
رياض بوعزة
لا تبدو أزمة الشرق الأوسط اليوم مجرد مواجهة تقليدية مع قوة إقليمية مثل إيران، بل أقرب إلى خلل بنيوي أعمق في طريقة تشكّل النظام الإقليمي نفسه. فالمشكلة لا تكمن فقط في “وجود إيران” كفاعل نشط ومؤثر بغض النظر عن الأطماع أو المكاسب الاقتصادية، بل في قدرة هذا النظام على إعادة إنتاج التوترات الجيوسياسية ذاتها مهما تغيّرت الأطراف أو تبدلت الظروف. من هنا يمكن فهم ما يمكن تسميته بـ”متلازمة إيران” ليس كحالة تخص دولة بعينها، بل كعرض لخلل أوسع في بنية الشرق الأوسط وخصوصا العرب.
إيران، بطبيعة موقعها وتاريخها السياسي بعد 1979، لم تتصرف كدولة معزولة داخل حدودها، بل كفاعل يسعى إلى بناء امتدادات خارجية عبر شبكات سياسية وعسكرية وأيديولوجية. لكن هذا السلوك لم يحدث في فراغ، بل في بيئة عربية متصدعة، حيث تراجع مفهوم الدولة القوية لصالح دول منهكة أو منقسمة أو غارقة في أزمات داخلية مزمنة.
لا يمكن اختزال المسألة في ثنائية “إيران مقابل العرب”. فالتجربة الإقليمية منذ إطاحة الولايات المتحدة بنظام الرئيس العراقي صدام حسين عام 2003 تُظهر أن القوى الخارجية الكبرى، لعبت دورًا حاسمًا في إعادة تشكيل هذا التوازن، سواء عبر التدخل المباشر أو عبر الانسحاب الجزئي الذي ترك فراغات واسعة.
التحولات في مواقف القوى الدولية، من الولايات المتحدة إلى روسيا والصين، ساهمت في إعادة توزيع مراكز التأثير بدلًا من تثبيتها، ناهيك عن بقاء إسرائيل – الطرف الرئيس في أزمات الشرق الأوسط دائما – تحت مظلة أجندة توسع النفوذ الأميركي بعناوين مختلفة.
في لبنان، يتجلى هذا الخلل بأوضح صوره. الدولة الضعيفة ماليًا ومؤسساتيًا تركت فراغًا سياسيًا وأمنيًا واسعًا، سمح لقوى محلية وإقليمية متعددة بالتمدد داخل النظام السياسي. الأزمة هناك ليست نتيجة عامل خارجي واحد، بل نتيجة تفاعل داخلي طويل الأمد جعل من الدولة مساحة مفتوحة لتوازنات خارجية متنافسة، لا طرفًا مستقلًا في حد ذاته.
في اليمن، تتخذ الصورة شكلًا أكثر حدّة. انهيار الدولة المركزية أفرز ساحة صراع مفتوحة، لم تعد فيها السياسة الداخلية قادرة على ضبط التوازنات. التدخلات الإقليمية، بما فيها الإيرانية، لم تكن سبب الأزمة بقدر ما كانت جزءًا من بيئة فوضوية سبقتها، ثم غذّتها لاحقًا. النتيجة ليست انتصار طرف على آخر، بل تفكك الدولة نفسها وتحولها إلى ساحة نزاع طويل الأمد.
أما في سوريا، فقد أدى تفكك السلطة المركزية بعد 2011 إلى إعادة توزيع غير مسبوق لمراكز القوة بين أطراف محلية وإقليمية ودولية. هنا، لم يعد الصراع يدور حول الدولة، بل فوقها وداخلها في آن واحد. ومع تدخل قوى متعددة، من بينها إيران وروسيا وتركيا والقوى الغربية، أصبحت سوريا نموذجًا مكثفًا لفكرة أن غياب التوافق الإقليمي لا ينتج استقرارًا، بل يعيد إنتاج الصراع بأشكال أكثر تعقيدًا.
هذه الحالات الثلاث تكشف نمطًا واحدًا: حين تضعف الدولة الوطنية، لا يظهر فراغ محايد، بل يُملأ تلقائيًا بتوازنات إقليمية متنافسة. وهنا تكمن “المتلازمة” الحقيقية ليس في سلوك طرف واحد، بل في آلية نظام إقليمي يسمح باستمرار الفراغات بدل معالجتها.
المفارقة أن التعامل العربي مع هذا الواقع ظل في معظمه ردّ فعل أكثر منه فعلًا. فبدلاً من بلورة إطار إقليمي واضح يحدد قواعد التفاعل والاشتباك، تباينت المقاربات بين المواجهة الصلبة، والاحتواء، والبراغماتية الظرفية. هذا التعدد في الرؤى لم ينتج توازنًا، بل حالة دائمة من السيولة السياسية التي تسمح باستمرار تمدد النفوذ الإقليمي لأي طرف يمتلك أدوات أكثر تنظيمًا ومرونة.
في المقابل، استفادت إيران من هذا التشتت بقدر ما استفادت من قدراتها الذاتية. فهي لا تتحرك في فراغ، بل ضمن نظام إقليمي مفتوح، حيث ضعف المؤسسات الجماعية العربية، وتراجع فاعلية العمل المشترك، وغياب آلية أمن إقليمي واضحة، كلها عوامل تمنح الأطراف الأكثر تنظيمًا قدرة أكبر على التأثير.
لكن اختزال الأزمة في إيران وحدها يقود إلى قراءة ناقصة. فحتى في غيابها، لا توجد ضمانة بأن النظام الإقليمي الحالي كان سيستقر تلقائيًا. المشكلة أعمق من ذلك: غياب قواعد واضحة لإدارة التعدد بين القوى الإقليمية، سواء كانت إيران أو تركيا أو إسرائيل أو الدول العربية نفسها.
الحرب الأخيرة في المنطقة لم تُغيّر هذا الواقع بقدر ما كشفت حدوده. رغم التصعيد، انتهت المواجهات إلى حالة من “التوازن غير الحاسم”. لا انتصار كامل، ولا هزيمة كاملة، بل استمرار منطق إدارة الصراع بدل حسمه. هذه ليست حالة استثنائية، بل تعبير عن بنية نظام إقليمي يفتقر إلى أدوات إنهاء النزاعات.
في العمق، تعاني المنطقة من غياب مشروع إقليمي قادر على تحويل التنافس إلى قواعد مستقرة. الدول تتصرف وفق حسابات منفردة، بينما تغيب البنية الجماعية القادرة على إنتاج استقرار طويل الأمد. والنتيجة هي إعادة إنتاج دائمة للأزمات، بأشكال مختلفة ولكن بمنطق واحد.
من هنا، يصبح الحديث عن “احتواء إيران” وحده غير كافٍ. المطلوب هو إعادة تعريف قواعد النظام الإقليمي بأكمله: كيف تُدار القوة؟ كيف يُنظم التنافس؟ وكيف يمكن تحويل الصراع من حالة مفتوحة إلى حالة مضبوطة؟
من دون تحديد إجابات واقعية، ستظل المنطقة تدور في الحلقة نفسها: دول ضعيفة، فراغات أمنية، تدخلات خارجية، ثم صراعات تُدار ولا تُحل. بالنتيجة الشرق الأوسط لا يعيش فقط أزمة سياسية، بل يعيش نظامًا سياسيا وعسكريا اقتصاديًا غير مكتمل. هذا النظام لا ينهار ولا يستقر، بل يعيد إنتاج نفسه عبر الأزمات.
“متلازمة إيران” ليست وصفًا لدولة بقدر ما هي تشخيص لنظام إقليمي، متعدد الأجندات والأفكار والتحالفات، لم يتغير نحو الاستقرار ولم ينجح بعد في بناء قواعده الخاصة، بل بعقدة مستمرة منذ قرابة خمسة عقود تتطلب حنكة ودهاء لتفكيكها. وبين واقع لا يسمح بالإقصاء، وضرورة لا تسمح بالفوضى، يبقى التحدي الحقيقي، وإلى أجل غير مسمى، هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء نظام قادر على منع إنتاجها من الأساس. يبدو أن المهمة مستحلية.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Al-Qaeda-and-the-Houthis_1_0.jpg.webp?itok=m3wFK8u4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_7_6_1.jpg.webp?itok=EtF2Zx6c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_211_0.jpg.webp?itok=poBpQhm-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_72.jpg.webp?itok=Ke83_r_i)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SNGZDFKJ2_9prgp7ql5B9129WyEmpUs-UKOADbixh_qXbiwowHq7ChMr4jRIS6ihFHxzpIG5kfBpOIdHtWgE9m_iB76kRJO-dkOJS_-G1Iqb3tVRXr2dpiBX0FqgsSuimkVnRsISBSGXXWdzCkaaX6BtrWdxUWEIJ8T5Te3-UXE7d85VNOKRdK7TVnjNv257.jpg.webp?itok=aZkbWm9D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_0_0.jpg.webp?itok=XgaEsisb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fim97wtVD5pn_fb5l7vSKajmhIQY3sNPQXSyLnnjyFtzNC0BcCsyDUjh0G_-qUUeeAz-r--NqFU9eaZlBxXYNpS0DuLTBJZSBWcm74FN06EQ45ytJKn2UvHaTyHGjq8e07_nH8QvBkvjnmLfD7FRb_tSAEbp6yO4sc6b5ltySrtXnY5oNyZHAduQmXv1rf_G%20%281%29.jpg.webp?itok=GAd-Z-Jv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

