تقارير الحريات حول تركيا: كيف تجتمع الديمقراطية والاستبداد؟

تقارير الحريات حول تركيا: كيف تجتمع الديمقراطية والاستبداد؟

مشاهدة

25/06/2020

في شهر آذار (مارس) الماضي، صدر التقرير الدولي السنوي لمؤشر الحريات في العالم "فريدوم هاوس" الذي وثّق تراجعاً في مستوى الحريات للعديد من الدول، ومنها تركيا، التي سجلت، حسب التقرير، تراجعاً في الحريات للعام الثالث على التوالي، إلى جانب 48 دولة أخرى من أصل 195 دولة شملها التقرير.

اقرأ أيضاً: هل حسمت تركيا موقفها في ليبيا نحو التصعيد؟.. مؤشرات جديدة

وشهدت تركيا خلال هذه المدة تراجعاً في هذا الملف ضمن محاور مختلفة؛ كالحرية الصحفية والإعلامية وحرية التعبير العامة وحقوق الإنسان والتظاهر والانتخابات البلدية وغيرها، وذلك وفق منظمات عالمية متخصصة منها "أمنستي"، ومفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.

صحفيون سياسيون وناشطو حقوق إنسان معارضون تعرضوا للقمع وفق تقارير

القوة والديمقراطية

غالباً ما تصف الدول "المتضررة" تقارير الحريات الاجتماعية والسياسية والدينية في دول العالم بعدم العدالة والنزاهة ويقف وراءها توظيف سياسي، أو أنّها على الأقل، تعكس مدة زمنية معنية انتقائية وليس ظاهرة عامة. لكن في المقابل، تبدو هذه التبريرات عاجزة عن تفنيد تواتر الحقائق المرصودة لسنوات متتالية، وعكستها المنظمات الدولية في وثائق يتعذر تجاوزها.

 

وفقاً لتقرير "فريدوم هاوس" في 2020 تركيا من أضعف دول العالم في ملف الحريات

تركيا، وفق تقرير "فريدوم هاوس" الأخير إضافةً إلى تقرير الحريات الدينية والعامة الصادر نهاية الشهر الماضي، تم عدها "دولةً غير حرة، في ظل استمرار تدهور حرية التعبير في البلد وبسبب وجود مشاكل في نظام العدالة إضافةً إلى الانتخابات البلدية في 2019 والتي أسفرت عن انتصارات تاريخية للمعارضة، ولكن القيود المفروضة على الحقوق الأساسية استمرت، بما في ذلك قمع أولئك الذين يتحدثون ضد التوغل العسكري الأخير للدولة في شمال سوريا"، بحسب ما نقلته "الحرة" وقت صدور التقرير في آذار (مارس) الماضي.

اقرأ أيضاً: عبد الحكيم بلحاج.. عراب تركيا لنقل المرتزقة والمسلحين إلى ليبيا

من ناحية أخرى، كان تقرير مؤشر الديمقراطية لمجموعة "الإيكونوميست البريطانية" رأى أنّ تركيا دولة تحمل "نظاماً هجيناً ما بين الديمقراطية والاستبداد" وفقاً للمصدر ذاته، رغم عدم وضوح كيف يمكن أن تتمتع دولة بنظام مثل هذا يمكن للديمقراطية فيه أن تصطدم بصورةٍ دائمة بإجراءات استبدادية!

 

أي اعتراضات على تدخلات السلطات التركية في سوريا وليبيا تعرض أصحابها للسجن

يمكن وصف الأوضاع في تركيا، وفق هذه التقارير، بأنّها صعبة بسبب تراكم "قمع الحريات" وبصورةٍ متكررة منذ 2018، إذ في ذلك العام "استمر اعتقال الصحفيين والمعارضين، كما استمر العمل بقانون الطوارئ الذي لم يسمح للكثيرين بالتصويت في الانتخابات بصورةٍ متساوية، إضافةً إلى تهم تعسفية بالانتماء إلى منظمة فتح الله غولن المحظورة في تركيا والتي تكال كتهمة للمعارضين في أحيان كثيرة" وفق الموقع الرسمي للأمم المتحدة في 2018.

 

أيضاً، تبدو السلطات التركية حساسةً لأي انتقاد شعبي أو إعلامي لسياساتها الخارجية تجاه سوريا والعراق والأكراد، وحتى حقوقياً وبرلمانياً وذلك "بسبب جمع السلطات بيد واحدة، وعدم استقلال القضاء، وانتهاك سيادة القانون، وفقد المؤسسات العامة وخاصة التنظيمية والرقابية منها لدورها الحقيقي، إلى جانب فقدان البرلمان لقدرته على المساءلة والمحاسبة"، بحسب تقرير لصحيفة "العرب" اللندنية في 2018، إذ شهد ذلك العام أيضاً، اعتقال أكاديميين مثل "تورجوت طرحانلي عميد كلية الحقوق في جامعة بيلجي في اسطنبول وبتول طنباي أستاذة الرياضيات في جامعة بوغازيجي والتي انتخبت هذا العام نائبة لرئيس الجمعية الأوروبية للرياضيات" وذلك على خلفية اتهاماتٍ بأنّهم معارضون، وأسهموا في تنظيم احتجاجات شعبية كما قالت صحيفة "صباح" التركية في حينه.

اقرأ أيضاً: 6 رسائل في خطاب السيسي أربكت حسابات تركيا وميليشيات "الوفاق"

ومع وجود كل هذه الإجراءات التي تعدها التقارير الدولية قمعية، فإنّ المجال الديموقراطي في تركيا يزداد ضيقاً، كما إنّ أنقرة الحساسة تجاه أي انتقاد لسياساتها الخارجية، استمرت في هذه الإجراءات العام 2019، إذ وثّقتها منظمة "أمنستي".

وفق تقارير دولية فإن الاعتراض على سياسات أردوغان يعرض أصحابه للقمع

بوصلة الحرية المفقودة

في 2019، وفي ظل العمليات التركية شمال سوريا، وإعادة الانتخابات البلدية في إسطنبول أكثر من مرة بسبب كسب المعارضة لها، إضافة إلى اعتقال صحفيين معارضين، يمكن تقسيم انتهاك الحريات إلى أصعدة عديدة.

 

استخدام عمليات التحقيق والمقاضاة الجنائية بموجب قوانين مكافحة الإرهاب والاعتقال العقابي السابق للمحاكمة

فعلى صعيد حرية التعبير، استمر "استخدام عمليات التحقيق والمقاضاة الجنائية بموجب قوانين مكافحة الإرهاب والاعتقال العقابي السابق للمحاكمة في غياب الأدلة على ارتكاب أي أفعال خاطئة جنائياً؛ وذلك لإسكات المعارضة الحقيقية أو المفترضة. وقد منعت المحاكم المحتوى الإلكتروني، وأجريت تحقيقات جنائية ضد المئات من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي" بحسب التقرير الموسع لأمنستي في 2019.

وعلى صعيد الصحافة، ظل العشرات من الصحفيين وغيرهم من العاملين في وسائل الإعلام قابعين في السجون إما في الاعتقال السابق للمحاكمة أو لقضاء عقوبة احتجازية. وقد أدين بعض الذين جرى التحقيق معهم ومقاضاتهم بموجب قوانين مكافحة الإرهاب وصدرت بحقهم أحكام بالسجن لأعوام وقُدّم عملهم الصحفي السلمي كدليل على ارتكاب جرم جنائي" بحسب التقرير ذاته.

اقرأ أيضاً: لماذا يزعج تركيا التقارب المصري – اليوناني؟

ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد، حيث واجه العشرات من المدافعين عن حقوق الإنسان تحقيقات وإجراءات مقاضاة جنائية، واحتُجزوا لدى الشرطة أو سجنوا بسبب عملهم من أجل حقوق الإنسان.

 

تقرير مؤشر الديمقراطية لمجموعة "الإيكونوميست البريطانية": تركيا دولة تحمل نظاماً هجيناً ما بين الديمقراطية والاستبداد

كما استمرت في العام 2019 محاكمة 11 مدافعاً عن حقوق الإنسان في قضية "بويوكادا" من بينهم رئيس سابق ومديرة سابقة وأعضاء آخرون في فرع منظمة العفو الدولية في تركيا، إضافة إلى مدافعين عن حقوق المرأة ودعاة المساواة بناء على تهم عارية من الصحة تتعلق "بالانتساب إلى عضوية تنظيم إرهابي" بحسب المصدر ذاته، وإذا أدينوا بهذه التهم فيمكن أن يواجهوا عقوبة السجن.

أما الناشطون السياسيون والحزبيون، فقد تعرضوا كذلك لانتهاكات مختلفة، منها اعتقال رئيسين مشاركين سابقين لحزب "الشعوب الديمقراطي" هما صلاح الدين ديمرتاش وفيغن يوكسداغ اللذان ظلا قابعين في السجن، لإدانتهما بتهم لها صلة بالإرهاب استندت أساساً – في غياب أدلة موثوق بها – إلى الخطب العامة التي ألقياها.

 

تقارير: منذ 2018 يتم اعتقال صحفيين وسياسيين وأكاديميين وحزبيين معارضين اتهموا بلا أدلة دامغة

ووُضع 20 رئيساً منتخباً ينتسبون إلى الحزب المذكور رهن الاعتقال السابق للمحاكمة، وفي أيلول (سبتمبر) من 2019 حكم على جنان كفتانجي أوغلو رئيسة حزب الشعب الجمهوري في منطقة إسطنبول – الحزب المعارض الرئيسي – بالسجن مدة تسع أعوام وثمانية أشهر "لإهانتها الرئيس"، و"إهانة مسؤول يعمل في الشأن العام بسبب قيامه بمهامه"، و"تحريض الناس على العداوة والكراهية" بحسب التهم التي أدينت بها، ووفق ما نقلته المنظمة الدولية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، وكذلك منظمة أمنستي.

في ظل اعتراضات شعبية وسياسية على سياسات تركيا في سوريا وليبيا، وكذلك على السياسات الداخلية الاقتصادية، وكذلك سياسات حزب العدالة والتنمية، فقد جاء التقرير لعام 2020، حول الحريات في تركيا، حاملاً معه الإشارة إلى المزيد من الممارسات القامعة للحريات التي تنتهجها أنقرة بحق المعارضة في الداخل في ظل هذه الاعتراضات، والتي تجعل العلاقات التركية الأوروبية في حالة شد وجذب، إضافةً إلى تدخلاتها في دول الجوار.


الصفحة الرئيسية