكات المتكررة بحقّ الأقليات الدينية والقومية، ممن يتعرضون للتنكيل والتمييز ضدّهم بوسائل متباينة، تتراوح بين السجن والإعدام.

قبضة الملالي تخنق الحريات

تمثل الحريات الدينية في إيران وحقوق الأقليات حالة صعبة ومعقدة، تتّسم بالتراجع والسوء الشديدين، جراء الوضع السياسي القائم منذ العام 1979، عندما دشّن الإمام الخميني الجمهورية الإسلامية، ثم بدأ في تأسيس نظام الولي الفقيه، بكلّ ما ترتب عليه من أوضاع قانونية ودستورية وحقوقية جديدة، فرضت تراتبية معينة فيما يتصل بأوضاع المواطنيين وعلاقتهم بالدولة.

وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، أثناء استعراضه للتقرير السنوي للحريات الدينية في العالم: حوالي 108 أشخاص يقبعون في سجون طهران، على خلفية الانتماء للأقليات الدينية، وممارسة شعائرهم الخاصة

وفي ظلّ أدلجة الدين ومؤسسات الحكم، تمّ حجب المواطن داخل غيتوهات مذهبية، ومربعات سياسية وأمنية ضيقة؛ حيث يتمّ التصنيف والعزل ونبذ الأفراد، على أساس الانتماء أو التماهي مع المرجعية الدينية والأيدولوجية التي يتبناها النظام، دون أية حقوق مواطنية ومدنية، وذلك منذ عمد نموذج الحكم الجديد إلى تطييف السياسة.

في منفاه بالعاصمة الفرنسية، باريس، شرع الخميني، والمجموعة التي كانت برفقته، في إعداد المسودة الأولى للدستور الإيراني، بواسطة حسن حبيبي، النائب الأول لرئيس الجمهورية بعد الثورة الخمينية، وقد نفذ المهمة المكلف بها، في كانون الثاني (يناير) العام 1979، بينما نشرت بعد ذلك، بصورة نهائية، في منتصف حزيران (يونيو) العام ذاته، بعدما قامت لجنة من خمسة فقهاء دينيين بمراجعتها ووضع ملاحظاتها الختامية عليها، بهدف تمريرها.

بيد أنّ تلك النسخة، أو المسودة الأولى من الدستور، ظلت تخفي تصورها السياسي والأيديولوجي، لجهة تكريس نفوذ طبقة رجال الدين في الحكم، حتى عام 1988، ووضع السلطة المطلقة في قبضة الولي الفقيه.

مأسسة التهميش والقمع ضدّ الأقليات

بحسب دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإنّه يقرّ بأنّ الدولة تخضع لسلطة رجال الدين، وذلك على أساس الوصاية والولاية الدائمة؛ حيث نصّ الدستور على أنّه "لا يحقّ الحكم إلا للفقهاء العدول الأتقياء، الذين يعرفون بحيازتهم هذه الصفات حصراً، وينبغي أن يكونوا ممن يحوزون رتبة مرجع".

اقرأ أيضاً: أردوغان يواصل قمع الحريات واستهداف الحقوقيين في تركيا.. ما الجديد؟

ووفق المادة الثانية عشرة من الدستور الإيراني؛ فإنّ "الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الإثنى عشري، وهذه المادة تبقى إلى الأبد غير قابلة للتغيير".

وإلى ذلك، لفت التقرير الأمريكي إلى دور الدستور الإيراني الرئيس، الذي كرّس لهذه الحالة المريرة، وفرض التضييق والتهميش على المنتمين لديانات ومذاهب مختلفة، تصل بهم إلى السجن والإعدام، ناهيك عن الحرمان من ممارسة شعائرهم، كما وصف إيران بأنّها "الأسوأ عالمياً فيما يخص حقوق الأقليات الدينية، وحرية العبادة"؛ حيث أوضح أنّ النظام الثيوقراطي في طهران يحظر إقامة الشعائر الدينية للأقليات بحرية، ويفرض عليها تضييقاً أمنياً، كما يمنع على المواطنيين الانتقال من طائفة أو مذهب ديني إلى آخر، الأمر الذي يحتاج معه إلى موافقة من السلطات الحكومية، بحسب التقرير.

كما أنّ النظام في طهران لا يتعامل مع المسيحيين من الطائفة الإنجيلية باعتبارهم ضمن المنتمين إلى الديانة المسيحية، حسبما يشير التقرير، فيما تصادر الأجهزة الأمنية في طهران كنائس محلية عديدة، بحجة عدم حصولها على تسجيل مسبق، أو ترخيص لممارسة نشاطها الديني، خاصة التي تقام داخلها شعائر دينية، وقد رصدت الخارجية الأمريكية قيام مليشيات الحرس الثوري الإيراني بتعقب أنشطة الكنائس، في مختلف محافظات ومدن طهران، إضافة إلى الدور الرقابي المشدّد الذي تقوم به جهات وأجهزة أمنية أخرى، من بينها؛ وزارتَي الإرشاد والاستخبارات الإيرانيتَين، بهدف تتبع أنشطة الأقليات الدينية.

إعدامات وسجون تلاحق الأقليات

رصد تقرير الخارجية الأمريكية وقوع حالات ممنهجة ضدّ الأقليات، بصفة عامة، تؤدي إلى حرمانهم من حقوق عديدة في الدولة، ثقافية واجتماعية وقانونية، وليس فقط الأمور الخاصة بالعبادة؛ حيث يتعرض أبناء الأقليات الدينية ممن ينتمون إلى قوميات أخرى، غير فارسية، في ظلّ حركة التفريس المستمرة، منذ عقدين، لمنعهم من استخدام لغاتهم المحلية، فضلاً عن عدم تداولها أو تدريسها، وكذلك حظر ارتداء الزيّ الخاص بهم، تحديداً رجال الدين، كما هو الحال مع الأكراد، والآذريون الأتراك، والسنّة العرب، وقومية البلوش، وطائفة المندائيين، مما يعني إهدار تراثهم وخصوصيتهم الثقافية.

وتسبّب هذا الوضع التمييزي بحقّ الأقليات بمنع وصول بعضهم إلى درجة التعليم الجامعي، لاسيما البهائيين، الذين تعرّض من بينهم نحو 65 بهائياً للملاحقات الأمنية والسجن، خلال ستة أشهر فقط، عام 2019، إضافة إلى طردهم من الدراسة نهائياً في حال اكتشاف حقيقة معتقدهم بعد ذلك، كما يكشف تقرير الخارجية الأمريكية، بينما يقوم النظام الثيروقراطي بإعدام نشطاء، مثل زانيار ولقمان مرادي، على خلفية نضالهم الحقوقي للمطالبة بإجراء إصلاحات سياسية ودستورية.

والأمر ذاته تتعرض له طائفة الدراويش، والأخيرة، شهدت حالات إعدام بين عدد من عناصرها، بسبب موقفهم المناهض لسياسات المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي.

ومن بين الحالات التي عرج عليها تقرير الخارجية الأمريكية، في نسخته قبل عام، قيام ما تعرف بـ "المحاكم الثورية" في إيران، بتنفيذ أحكام إعدام، في أيلول (سبتمبر) العام الماضي، بحقّ ثلاثة أشخاص من قومية البلوش السنّة، التي تتمركز في إقليم سيستان وبلوشستان، جنوب شرق طهران، بتهمة الاعتداء المسلح على قوات الأمن والشرطة، وذلك رغم مطالبات حقوقية عديدة بإعادة المحاكمة، وإجراء كشف طبي لهم، لإثبات ما تعرضوا له من تعذيب واعتداءات جسدية بالغة من جانب المحققين القصائيين أثناء المحاكمة.

"محاربة الله".. تهم جديدة

ويضاف إلى ذلك تنفيذ حكم إعدام، قبل عامين، بحقّ ناشط صوفي، لاتهامه بحادثة دهس عناصر من قوات الشرطة، وذلك رغم نفي شهود الواقعة الذين استعانت بهم المحكمة، التي قامت بتكذيب الرواية الرسمية للنظام ونفيها.

رصد تقرير الخارجية الأمريكية وقوع حالات ممنهجة ضدّ الأقليات، بصفة عامة، تؤدي إلى حرمانهم من حقوق عديدة في الدولة؛ ثقافية واجتماعية وقانونية، وليس فقط الأمور الخاصة بالعبادة

وإلى ذلك، لا يكاد يختلف الواقع في تقرير العام الحالي عن غيره، بطبيعة الحال؛ حيث كشف عن تهمة جديدة، تسمى "محاربة الله"، نجم عنها إعدام اثنين من الأقلية السنّية، في سجن "الفجر"، في مدينة الأحواز، جنوب غرب إيران، وهي ضمن المناطق ذاتها التي يحدث فيها القمع والتنكيل بين أبناء الأقليات، الذين يعيشون داخل تقسيمات ديموغرافية، تفاقم أعباءهم الاجتماعية والاقتصادية، في ظلّ ما تعانيه مناطقهم الجغرافية المعزولة والمهمشة من سياسة إفقار وتهميش متعمد.

اقرأ أيضاً: تقارير الحريات حول تركيا: كيف تجتمع الديمقراطية والاستبداد؟

وتوضح الخارجية الأمريكية، أنّ تنامي عمليات الإعدام واستمرارها بين الطائفة السنّية، وقومية البلوش، والأكراد، نجم عنها قلق بالغ بين هذه الفئات والأفراد.

ومن جانبه، قال وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، أثناء استعراضه للتقرير السنوي للحريات الدينية في العالم: إنّ "حوالي 108 أشخاص يقبعون في سجون طهران، على خلفية الانتماء للأقليات الدينية، وممارسة شعائرهم الخاصة، وهو العدد نفسه تقريباً الذي وثّقه أطلس السجون الإيرانية، وهي قاعدة البيانات التي تشرف عليها منظمة "الأمم المتحدة في إيران" غير الحكومية، كما أوضح وزير الخارجية الأمريكي، أنّ طهران نفّذت عدة أحكام إعدام، العام الماضي، بحقّ مجموعة من الأشخاص بعد إدانتهم بـتهمة "محاربة الله".


الصفحة الرئيسية